السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
خدعة الأديان (1)

من الأفغانى إلى وثيقة الأخوة

خدعة الأديان (1)

كثيرة هى الخدع المدمِّرة فى التاريخ. وخدعة الأديان كانت من أخطر وأحقر الأسلحة على مدار التاريخ. لقد أبادت لعبة الأديان دولًا وشعوبًا وهويات. وأنشأت أخرى. من خلال الدين تسربت القوى العظمى للشرق الأوسط واستحوذت على موارده وخيراته بعدما سيطرت على عقوله. لقد كان الدين سلاحًا فتّاكًا لضرب الشعوب الفقيرة التي تعانى من الجهل والانسحاب من الحياة رجاء نعيم الآخرة. كان السلاح ولايزال فى أيدى الغرب يوجّهونه إلى عقولنا وقلوبنا. إلى أرواحنا. فغرقنا فى مستنقع الخرافات والفتن والإرهاب.



قبل مائة عام من إطلاق المبادرة السّرّيّة من جانب المسؤولين فى حكومة ريجان الموجهة لآية الله روح الله الخومينى فى إيران وبالتحديد فى عام 1885م وقبل قرن من إنفاق أمريكا مليارات الدولارات لدعم الجهاد الأفغانى بقيادة المجاهدين المتطرفين ضد الاتحاد السوفيتى السابق؛ التقى ناشط أفغانى إيرانى فى لندن مع المخابرات البريطانية والمسؤولين فى الخارجية لوضع فكرة مثيرة للجدل. مثيرة للخيال الاستعمارى. تمثلت الفكرة فى تساؤل الناشط عن مدى اهتمام بريطانيا بإقامة جامعة إسلامية تضم مصر وتركيا وإيران وأفغانستان ضد روسيا القيصرية.

كان هذا هو عصر اللعبة الكبرى الذي اتسم بالصراع الاستعمارى الطويل بين روسيا وبريطانيا للسيطرة على وسط آسيا. فقد كان البريطانيون قد تمكنوا من السيطرة على الهند وعلى مصر كذلك فى عام 1882م. وكانت تركيا العثمانية التي شملت أراضى أخرى ضمت ما يمثل فى الوقت الحاضر العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين والسعودية ودول الخليج أيضًا. كانت أجزاء من تلك الأراضى جاهزة للضم أو السيطرة رُغم أن حل الممتلكات التركية سوف يستغرق وقتًا حتى الحرب العالمية الأولى. كان هناك اندفاع كبير للاستيلاء على الأراضى فى إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وكان البريطانيون يفكرون فى تعزيز فكرة إحياء الإسلام فى ضوء حقيقة كونهم خبراء فى اللعب على أوتار القبلية والعرقية والانتماءات الدينية والوقيعة الشديدة بين الأقليات من أجل مصلحة جلالة الملكة المعظمة ملكة بريطانيا العظمى؛ خصوصًا إذا كانت تلك الفكرة تخدم أغراضهم ومصالحهم. كانت الفكرة نفسها تراود كلّا من روسيا القيصرية وفرنسا. لكنَّ البريطانيين هم الذين كان لهم الغلبة بفعل خضوع الملايين من المسلمين فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا لهم.

كان مَن اقترح فكرة الجامعة الإسلامية 1885م هو جمال الدين الأفغانى. فقد عرض الأفغانى رسميّا أن يذهب إلى مصر فى صورة عميل للمخابرات البريطانية. يُعتبر الأفغانى مؤسّس الجامعة الإسلامية الجَدّ الأعلى لأسامة بن لادن، ليس من الناحية الفعلية؛ وإنما من الناحية الأيديولوجية. كانت ترجمة تساؤلات البريطانيين حول إنشاء اليمين الإسلامى تسير على هذا المنوال الأفغانى (1838 - 1897م)، يلهم محمد عبده (1849 - 1905م) وهو ناشط مصري يؤيد الجامعة الإسلامية وكان تلميذ الأفغانى الأول والمُقرّب وساهم فى نشر رسالته، وعبده يلهم محمد رشيد رضا (1865 - 1935م) وهو تلميذه السورى النجيب الذي انتقل إلى مصر وأسّس مجلة «المنار» للدفاع عن أفكار محمد عبده فى إنشاء الجامعة الإسلامية. وألهَم رشيد رضا تلميذه حسن البنا ( 1906 - 1949م) الذي تبنّى السلفية الإسلامية من خلال مجلة «المنار» وأسّس جماعة «الإخوان المسلمون» فى مصر فى عام 1928م. وتتلمذ العديدون على يد البنا ومن بينهم زوج ابنته سعيد رمضان المنسق العام الدولى لـ«الإخوان المسلمون» الذي كان مقره فى سويسرا. وأبو الأعلى المودودى مؤسّس الجماعة الإسلامية فى باكستان. وهو أول حزب سياسى إسلامى قام بناءً على أفكار البنا. أنشأ تلاميذ البنا الآخرون فروعًا لـ«الإخوان المسلمون» فى مختلف الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة ذاتها. ومن تلاميذ البنا النجباء كان رجل سعودى شارك فى الجهاد الأفغانى الذي قادته أمريكا وهو أسامة بن لادن مؤسّس «القاعدة» المنبوذ من عائلته. خلال الفترة التي امتدت لنصف قرن من 1875 حتى 1925م تم بناء اليمين الإسلامى بمساعدة الإمبراطورية البريطانية. أنشأ الأفغانى البناء الفكرى للجامعة الإسلامية تحت رعاية بريطانية ودعّم المستشرقين البريطانيين أمثال جى براون ومحمد عبده - تلميذَى الأفغانى اللذين أسّسا الحركة السلفية أو اليمين المتشدد القائم حتى الآن - وبمساعدة القنصل المصري فى لندن ولورد إيفلين بارينج واللورد كرومر.

ولكى نتفهم الدور الحقيقى لكل من الأفغانى ومحمد عبده من المهم أن ننظر إليهما على أنهما تجارب فى الجهود البريطانية التي استمرت قرنًا من الزمان لإنشاء الجامعة الإسلامية المؤيدة من بريطانيا. قدّم الأفغانى الحليف المراوغ الغريب خدماته لإمبراطوريات أخرى وآخرها نسخته نصف الحديثة والغامضة من الإسلام الأصولى التي فشلت فى الارتقاء إلى مستوى حركة جماهيرية. ألتحق محمد عبده تلميذه النجيب الأول بالحكام المصريين الذين زرعتهم بريطانيا ومَثّل حَجَر زاوية فى «الإخوان المسلمون» التي سيطرت على اليمين الإسلامى خلال القرن العشرين. أيّد البريطانيون محمد عبده رُغم أنهم أطلقوا برنامجين آخرين قبل الحرب العالمية الأولى لحشد القوى الإسلامية وتعبئتها. فى الجزيرة العربية ساعد البريطانيون حفنة من سكان الصحراء من أشد المتشددين العرب بقيادة عائلة ابن سعود وأقاموا أول دولة إسلامية متشددة فى السعودية.

فى الوقت ذاته شجع البريطانيون الهاشميين حكام مكة ثانى عائلة عربية تدّعى الانحدار من نسل الرسول محمد ونصّبت لندن أبناءهم ليكونوا ملوكًا فى العراق والأردن. كان يُفترض أن يتولى الهاشميون فى الأصل بوصفهم حماة مكة والمدينة قيادة العالم الإسلامى تحت مظلة فكرة إنشاء خلافة موالية لبريطانيا تحل مكان الخلافة التركية المترنحة. غير أن تلك الخطة لم تفلح على الإطلاق وإن نجحت الخطة الموازية. منذ عشرينيات القرن العشرين والذي انخرط تنظيميّا مع «الإخوان المسلمون» على نحو عزّز من عملية الإحياء الإسلامى. لكن الأفغانى هو الذي بدأ العملية برمتها. فقد كان الأفغانى مثل بقية التابعين يشترك مع القوى الاستعمارية التي تتنافس على بسط نفوذها على الأراضى الشاسعة بين شرق إفريقيا والصين. وبعد سنوات من وفاة الأفغانى كتب عشرات من الرواة سيرته الذاتية؛ بأنه من المؤمنين ويدافع بضراوة عن نهضة الإسلام ومناهض للاستعمار ويقاوم القوى العظمى ومصلح ليبرالى يسعى إلى المزج بين إسلام العصور الوسطى والعقلانية العالمية التنويرية.

وفيما كل هذه العناصر حاضرة فى مسيرة الأفغانى فقد كان ساحرًا سياسيّا استغل الدين لأهداف مؤقتة فيما كان حليفًا وساعيًا لدى القوى العظمى. ورُغم أن الأفغانى لم يفوت فرصة واحدة لعرض خدماته على البريطانيين والفرنسيين والروس مرارًا وتكرارًا على نحو يجعل منه عميلا للقوى الثلاث؛ فإن مريديه وأتباعه؛ خصوصًا محمد عبده، أصبحوا يميلون إلى الغرب. ورُغم أنه يعود إليه فضل تطوير الأساس النظرى للإسلام السياسى الجامع والحركة الاجتماعية التي انتشرت فى العالم الإسلامى أجمع؛ فقد كانت أفكاره مخالفة لإجماع الفقهاء وغامضة وينخرط بالسياسة ويؤمن بالوظيفة الاجتماعية للدين. كان يتعامل مع الدين كأداة وكان يظهر الورع ويضع برنامجًا مفصلا للسياسة مستمدًا مما كان عليه الوضع خلال القرن السابع عشر من المجتمع الإسلامى البسيط فى مكة خلال حياة الرسول. كان الأفغانى مغتربًا عن أفكاره؛ حيث قال (لا نقطع رقبة الدين إلا بالدين، وبالتالى فإذا رأيتنا الآن سترى عابدين ناسكين يركعون ويُسَبّحون ولا يعصون أوامر الله ما حيوا ويفعلون كل ما يؤمرون به).

كان من أحد أهداف الأفغانى التي أقرّه عليها تلميذه محمد عبده هو إحداث تغيير فى الأسُس التي يقوم عليها الإسلام. وذلك من خلال إظهار التقوى وإن كانت تقوى استعراضية مزيفة. الحقيقة أنه رُغم أن الأفغانى دعا إلى الالتزام بالأصول الإسلامية أمام الجماهير. فقد كان ملحدًا تعدّى ليس فقط على الإسلام بل على كل الديانات. وفى ذلك كتب الأفغانى يقول إن الأديان مَهما كان اسمها تشبه بعضها البعض. ليس هناك تفاهم وليس هناك تصالح ممكن بين تلك الأديان والفلسفة. الدين يفرض معتقداته وقواعده على الإنسان فيما الفلسفة تحرره من الأديان جزئيّا أو كليّا. وختم بقوله «لكن الأسباب العقلانية لا تعجب الجماهير ولا يفهم تعاليمها إلا قلة مختارة». والفكر النخبوى فى هذه الرسالة جزءٌ لا يتجزأ من غموض الأفغانى. فقد كان لديه على مدى حياته رسالة للجماهير ورسالة أخرى للنخبة. رسالة الجماهير هى الجامعة الإسلامية.

أمّا رسالة النخبة فهى النوع النخبوى من الفلسفة. وفيما ظهر الأفغانى على الناس فى ثوب المناهض للاستعمار عندما يكون هذا يخدم أهدافه؛ فإنه ومن معه فى الدائرة الداخلية ارتبطوا بتحالف تآمرى مع أشد الاستعماريين استعمارًا. وهذا يجعل من الأفغانى الأصل الحقيقى لمفهوم الصدام بين الحضارات الذي ذاع صيته بعد الأفغانى بقرن من الزمان على يد برنارد لويس وصموئيل هنتنجون.

ولا بُد أن لـ«الإخوان المسلمون» المتشددين الإرهابيين سيشعرون بالصدمة عندما يعرفون أن مُلهمهم الأول وشيخهم الجليل جمال الدين الأفغانى كان عميلاً أجيرًا ومُلحدًا وماسونيًّا.