تَعوّد جمهور السينما منذ أعوام طويلة، ومع إطلالة وقفة العيد بتنافس أكبر النجوم بأضخم الأفلام، وأن يكون العيد هو الموسم الأكبر والأضخم سينمائيا، ولكن منذ أعوام، وهذا العام تشهد خريطة السينما انقلاباً جذرياً، ولم تحفل الدراما العربية التي تعرض كل موسم رمضاني بمظاهر شهر رمضان، في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان شهر رمضان يمثل الموسم الذهبي للسينما، وكان المنتجون يتنافسون لعرض أفلامهم فى شهر رمضان بعكس ما يحدث الآن. بدءً بفيلم العزيمة لكمال سليم 1939 إلى فيلم "في بيتنا رجل" لبركات 1967، نهايةّ بفيلم ضربة معلم 1987، من إخراج عاطف الطيب فى مشاهد قليلة لمظاهر شهر رمضان.
رغم أن عاطف الطيب، أفلامه دائما تحمل فى أفكارها وموضوعاتها قضايا اجتماعية، وسياسية تهم المواطن البسيط يعبر فيها عما يجيش فى قلوب وعقول الجماهير.
فهو أحد أبرز رواد الواقعية الجديدة فى السينما المصرية، من أجل هذا أعلنت وبثت قناة “الوثائقية” في الأسبوع الأول من رمضان هذا العام فيلم "عاطف الطيب" الوثائقي يتناول مسيرته الفنية والإنسانية، ومستعرض أهم محطات حياة المخرج الراحل وأبرز أفلامه التي ناقشت قضايا المجتمع بجرأة وعمق، وعبرت عن هموم البسطاء من لوعة ، وحسرة ، وانكسار . الفيلم التسجيلي لم يكن الاول، فقد تناول فيلم تسجيلي أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان “عاطف الطيب.. سيرة ذاتية لوطن”، قصة حياة عاطف الطيب منذ ميلاده وحتى وفاته.
الوثائقي يستعرض كيف بدأ حياته في ظروف أسرية صعبة، وظروف وطن مهزوم في حرب 1967 وحلمه بالعبور، مرورًا بمشاركته في حرب 1973 وفرحته بالنصر، وعرض أفلامه التي تركت بصمة في تاريخ السينما العربية.
يبدأ الفيلم الوثائقي، المحاكي لسيرة المخرج المصري عاطف الطيب، من حيث توقفت نبضات قلبه بعد عملية جراحية، ليعكس مدى التأثر والإحساس بالفقد، حين يفاجئ المُشاهد بالنهاية قبل البداية.
الطيّب الذي أطلق عليه “جبرتي” السينما المصرية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، الذي شكّل توقف قلبه في عمر السابعة والأربعين توقفا لسلسلة أفلام تعتبر تاريخا سينمائيا صادقا ودقيقا لحياة المصريين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عمل في عمره القصير بمعدل 18 ساعة يومية بعد أن اكتشف مرضه بـ" لغط بالقلب" نتيجة حمى روماتيزمية في الطفولة، فقدم خلال 15 عاماً هي عمره الفني 21 فيلماً سينمائياً.
عاطف الطيب من أسرة صعيدية متوسطة نزحت إلى العاصمة بحثاً عن الرزق، في وقت تزامن مع حركة الضباط الأحرار التي تحول فيما بعد إلى ثورة شعبية، بدأ حياته فى ظروف أسرية صعبة، - بعد أن افتتح أبوه، محل ألبان فى القاهرة، عمل فيه عاطف مع والده لكنه تعرض محله للكساد -.
لم تثن فترة تجنيد عاطف الطيّب الطويلة، عن ممارسته السينما التي يعشقها، ليصنع فيلمه التسجيلي الأول “جريدة الصباح” عام 1972 من إنتاج المركز القومي للسينما وبعدها بستة أعوام أنتج فيلمه التسجيلي الثاني “مقايضة” بعد انتهاء مدة التجنيد بثلاث سنوات.
أخلص لطبقته المتوسطة ولأحلامها وآلامها، فحمل همومها، وأفكارها ومعاناتها وعبّر عنها في أفلامه، وكان الفنان الراحل نور الشريف يرى فيه “نجيب محفوظ الإخراج”، حيث الاهتمام بالطبقة الشعبية والحيّ الشعبي والعلاقات الحقيقية.
نجح عاطف الطيب فى أن يجمع حوله دائرة من المؤلفين يلتقط منهم ما يناسبه للتعبير عن هاجسه الحقيقي، بالإضافة إلى قدرته على التقاط التفاصيل واللحظة التي تتغير فيها مصر كل يوم، فتعاون معه كتاب مميزين وحيد حامد، بشير الديك، أسامة أنور عكاشة مصطفى محرم لطرح هموم ومشاكل الطبقة الوسطى التي تعرضت لهبوط عقب الانفتاح، والمواطن البسيط في محاولة لعلاج قضايا حياته اليومية.
عندما بدأت ملامح المجتمع تتغير بفعل التحول الحاد والمفاجئ في نمط الاقتصاد المصري مع نهاية السبعينيات، ليداهم بنظام الانفتاح الاقتصادي الكامل الذي ترك أثره على بقية النظام الاجتماعي، فكان يرصد فى بداية الثمانينيات تغول الدولة بطابعها الأمني، متعايشا في أرق دائم من قهر السلطة على الإنسان المصري، وهو وما ظهر في أغلب أفلامه، فجمع بين إعجاب النقاد السينمائيين، والنجاح الجماهيري اللافت، من خلال موضوعاته التي اختارها بعناية، وقريبة للناس، والسلبيات الموجودة بالمجتمع، وربما كان فيلم “البريء” الوحيد في تاريخ السينما المصرية الذي "أجاز" عرضه ثلاثة وزراء في الحكومة المصرية، لجنة تكونت من وزير الدفاع عبد الحليم أبو غزالة ووزير الداخلية أحمد رشدي ووزير الثقافة أحمد عبد المقصود، بعدها طلبوا حذف نهايته الأصلية وبضعة مشاهد أخرى وحوارات قدّر مدتها بنحو 15 دقيقة كاملة.
لم يهتم عاطف بكمال الصورةِ بقدرِ ما عُنِيَ بالتعبير عن اللحظة، ولم تنْجُ سُلطةُ واحدِةُ في افلامه مِن النقدِ والمساءلة، فتاريخه السينمائي خطابا محسوب على الناصرية الثقافيّةِ.
يظهر في "إنذار بالطاعة"، و"كشف المستور" برؤيَتِه الأخلاقيةِ والاجتماعية والسياسية. ولم يسلم من التقييمات المتباينة والآراء المختلفة لمناهج النقاد بل تعددتها لتوجهات المؤسسات الصحفية ودلالاتها حين قاد إبراهيم سعدة رئيس تحرير أخبار اليوم حملة مؤهلة ضد فيلم "ناجي العليّ" رسام الكاريكتير الفلسطيني الذي اغتيل في لندن واتهم مخرجه بالخيانة.
كتبت جريدة أخبار اليوم “عاطف الطيّب يسبب الذعر في إسرائيل، طائرات إسرائيلية تحلّق فوق لبنان”، وجاء تعليق الممثل نور الشريف بطل فيلم "ناجي العلي": "كنت أتوقع هجومًا من خارج مصر، ولكن للأسف جاء من الداخل وتم اتهامي بأني وعاطف خونة ولسنا وطنيين".
ورحل عنا عاطف الطيب جراء مشاكل في القلب، بعد أن أخرج آخر أعماله "ليلة ساخنة" الذي يرصد كغيره من أفلامه بعض الظواهر الاجتماعية المعيشة كالتطرف الديني، التدين الشكلي، فساد إدارة الشرطة، ترحيل الشباب إلى أفغانستان.. في الـ21 فيلماً من إخراجه برز تحيّزه للطبقة الوسطى، فغالِبُ أبطالِ أفلامِه موظّفون أو أعضاءُ في أجهزةِ الدولة، في حينِ ينظرُ بعَينِ الشكّ والإدانةِ بالانحلال للطبقات الدنيا مِن حِرفيِّين وعُمّالٍ خصوصاً مَن ارتقَوا اقتصادياً في ظلِّ الانفتاح.
فنان مثقف يمثل ضمير عصره تركنا لإنتاج سينمائي لا يعبر عن مسيرة السينما المصرية والإبداع المصري، أو حتى هواجس ومشاغل المجتمع المصري، ولا الحرص على قوة مصر الناعمة.



