السبت 31 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
العودة إلى مصر

العودة إلى مصر

بعد الذي تم. وسيتم. مصر هى أشرف دولة فى المنطقة. وحدها دفعت الثمَن. ثمَن كامب ديفيد. وقفت مصر وحيدة أمام عدو لا يريد عداءها. وحولها أعداء كل يوم يتمنون ويعملون على سقوطها ومحو هويتها وسحق تاريخها الطويل. وقفت مصر وحيدة تتلقى الحجارة الملقاة من أفواه العرب. وقفت وحيدة أمام مزايدات جبهة الرفض. تلقت الإهانات ليل نهار ولم تخُن ولم تغدر أو ترد الإهانة بالإهانة. وقفت مصر شامخة تنظر وتتنظر. حتى جاء اليوم وصمت الجميع وهم يرون الهرولة تجاه السلام مع إسرائيل. وحدها مصر دفعت الدم. وقبض غيرها الثمَن.



 

أعلنت مملكة البحرين عن معاهدة سلام مع إسرائيل. وهى ثانى دولة خليجية تعلن عن السلام مع إسرائيل بعد الإمارات. المملكة البحرينية لا تمثل أهمية كبرى لإسرائيل سوى أنها عدد. لكنها اتفاقية من أجل حفظ ماء الوجه الإماراتى. لن توقع الكويت خوفًا من مزايدة جماعة الإخوان المسلمين على أرضها. وقطر لن تعلن لأنها تمول المشروع الإخوانى وعلى أرضها تتم الاتفاقيات والصفقات بين الولايات المتحدة وطالبان. ولن توقع المملكة السعودية لإدارتها المدينتين المقدستين مكة والمدينة المنورة. إلا إذا كان هناك ترتيب آخر للمدن المقدسة. لكنها لن توقع الآن. المطلوب فقط هما سَلطنة عُمان والسودان بعد دولة الإمارات. وهما الدولتان الأهم للولايات المتحدة فى حربها ضد الصين. والأهم لمشاريع إسرائيل المستقبلية. إعلان البحرين من أجل الضغط المباشر على سلطنة عُمان التي تؤجل المعاهدة. من دون مصر ستبتلع إسرائيل الخليج كله مع الهلال الخصيب. ستبتلع قلب إفريقيا انطلاقًا من الخرطوم. وهو أمر خطر. أنها ليست نزهة يذهب فيها أمراء الخليج إلى تل أبيب ومنها إلى واشنطون ويعودون بوعود البقاء والسخاء والأمان والاستقرار فى الحُكم وفى البلاد. لن يكونوا أعز ولا أهم عندهم من أنور السادات. الخليج لا يملك إلا المال ويديره الغرب. وهو مصدر مهيأ بالموارد والثروة للتمويل. مجال قريب وجاهز بالجوار والقرب لممارسة التأثير والنفوذ. ساحة فيها وحولها وفى كل الاتجاهات عناصر مواتية لخطط وترتيبات لخطوط مواجهة أو مواجهات سياسية جديدة. الاتفاقيات المتتالية تفتح الباب لقوة التأثير الإسرائيلى تمارس فيه دور ضابط التفاعلات والحكم فى العلاقات.

 

دور الموجه والمرشد والمعلم. إسرائيل تتوسط لأطراف عربية لدى واشنطون. وهى تمهد لأطراف عربية أخرى فى علاقاتها مع الإعلام الدولى. وهى تقوم الآن بتمرير معلومات وستتحول المعلومات إلى نصائح وستتحول النصائح إلى خطط تنفذ. بل إن المخابرات الإسرائيلية تقوم بإعادة تنظيم مخابرات دول خليجية كما أنها تعطى لهم خبراتها العسكرية. الخليج كله يقف وحيدًا أمام رياح دول عاتية تجيد لعبة التحالفات والصفقات والخيانات. محاطة ما بين التوتر الأمريكى وما بين الطموح الصينى. مطحونا ما بين مواجهة إيرانية وقعت فى أحضان الصين وما بين مواجهة إسرائيلية تقدم نفسها كالعادة حاميًا للمصالح الغربية وهى تغمز من خلف الظهر إلى التنين الصينى للتعاون. يقف الخليج عاريًا من غطاء مصر التي أبعدت عمدًا عن الاتفاقيات لتجنى إسرائيل ثمار كامب ديفيد وحدها. التغييرات القادمة فى الخليج لن تكون من على السطح. لن يكون تطبيعًا باردًا بل سيكون هناك تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. لعب كبير وخطر بمستقبل أبناء الخليج كله. وفى ظل تغير العلاقات الدولية وانتهاء التحالفات القديمة وميلاد تحالفات جديدة لابُد أن يتخذ الخليج سندًا وظهرًا ومظلة حماية من رياح إسرائيل العاتية. مصر عمود خيمة العرب.

 

من دونها سيغرق الجميع فى الأوهام وتذوب الأحلام التي نسجت فى البيت الأبيض وامتد ظلها للقصور الملكية. إنهاء حقيقة أن مصر قائدة ورائدة أمر خطر على الخليج لأنه ستحل مكانها إسرائيل. إبعاد القاهرة معناه فقدان الدرع والسيف ومظلة الحماية وفقدان المرجع القوى النبيل. إسرائيل بتحالفها أولًا مع دولة الإمارات ثم البحرين تعد هى الدولة الأقدم. كل دول الخليج أعلنوا استقلالهم فى بداية السبعينيات أما إسرائيل فقد أعلن عنها ديفيد بن جوريون عام 1948. أمّا مصر فهى توأم التاريخ. التاريخ بدأ بها وينتهى عند أقدامها. بغير مصر الأمر خطر. ولن يكون سهلًا. أن يذهب رئيس مصر إلى إسرائيل فى واحدة من أهم الزيارات فى التاريخ أمر عادى لمصر فهى تبتلع حضارات وغزاة وشعوبًا وجيوشًا. الرئيس السادات ذهب وهو يقف على قدمين ثابتتين على أرض تاريخها سبعة آلاف سنة. خلفه شعب تحمل روحه آلاف السنين من الحضارة والعمق والصبر. مصر كيان بالغ الخصوصية. فرضت الجغرافيا أحكامها عليها بطريقة مرهقة. والجغرافيا تفرض أحكامها على كل البلدان وهى بالقطع أكبر الثوابت فى حياة أى وطن.

 

لكن الجغرافيا فى مصر كانت عجيبة. فمصر موقع جغرافى على ملتقى البحار. البحر الأحمر من الشرق يصل إلى المحيط الهندى عن طريق باب المندب. ثم ينفتح على المحيط الهندى إلى المحيط الهادى حتى كاليفورنيا إذا وصلت رحلة البحار الشرقية إلى مداها. ومن الشمال البحر الأبيض يصل إلى المحيط الأطلسى عن طريق مضيق جبل طارق وحتى أرصفة ميناء نيويورك إذا وصلت رحلة البحار الغربية إلى مداها أيضًا. وهذا الوطن المفتوح على البحار مع ذلك تنحصر حياته الداخلية كلها فى شريط أخضر على ضفاف النيل. إذ تحاصره الصحراء الشاسعة من كل جانب. والحياة المحاصرة فى رقعة الوادى تعتمد كلها على مصدر واحد تعيش عليه وهو نهر النيل. يشد الكل ويربطهم على ضفافه الخضراء ويعلمهم درس انتظار فيضانه والاتكال عليه فى ريها وتجديد خصوبتها وحيويتها وأحلامها. والشعب يحاول أن يخرج من الحصار بينما طلب الأمن على الضفاف الخضراء يعيده إلى مكانه فى معظم الأحيان. لكن الخيال عادة أكثر جرأة من الإرادة. وفى حين أن الخيال له أجنحة. فإن الإرادة تحتاج إلى سيقان وأذرع وعضلات. وبالخيال على الوادى الأخضر المحاصر فإن الشعب استطاع أن يصل إلى اكتشافيْن من أعظم ما عرفت الحضارة. اكتشف التوحيد ودعا إليه واكتشف الأبدية - البعث فى عالم آخر بعد الموت - وبشّر بها. ما ضيقته الطبيعة وسعه ما وراء الطبيعة. لكن الموقع له ضروراته ومَهما انعزل فإن له صلاته بما وراءه. وهكذا فإن الوادى المحاصر وجد نفسه موزعًا على قارتين. إفريقيا بيته الذي يسكن فيه وآسيا حياته كل يوم.

 

وبتوقيع الاتفاقيات «الخليجية- الإسرائيلية» سينتج إقليم تنمية وتجارة إسرائيلى يضم إسرائيل والأردن ودول الخليج. وفى الطريق إقليم تنمية وتجارة مغاربى يربط نفسه مع السوق الأوروبية. ثم من بعدهما إقليم تنمية وتجارة يشد السودان إلى مجموعة فى شرق إفريقيا وسوف تجد مصر نفسها وحيدة وسط هذه الأقاليم. تتم تلك الاتفاقيات والمشهد العالمى يبدو مرتبكًا. والفائز الوحيد فيه هى إسرائيل. فالولايات المتحدة مأزومة ومضغوط على أعصابها المشدودة والصين هادئة الأعصاب تمتص الضربات الأمريكية وتمضى فى طريقها دون توقف. الغرب الأوروبى يقف يشاهد وبعضه يستأذن دخول المشهد. والآخر يتلقى الأوامر الأمريكية العصبية للتحرك. العالم مرتبك تمامًا. هناك صراع شرس «أمريكى- أمريكى» سيحدد شكل الصراع «الأمريكى- الصينى». وسيتحدد شكل العالم.  لذا على عَجَل تتم الصفقات والتحالفات والمعاهدات. وسيدفع الكثيرون الثمَن غاليًا. غاليًا جدّا.