الجمعة 27 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ملفات الدورة 75!

هوامش سياسية على رؤية مصر لتطوير منظومة العمل الدولى وحل الأزمات الإقليمية بـالأمم المتحدة

ملفات الدورة 75!

«إن مصر بحكم تاريخها وموقعها وانتمائها الإفريقى والعربى والإسلامى والمتوسطى، وباعتبارها عضوًا مؤسسًا للأمم المتحدة لديها رؤيتها إزاء النهج الذي يتعين اتباعه؛ لتحسين أداء وتطوير فاعلية النظام الدولى متعدد الأطراف مع التركيز بشكل أخص على الأمم المتحدة».



.. يعكس الاقتباس السابق من كلمة الرئيس «عبد الفتاح السيسي» خلال فعاليات «الدورة 75» للجمعية العامة للأمم المتحدة تقديرًا مهمًا وإحساسًا مُقدرًا بفاعلية الدور التاريخى [والمستقبلى أيضًا] الذي تضطلع القاهرة بالقيام به على عديد الأصعدة.. وهو دور محورى بطبيعة الحال.. إذ تمتد دوائر الحركة الأربعة، التي تضمنتها بداية كلمة الرئيس (أى الدوائر: الإفريقية والعربية والإسلامية والمتوسطية) لتغطى عديد الدول بقارات العالم الثلاث (آسيا وإفريقيا وأوروبا).. 

.. وهذا الامتداد، يفرض – جزمًا - تأثيرًا مباشرًا ونافذًا للرؤية المصرية داخل المحفل الدولي الأهم؛ إذ تحتل القاهرة - بدورها - موقع القلب [تمامًا] من تلك الدوائر كافة.

وتأسيسًا على تلك الرؤية – رُغم ما تضمنته من أبعاد أكثر تفصيلاً من النواحى الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية – فإن التركيز – بصورة محورية – على ما حفلت به من تفاصيل سياسية، يرسم أمامنا بوضوح شديد عديد المرتكزات، التي تحكم سياسات القاهرة.. وهى سياسات تؤثر يقينًا فى طبيعة تحركاتها، وتحالفاتها على المستويين: الدولى والإقليمى.. فضلاً عن الاستراتيجيات والأهداف التنموية للدولة المصرية.

 

1-  الأمن الدولى والنظام العالمى:

تحكم الرؤية المصرية لطبيعة السلم والأمن الدوليين (فضلاً عن تطوير العمل الدولى) عدة محددات، يُمكننا تلخيصها فى الآتى:

(أ)- ضرورة تبنى نهج أو آلية [فاعلة]؛ لتنفيذ ما يصدر من قرارات عن «الأمم المتحدة».. خصوصًا إذا ما تعلقت تلك القرارات بقضايا متعددة الأطراف.. وأن يرتبط هذا الأمر بتوافر «الإرادة السياسية» [اللازمة] لدى دول المنظمة، حول احترام وتنفيذ القرارات الصادرة عنها؛

(ب)- أن يعطى هذا النهج الأولوية لتطبيق القواعد والمبادئ المستقرة والثابتة فى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى؛

(ج)- يقتضى – فى المقابل – تنفيذ هذا الأمر التحرك على مسارين متوازيين:

- المتابعة [الدقيقة] لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؛

- العمل على محاسبة الدول التي تتعمد خرق القانون الدولى والقرارات الأممية (خصوصًا: قرارات مجلس الأمن)؛

(د)- تكتسب قرارات «مكافحة الإرهاب» فى هذا الصدد أهمية قصوى.. لذلك – وفقًا لنص كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي - لم يعد من المقبول أن تظل قرارات مجلس الأمن الملزمة فى مجال مكافحة الإرهاب (التي توفر الإطار القانونى اللازم للتصدى لهذا الوباء الفتاك) من دون تنفيذ فَعّال؛

(هـ)- تتوجه العبارة السابقة – على وجه الخصوص – نحو بعض الدول «الراعية للإرهاب».. إذ لا تلتزم تلك الدول، بحكم توظيفها لعناصر التطرف (إقليميًّا ودوليًّا) بمقررات الشرعية الدولية فى مجال مكافحة الإرهاب.. وهو ما جعلها تظن أنها لن تقع تحت طائلة المحاسبة.. لأسباب سياسية؛

(و)- ينسحب هذا التراخى فى التنفيذ المُلزم لقرارات مكافحة الإرهاب – بطبيعة الحال – على عديد الأطراف الدولية، التي تغض الطرف عن دعم تلك الدول للإرهابيين (بالمال والسلاح، وتوفير الملاذ الآمن، والمنابر الإعلامية والسياسية، وتسهيل انتقال عناصر الإرهاب إلى مناطق الصراعات، مثل: ليبيا، وسوريا)؛

(ز)- وإن كان من الضرورى البحث عن آلية إلزامية لتفعيل قرارات الأمم المتحدة فى عديد الملفات الدولية.. فمن الضرورى - كذلك - أن يتم العمل على معالجة مسألة التمثيل الجغرافى العادل فى «مجلس الأمن»؛ ليكون أكثر تعبيرًا عن واقع عالمنا اليوم.. وعن موازين القوى الراهنة، التي باتت تختلف كثيرًا عما كانت عليه إبان وقت صياغة المنظومة الدولية (أى أربعينيات القرن الماضى)؛

(ح)-ترى مصر – كذلك – أن أهمية توسيع المجلس (فى فئتيه: الدائمة وغير الدائمة) من شأنها تعزيز مصداقية المجلس، بما يحقق التمثيل العادل لإفريقيا؛ لتصحيح الظلم التاريخى الواقع عليها والاستجابة لمطالبها المشروعة المنصوص عليها فى توافق «أوزلوينى» وإعلان «سرت». 

 

2 – الأمن بشمال إفريقيا:

تكتسب «القضية الليبية» على وجه التحديد أهمية قصوى بالنسبة لمصر؛ نظرًا لما يمثله تقاطر «عناصر الإرهاب» من خطر على منطقة الشمال الإفريقى بوجه عام.. لذلك، عندما أعربت «القاهرة» خلال الكلمة التي ألقاها الرئيس السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن تمسكها بمسار التسوية السياسية (بقيادة الأمم المتحدة على أساس الاتفاق السياسى الموقع بالصخيرات ومخرجات مؤتمر برلين و«إعلان القاهرة»)، كان من الطبيعى أن تشهد أروقة «قصر الرئاسة» المصري فى صبيحة اليوم التالى لقاءً جديدًا حول القضية ذاتها، جمع بين المستشار «عقيلة صالح» (رئيس البرلمان الليبى) والمشير «خليفة حفتر» (قائد الجيش الوطني الليبى) تحت رعاية «القيادة المصرية»؛ للحد من التدخلات الأجنبية وإعلاء مصلحة الدولة الليبية فى المقام الأول.

.. وبشكل إجمالى تتلخص وجهة النظر المصرية، فى هذا السياق، حول المحاور التالية:

(أ)- وضع خطوات محددة وجدول زمني واضح؛ لاستعادة النظام فى ليبيا، وإقامة «حكومة توافقية» ترقى لتطلعات الشعب الليبى؛

(ب)- لا تنعكس تداعيات الأزمة الليبية – بطبيعة الحال - على الداخل الليبى، لكنها تؤثر على أمن دول الجوار والاستقرار الدولى؛

(ج)- إنَّ دعم مصر للأشقاء الليبيين أمر يحتمه الواجب ووشائج الأخوة ومقتضيات الأمن القومى؛ لتخليص الأشقاء هناك من التنظيمات الإرهابية والميليشيات، ووقف التدخل السافر من قبل بعض الأطراف الإقليمية، التي عمدت إلى جلب المقاتلين الأجانب للداخل الليبى؛ تحقيقًا لأطماع معروفة.. وأوهام استعمارية ولى عهدها؛

(د)- تشدد القاهرة أمام الجميع (مرارًا وتكرارًا) على أن مواصلة القتال وتجاوز الخط الأحمر ممثلًا فى خط «سرت – الجفرة» أمر غير مسموح به على الإطلاق (وغير قابل للتلاعب)؛ إذ ستتصدى مصر لهذا الأمر بكل قوة دفاعًا عن أمنها القومي.. وعلى سلامة شـعبها.

3 -القضايا العربية:

تحمل القاهرة – يقينًا – القضايا العربية كافة، فوق كاهلها منذ أمد بعيد.. وإن كان التوصل إلى حلول جذرية للقضيتين: السورية واليمنية هو أحد تلك الشواغل الرئيسية بالنسبة للدولة المصرية (بعد أن مزقتهما الأجندات الخارجية أثناء ما اصطلح على تسويته بثورات الربيع العربى)؛ فإنَّ مصر لم تدَّخر (بأى وقت من الأوقات) وسعًا فى إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.. وتأسيسًا على هذا الأمر، فإن رؤية القاهرة للقضايا العربية (وفى القلب منها القضية الفلسطينية) تحكمها بالتبعية عدة محددات:

(أ)- إن حل القضية الفلسطينية (بشكل عادل) هو أحد مفاتيح تحقيق السلام والأمن الدائمين بمنطقة الشرق الأوسط؛

(ب)- من هذا المنطلق تستحق القضية اهتمامًا [كبيرًا] من قبل المجتمع الدولى؛ للإسراع فى حل القضية بدلاً من حالة التباطؤ والتعقيد التي تعيشها، منذ سنوات بعيدة؛

(ج)- لايزال الشعب الفلسطينى – إلى اللحظة - يتطلع لأبسط حقوقه (الإنسانية)، ومنها العيش داخل دولته [المستقلة]، جنبًا إلى جنب مع دول المنطقة الأخرى؛ إذ استنزف الوصول إلى هذا الحق أجيالاً؛

(د)- إن إقامة تلك الدولة [المستقلة] يقتضى بالضرورة عدم إغفال الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ومنها أن تكون «القدس الشرقية» عاصمة الدولة؛

(هـ)- يتعين – فى المقابل – على المجتمع الدولى، التصدى للإجراءات التي تقتطع الأرض من تحت أقدام الفلسطينيين وتقوض أسس التسوية، وحل الدولتين التي تبنتها القرارات الدولية وقامت عليها عملية السلام؛

(و)- إن الحـل السياسى [الشامل] للأزمـة السورية، وفقًـا لقرار مجلس الأمن رقم (2254)، بات أمرًا مُلحًا لإطفاء أتون الحرب المشتعلة هناك.. ومن دون اجتزاء أو مماطلة.. وبما يحقق «وحدة سوريا» وسلامتها الإقليمية وسلامة مؤسساتـها؛

(ز)- يجب – كذلك – على المجتمع الدولى أن يتحرك بحسم لإنهاء الأزمة فى اليمن، طبقًا لقرار مجلس الأمن رقم (2216) والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني الشامل.. بما يكفل وحدة اليمن واستقلاله، ووقف استغلال أراضيه؛ لاستهداف دول الجوار، أو لعرقلة حرية الملاحة فى مضيق باب المندب؛

(ح)- لا يمكن أن تترك تلك القضايا كافة بما تثيره من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وديموجرافية (وعلى رأسها قضية اللاجئين) من دون حل حقيقى؛

(ط)- وفى سياق قضية اللاجئين؛ فإنَّ مصر - وفى خضم عديد من الأزمات الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن دون متاجرة أو ابتزاز - لم تُقصر أبدًا فى أداء واجبها الإنسانى إزاء (6 ملايين مهاجر ولاجئ)، ممن اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحروب والأزمات السياسية والظروف الاقتصادية الصعبة؛

(ى)- كما أن استضافة مصر لهذا العدد من اللاجئين (على أرضها وبين شعبها) كان بمثابة نموذج فريد بين عديد الدول.. إذ يتمتعون جميعًا بالخدمات ذاتها التي تقدمها الدولة لحاملى جنسيتها.. ومن دون أى عون أو دعم يعتد به من الشركاء الدوليين.. رُغم الأهمية التي يعلقونها على حقوق هؤلاء المهاجرين.

4 – سد النهضة:

رُغم المماطلات الإثيوبية [المتنوعة] بامتداد مسار مفاوضات سد النهضة؛ فإن القاهرة تمسكت بضبط النفس إلى أقصى درجة.. وبالتالى.. كان من الطبيعى أن تعرب مصر أمام المحفل الدولى الأهم عن عديد من أوجه رؤيتها لمتغيرات العلاقة التفاوضية بين القاهرة وأديس أبابا.. إذ دارت الرؤية إجمالاً حول الآتى:

(أ)- ثمة تصاعد لقلق «الأمة المصرية» حيال مشروع «سد النهضة»، الذي تشيده دولة جارة وصديقة على نهر وهب الحياة لملايين البشر.. عبر آلاف السنين؛

(ب)- أمضت مصر ما يقرب من عقد كامل (10 سنوات) فى مفاوضات مضنية مع السودان وإثيوبيا؛ سعيًّا للتوصل إلى اتفاق ينظم عمليتى ملء وتشغيل السد.. بما يحقق التوازن المطلوب بين متطلبات التنمية للشعب الإثيوبى وبين الحفاظ على مصالح مصر المائية؛

(ج)- خلال العام الجارى (2020م)، خاضت مصر جولات متعاقبة من المفاوضات المكثفة؛ لتقريب مواقف الدول الثلاث من خلال المحادثات التي رعتها واشنطن بمعاونة البنك الدولي.. ومن بعدها فى الجولات التفاوضية التي دعت إليها جمهورية جنوب إفريقيا بوصفها الرئيس الحالى للاتحاد الإفريقي.. إلا أن تلك الجهود لم تسفر - للأسف - عن النتائج المرجوة منها؛

(د)- إن نهر النيل ليس حكرًا لطرف.. ومياهه بالنسبة لمصر ضرورة للبقاء من دون انتقاص من حقوق الأشقاء؛

(هـ)- أكدت تلبية «مجلس الأمن» لدعوة مصر بعقد جلسة للتشاور حول الموضوع فى 29 يونيو الماضى خطورة وأهمية هذه القضية واتصالها المباشر بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.. وهو الأمر الذي يضع – بالتبعية - على عاتق المجتمع الدولى مسؤولية دفع الأطراف كافة؛ للتوصل إلى اتفاق عادل؛

(و)- لا ينبغى – فى هذا السياق - أن يمتد أمد التفاوض إلى ما لا نهاية؛ لفرض الأمر الواقع من قبل إثيوبيا.. إذ إن شعوب وادى النيل تتوق إلى الاستقرار والتنمية، وإلى حقبة جديدة واعدة من التعاون. 