أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى
القدرة العربية الشاملة والمصير المُشترك
«المنطقة بتتغير ومش عاوز أتكلم أكتر من كده..» عبارة بالغة الأهمية قالها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته على هامش إفطار الأسرة المصرية السبت الماضى، وسبقها بعبارة شخصت الواقع الراهن: «ما يحدث فى منطقتنا مفترق طرق حقيقى ينبغى أن تفكروا فيه كتير قوي».. مع تجديد التأكيد على أن أمن دول الخليج العربى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى.
«مفترق طرق حقيقي»، «المنطقة تتغير»، «أمن الأشقاء فى دول الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي» مع دعوة للتفكير العميق فيما يواجه المنطقة من تحديات، وسيناريوهات التصعيد المدمر، وارتداداته وآثاره وانعكاساته ومآلات سيناريوهاته المحتملة.
التفكير العميق، هدفه إدراك حجم التحديات والمخاطر، واتخاذ القرارات الرشيدة للحد من أخطارها وتعظيم فرص النجاة والأمن والسلامة لمنطقتنا وشعوبنا من المؤامرات التى تحاك لها ومستنقع الفوضى الذى يحاولون جرها إليه.
فى مفترق الطرق هذا، موقف مصر شديد الوضوح والحسم والثبات، إذ تواصل تحذيرها من مخاطر التصعيد المسلح، للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتواصل جهودها لخفض التصعيد، والعودة إلى المفاوضات الدبلوماسية، وتدين وترفض بشكل قاطع وحازم وثابت الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية الشقيقة.
«المنطقة تتغير»، استخدام فعل مضارع هنا يعنى أن مخططات التغيير بدأ تنفيذها فعليًا، والتصدى لها لتلافى مخاطرها وأضرارها يتطلب حكمة وقرارات رشيدة، تنطلق من تشخيص دقيق، وهنا وعى الشعوب العربية حاكم فى هذه المعادلة.
منذ اللحظة الأولى، وموقف مصر شديد الحسم والوضوح، مصر ترفض التصعيد المسلح ولا تتوقف عن التحذير من مخاطر اتساع رقعته، وتجدد يوميًا رفضها الاعتداء الإيرانى على الأشقاء العرب فى الإمارات العربية المتحدة، والكويت والبحرين وسلطنة عمان والسعودية وقطر والعراق والأردن.
فمصر الرسمية والشعبية تدرك وتعلن فى كل مناسبة أن أمن الأشقاء فى الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى العربى، وأن مصر على كامل الاستعداد لتقديم كل الدعم الممكن للأشقاء، جاء ذلك فى اتصالات مباشرة، من الرئيس عبدالفتاح السيسى بقادة الدول العربية الشقيقة، بالإمارات والكويت والسعودية والبحرين وسلطنة عمان والعراق والأردن.
وأوفد الرئيس عبدالفتاح السيسى، الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية إلى عواصم شقيقة، مؤكدًا تضامن مصر ودعمها للأشقاء للحفاظ على أمنهم واستقرارهم، مساء الثلاثاء وعلى هامش إفطار وزارة الخارجية شدد الدكتور بدر عبدالعاطى على هذه الثوابت المصرية وما حمله من رسائل الدعم للأشقاء فى جولاته الأخيرة والاتصالات الدائمة مؤكدًا رفض مصر القاطع للاعتداءات الإيرانية على الأشقاء.
هذا الموقف الرسمى الواضح يتوافق معه الموقف الشعبى، الرافض للحرب والتصعيد العسكرى الداعى للعودة للحلول الدبلوماسية والحوار، فكما ترفض مصر العدوان الأمريكى الإسرائيلى ضد إيران وتحذر من مخاطر اتساع رقعة الصراع، وترفض بكل حسم وحزم الاعتداء الإيرانى على الدول العربية الشقيقة.
حجم المخاطر والتحديات وأطماع القوى الدولية المتصارعة فى ثروات المنطقة والسيطرة على ممراتها الملاحية لما لها من أهمية جيوسياسية واقتصادية، فضلًا عن الأطماع الصهيونية فى التوسع وأداء دور وظيفى مدمر لتوسيع دوائر النفوذ، يتطلب من العرب التوحد والعمل بكل قوة لتعظيم القدرة العربية الشاملة لمواجهة تلك المخاطر والتحديات والحفاظ على مقدراتها وأمن شعوبها.
القدرة الشاملة تعنى محصلة عناصر ومكونات القوة لكل دولة لتحقق مجتمعة قدرة عربية شاملة تعزز من قوة الفعل العربى فى المعادلات الدولية، وهنا لا بد من الحفاظ على قوة الدول الوطنية العربية وبناء رؤية عربية مشتركة ومواقف عربية ثابتة.
وهو ما أدركه المجتمعون فى القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015، عندما اتخذوا قرارا بإنشاء قوة عربية مشتركة، لحماية الأمن والاستقرار فى الوطن العربى، وهو ما لم يصل حتى الآن لواقع على الأرض.
لقد شهدت القدرة العربية الشاملة، خصما من مكونات قدرتها بشكل كبير بعد أحداث 2011، وما آلت إليه من صراعات مسلحة وشروخ بعدد من الدول العربية، يتعسر حتى الآن رأبها فى ليبيا والسودان واليمن ثم سوريا التى يلتهم الكيان الصهيونى أجزاء إضافية من الجولان، ويتوسع فى لبنان.
هذا الخصم من القدرة العربية الشاملة، يتزايد مع تهديد سلامة وسيادة الدول العربية فى الخليج، وهو ما يجب أن تدركه الشعوب العربية، أمامنا تحدٍ مصيرى، يتطلب الوعى والتكاتف والوحدة لا الانجرار خلف مؤامرات شق صف الدول العربية المستقرة القوية، فما يخرج من تجاوزات البعض على وسائل التواصل الاجتماعى ممارسات فردية ناجمة إما عن تضليل أو ميليشيات معادية لإثارة الفتنة بين المصريين وأشقائهم العرب.
شعب مصر، الذى عبر تحديات جساما وأحبط مؤامرات كبيرة حاولت النيل من مصر، يقف مع أشقائه العرب، يرفض العدوان عليهم تحت أى ذريعة ومن أى طرف، لا يقبل استهداف البنية التحتية بدول عربية من قبل إيران تحت أى ذريعة، ويحذر من محاولات الصهاينة للوقيعة وجر العرب لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل تستهدف استنزاف القدرة العربية وإشعال حروب مذهبية (سنية- شيعية).
فى هذه المساحة كتبت منذ اندلاع الحرب، مقالًا تحت عنوان: «حرب الأثمان الباهظة»، تلاه مقال «حرب المدركات ورسائل الحسم»، نبهت فيهما لخطورة المخططات التى تحاك ضد الإقليم، وآثار الحرب المدمرة أمنيًا واقتصاديًا والتى لا يستطيع أحد حول العالم تجنب تأثيراتها السلبية، وطبيعة مخططات الكيان الصهيونى التى تستهدف جر الدول الخليجية لحرب فى مواجهة إيران لن يستفيد منها إلا الكيان الصهيونى. وفى ذات المساحة أشدد اليوم على أن إيران استُخدمت لعقود لاستنزاف القدرة العربية الشاملة، وأن مواصلتها استهداف دول عربية يخدم الكيان الصهيونى عدونا وعدوهم، فليس من مصلحة أحد سوى الاحتلال الصهيونى المساس بسيادة دول عربية وتدمير بنيتها التحتية.
ندرك أن إسرائيل قد تحاول استهداف منشآت اقتصادية عربية، وإلصاق المسئولية عن استهدافها بإيران للوقيعة ومحاولة جر الدول العربية للحرب هجوميًا، وهذا ما يجعل العرب يواصلون ضبط النفس والاستمرار فى الموقف الدفاعى، لكن هذا يجب أن يقابله إعلان إيرانى حاسم وتطبيق عملى بالامتناع عن استهداف الدول العربية.
الموقف المصرى الشعبى
الخلاصة: موقف شعب مصر يتسق مع الموقف الرسمى للدولة، يرفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ويعتبر أمن دول الخليج وكافة الدول العربية جزءًا لا يتجزأ من أمن مصر القومى.
كراهية الشعب المصرى للاحتلال الصهيونى للأرض الفلسطينية وما يرتكبه من جرائم بحق الإنسانية فى فلسطين، وعدوان على إيران وأطماعه التوسعية، لا يعنى غض الطرف عن أى اعتداءات إيرانية على دول عربية شقيقة ليست طرفًا فى هذه الحرب.
أمن وسلامة الدول العربية الشقيقة أولوية مصرية رسمية وشعبية، بل واستعادة قوة الدول العربية الوطنية التى شهدت هزات أو شروخا فى بنياتها منذ 2011 وما تلاها.
الأمن القومى العربى يتحقق بالحفاظ على قوة الدول الوطنية العربية منفردة، ولذا يجب على المواطن فى كل بلد شقيق أن يحذر من مخاطر مؤامرات إثارة الفتن بين الشعوب لأن ذلك لن يكون إلا فى صالح الصهاينة العدو الأخطر لكل دول المنطقة.
وتظل القضية الفلسطينية هى لب هذا الصراع كما يؤكد الرئيس عبدالفتاح السيسى دائمًا، ولا سلام عادلا دائما وشاملا إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967.
وبالأمس أعلن الأزهر الشريف موقفه الرافض للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، هو موقف كل مؤسسات المجتمع المدنى، كما نرفض عدوان أمريكا وإسرائيل على إيران نرفض وبشدة اعتداء إيران على الأشقاء العرب فهم ليسوا طرفًا فى هذه الحرب، وكذلك وزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية المستقلة: المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام يدعون فى بيان لهم الإعلاميين في مصر والوطن العربى التوقف عن السجالات التى لا تستند إلى حقائق والحفاظ على العلاقات الأزلية بين الدول العربية وشعوبها مؤكدين رفضهم الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية الشقيقة.
وخلال حديثه للإعلاميين مساء الثلاثاء شدد الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية المصرى، على أن مصر تعمل على كل الجبهات لإحلال السلم ولا تغفل ملفات السودان الشقيق وترى أنه لا حل إلا من خلال هدنة إنسانية يعقبها وقف دائم لإطلاق النار ثم حلول سودانية - سودانية على مائدة سودانية بلا تدخلات خارجية. هكذا هى مصر تدعم السلام والأمن والاستقرار وترى فى الحلول الدبلوماسية آلية لإنهاء الصراعات، ولا يشغلها الحرب الدائرة عن ملفات أخرى بالغة الأهمية للأمن القومى المصرى والعربى.
حفظ الله مصر والأشقاء العرب فى الخليج وكل الأقطار العربية



