السبت 24 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
شائعة كل 7 دقائق.. التدمير باليأس والأمل

شائعة كل 7 دقائق.. التدمير باليأس والأمل

بقلم : أيمن عبد المجيد

90 يومًا، كافحت فيها مصر، طاعون الشائعات المتفشي، شائعة تُلقى كل 7 دقائق، في طوفان الفضاء الإلكتروني الهادر، تتلقفهاأمواج التويتات، والبوستات، على مسرح التويتر والفيس بوك، العرض مستمر.



عشر شائعات كل ساعة، 233 شائعة في اليوم، هل هذا صدفة، أم هو عمل مدبر بشكل مُحكم، إنها الحرب النفسية الموجهة لا محالة.

تلك الأرقام مجرد حسبة بسيطة، تحليل للمعلومة الخطيرة التي كشفها الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال حفل تخريج أبطال جدد، يلتحقون بعرين أسود القوات المسلحة، 21 ألف شائعة استهدفت مصر خلال الثلاثة أشهر الماضية.

الرئيس كان واضحًا، كاشفًا أهداف تلك الحملة المسعورة، التي تستهدف الروح المعنوية للشعب المصري، لإشاعة روح الإحباط واليأس وفقدان الأمل، تمهيدًا لتحركات شعبية يتم توجيهها لتدمير الدولة من الداخل، وهو الخطر الحقيقي قالها الرئيس لإيقاظ الوعي.

ولقد استخدمت الشائعات منذ القدم في الحروب، كسلاح فعال في تحطيم الروح المعنوية للخصم، تلك الروح التي لا تقل أهمية عن السلاح والكفاءة القتالية، لدفع الخصم للتسليم بأن مواصلة القتال أشد فداحة من الاستسلام.

مخطئ من يظن أن الشائعات عمل فوضوي ارتجالي، بل هي علم له قواعده وأسسه، تنطلق من أهداف حددها المشيع بدقة، ويسعى وفق استراتيجيات وتكتيكات لبلوغها.

قديمًا كانت الشائعات تستهدف الجيوش، للنيل من عزيمة الجنود، واليوم تستهدف الشعوب، نظرًا لمتغيرات رئيسية طرأت على ساحة المعركة وطبيعة المقاتلين فيها.

فساحة المعركة لم تعد جبهة قتال في الصحراء، بل ساحة الفضاء الإلكتروني وجميع ربوع الوطن، والمستهدف الآن هو المواطن، العقل الجمعي للشعب، الداعم الرئيسي للتنمية، فالهدف العقل.. منذ أشهر كتبت في هذا المكان مقالًا حمل عنوان: "الحرب داخل الجمجمة".

فالعقل هو مركز القيادة والسيطرة، المحرك لسلوك الفرد، وهدف العدو الآن السيطرة على العقول، ومن ثم إشاعة روح اليأس والإحباط، لينعكس ذلك على السلوك، لتوليد، اللامبالاة، وفقدان الثقة في الدولة وحكومتها، تخاذل عن العمل، ويأس من تحسن الأحوال في المستقبل.

لكن هل اليأس وحده هو الهدف، إطلاقًا بل اليأس والأمل، ربما تتساءل: كيف يستهدف أعداء الوطن اليأس والأمل في الوقت ذاته؟ أجيبك في ظني- وليس كل الظن إثمًا- إنها ذات الاستراتيجية والتكتيك الذي اتبعه الكيان الصهيوني، المسمى إسرائيل، إشاعة اليأس والأمل لتحقيق الأهداف ذاتها.

لا تتعجل، سأوضح لك مقصدي، أوبري سوليمون مائير إيبان، أو "أبا إبيان"، أحد قيادات الحركة الصهيونية، المولود عام 1915، انضم للعمل مع حاييم فايتسمان في المنظمة الصهيونية العالمية في لندن في ديسمبر عام 1939، وبعد بضعة أشهر، التحق بالجيش البريطاني، كضابط مخابرات، حيث تمت ترقيته إلى رتبة ميجور، خدم كضابط اتصال للحلفاء في فلسطين، في عام 1947، ثم شغل منصب وزير خارجية الكيان الصهيوني، في فترة من 1966 وحتى 1974.

هذا الصهيوني المخضرم البارع في اللغات الشرقية، لدرجة ترجمته رواية "يوميات نائب في الأرياف"، لتوفيق الحكيم، من العربية إلى العبرية، كان أبرع مستخدمي تكتيك الدعاية الصهيونية المتناقضة لتحقيق الهدف ذاته.

كان يتبنى تكتيكًا دعائيًا غاية في المكر والخداع، يشيع لدى العرب روح اليأس والاستسلام، للشعور بالعجز عن محاربة إسرائيل، عبر إشاعة أنه الجيش الذي لا يقهر، وفي الوقت نفسه إشاعة الأمل في نفوس العرب بأن الحل الوحيد لديهم هو "السلام" لفظًا "الاستسلام" معنى، للمحتل، حتى يرضخ العرب لـ"سلام" الضعف والهوان، والاستسلام للأمر الواقع بلا أي حراك لاستعادة أراضيهم.

لكن هيهات، فلا سلام إلا سلام القوة، ولا نامت أعين الجبناء، فقد هزمنا الحرب النفسية، وقهرنا التحديات، وعبرنا القنال، ولم يكن الانتصار بلا تضحيات، بل بالفداء، والعمل والكفاح والتلاحم والعلم والأخذ بأسباب القوة.

عودة لاستراتيجية شائعات اليأس والأمل، التي تخدم ذات الهدف، العدو ما زال يتربص، هو ومن والاه وتحالف معه، لتحقيق ذات الأهداف بتكتيكات جديدة، لكننا لا نتعلم.

اليأس والأمل، هما استراتيجية حرب الشائعات لتحقيق ذات الهدف، وهو تدمير الدولة المصرية من الداخل، إشاعة روح اليأس والإحباط لدى الشعب، ليفقد الأمل في تحسن أحواله، ثم الدفع بعد ذلك بتكتيك الأمل في التغيير من خلال حراك جماهيري، يندس بين صفوفه من يحرك الجموع لتخريب، لا تقوم لمصر بعده قائمة.

هدفهم وإيقاف مسيرة بناء الدولة المصرية، التي بدأت تلتقط أنفاسها، لإدخالها في دوامة صراعات سياسية وفوضى أمنية، أتذكرون كونداليزا رايس و"الفوضى الخلاقة"، فوضى تخلق عملاء يهدمون الوطن، ويخدمون مخططات الأمريكان والصهاينة، ولن يكون ذلك إلا بخلق حالة يأس من قدرة النظام الحالي على تحسين الأوضاع، ثم حمل سفاح بعقول مغيبة لإنجاب أمل كاذب محفز على الفوضى.

لكن كيف يُشاع اليأس؟ رغم ما تراه الأعين من إنجازات؟

الإجابة بسيطة:

1 – التركيز على السلبيات بشكل دائم، والتعتيم على الإنجازات.

2 – إثارة الأنانية، والدفع بسؤال أبله ماذا استفدت أنا مما تحقق؟ لتوليد إجابة لم أستفد شيئًا فليذهب الجميع للجحيم.

3 – التشكيك الدائم في المسؤولين، والسخرية منهم، عبر تحريف تصريحاتهم واختلاق تصريحات لهم تصطدم مع المنطق.

مثل شائعة نسبت لوزير التموين د. علي المصيلحي تدعي أنه سيضيف مادة بالخبز تقلل خصوبة الرجال لمواجهة الكثافة السكانية، بينما كان تصريح الرجل، أنه سيضاف أملاح معدنية تزيد من القيمة الغذائية للخبز.

وشائعة أخرى اختلقت تصريحًا مزيفًا لمسؤول بالآثار أن الثلاث جماجم التي عثر عليها بتابوت الإسكندرية لشخص واحد.

ورغم عدم منطقية الشائعة، إلا أنها وجدت بُلهاء على "تويتر وفيس بوك"، قاموا بتشييرها، مدعين أن عقولهم ترفض تصديق ذلك، وأن مسؤول وزارة الآثار أبله!

4- التشكيك في جدوى المشروعات القومية، والإصلاحات الاقتصادية، لتفريغ الظهير الشعبي للقيادة السياسية.

لكن الدولة تدرك أنها الحرب، بأساليب جديدة أكثر خطورة، وأعمق أثرًا، وأقل كلفة للعدو، ففي السابق كان يضحي بجنوده وأسلحته في المعارك، اليوم مجرد خلايا إلكترونية ومجموعات استخباراتية، تعمل في غرف عن بُعد عبر حسابات إلكترونية، لتدمير الروح المعنوية.

إدراك الدولة المصرية، والرئيس السيسي، طبيعة الأسلحة الجديدة، والمخططات، والاستراتيجيات، جعلها تدرك أن الدفاعات والتحصينات الأجدى نفعًا في مواجهة تلك العدائيات، هي حصون الوعي، فبالوعي وحده ستتحطم قنابل الشائعات على صخرة المعرفة.

ولعل الشفافية والمصارحة، والرد على الشائعات بشكل سريع وفعال، يحبط مفعولها.

لعل أكبر نجاح حققه الرئيس عبد الفتاح السيسي، هو الحديث الدائم للشعب، والمصارحة، لكنها لم تكن مجدية، لولا أنها تأتي مصحوبة بإنجازات، ففي كل حديث كان يفتتح مشروعًا عملاقًا تم إنجازه، أو يحاور شبابًا في مؤتمر يجلس في نسخته الثانية وقد تحقق الجزء الأكبر من توصيات نسخته الأولى.

لكن يبقى على الإعلام دور في خوض معركة إيقاظ الوعي في مواجهة طوفان الشائعات، التي ستزداد وغيرها من أسلحة التدمير، مع كل خطوة تخطوها مصر للأمام.

وعلى المسؤول في كل موقع بالدولة، أن يُدرك طبيعة المعركة، ويدقق في تصريحاته قبل إطلاقها، بحيث لا يستخدم من العبارات ما يحمل أكثر من معنى أو يقبل التأويل، الذي يسمح لمروجي الشائعات بتحريفه، وكذا الاعتصام بالأداء المهني بسرعة الرد عند رصد أي شائعة لوئدها في مهدها.

هي ذاتها الحرب النفسية التي استهدفت مصر عقب ثورة 23 يوليو، وما زالت، فمن العجيب أن تجد شابًا نشأ في أسرة ريفية، تعلم من ثمار زراعة أرض الإصلاح الزراعي، التي حصل عليها والده من مكتسبات ثورة يوليو، عندما قضت على الإقطاع، يعادي الثورة لمجرد أنه قرأ "بوست" هنا أو كتيبًا هناك لأحد المختلفين معها، يُنظر بالتبعية دون قراءة وافية أو التأمل فيما جناه هو شخصيًا من مكاسبها.

ثورة يوليو التي نحيي ذكراها الـ"66" اليوم، أعادت الوطن لشعب مصر، بعد أن كانت ثماره حكرًا على القصر ورجاله، لا يوجد ملائكة، كل عمل بشري فيه أخطاء، لكن الإيجابيات، هي الغالبية العظمى، هي الملهمة لثورات التحرر في الوطن العربي وإفريقيا، هي الجمهورية التي لها مكانتها وأثرها في العالم قبل الإقليم.

حرب الشائعات مستمرة، استهدفت مصر عقب ثورة 1952 لكننا انتصرنا، بنت مصر السد العالي، وقلاع الصناعة الوطنية، تحررت من الاحتلال البريطاني، وهزمت العدوان الثلاثي، استهدف الشائعات الشعب والجيش، عقب نكسة 1967، لإحباط عزيمتنا، لكننا انتصرنا على الشائعات، ومشيعيها، وقهرنا من قالوا إنه جيش لا يُهزم.

واليوم نواجه الحرب ذاتها، لكن الشعب بوعيه انتصر في 30 يونيو، انتصر في المراحل الأصعب للإصلاح الاقتصادي، انتصر في معركة تمويل حفر قناة السويس الجديدة، وسينتصر إن شاء الله بوعيه في معركة التنمية.

كل عام ومصر منتصرة وشعبها صخرة من الوعي تتحطم عليها مخططات الأعداء.