الأحد 9 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
علينا بقراءة التاريخ

علينا بقراءة التاريخ

بقلم : طارق رضوان

يعيش العالم حالة من الارتباك. حالة صنعتها الامبراطورية الأمريكية القلقة والمنزعجة. فقد زحف التنين الصينى نحو المقدمة لينافس ويقتسم الكوكب معها. أمر مزعج ومقلق ومُعطِّل لطموحات الولايات المتحدة. زحف الصينيين غيَّر من خطط المستقبل وبدلًا من خطط السيطرة وضعت مكانها وفردت خطط المواجهة. فدخل العالم كله أرض المعركة.



 

غضب الامبراطور الأمريكى يفرد مظلته على الجميع. الحليف والعدو. لا شىء أهم من المواجهة غير المباشرة إلى الآن مع الصينيين. وضع يشبه الحرب الباردة ضد السوفييت أفقدت تلك الحرب أعصاب الرأسمالية الغربية. فأصبحت على عجل من أمرها فى تحديد الحليف بسماته الخاصة. وهو ما يسبب حالة القلق والاضطراب الحادثة فى العالم العربى. ولأن مصر هى قلب وروح الأمة العربية أصبحت فى مقدمة المواجهة المباشرة مع الرأسمالية الغربية. يريدون رسم خطوط سير لمصر لتكون ركيزة فى مواجهة التمدد الصينى. وكعادة الامبراطورية استعانت بعقولها المفكرة من خلال بيوت التفكير الأمريكى. مؤسسات فورد التابعة لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية ومؤسسة راند التابعة للبنتاجون وغيرهما من المؤسسات التى تخطط وتتصل وتمول وتدرب وتحمى لتحقيق الهدف. وهو ما يوجب علينا أن نفتح كتاب التاريخ وندقّق النظر ونحلل التفاصيل ونربطها بما توصلنا إليه من معلومات. فمن قريب لعبت مؤسسة راند دورًا كبيرًا فى أحداث 25 يناير 2011 باتصالها المباشر واحتواء ما سمى بشباب 6 أبريل. وبقراءة البيان التأسيسى لهذه الحركة يتبين لنا حقيقة ما حدث؛ بل ويتبين لنا حقيقة ما يحدث الآن بظهور المدعو محمد على لمهاجمة الجيش والرئيس. قال البيان التأسيسى: نحن مجموعة من الشباب المصرى من مختلف الأعمار والاتجاهات. تجمعنا على مدار عام كامل منذ أن تجدد الأمل يوم 6 أبريل 2008 فى إمكانية حدوث عمل جماعى من أجل الخروج به من أزمته. لم يأت أغلبنا من خلفية سياسية ما ولم يمارس أغلبنا العمل السياسى قبل 6 أبريل 2008 لكننا استطعنا ضبط بوصلتنا وتحديد اتجاهنا من خلال الممارسة أثناء ذلك العام.

ماذا نريد؟

نريد أن نصل إلى ما اتفق عليه كل المفكرين المصريين، وأقرته كل القوى السياسية الوطنية من ضرورة مرور مصر بفترة انتقالية يكون فيها الحكم لإحدى الشخصيات العامة التى يتم التوافق عليها من أجل صالح هذا الوطن. وتنتهج الحركة فى ذلك طريقة المقاومة السلمية واستراتيجيات حرب اللاعنف لتحقيق الهدف النهائى وهو التغيير السلمى. «علينا مقارنة هذا البيان مع ما يردده المدعو محمد على الآن»، من خلال السطور الأولى للبيان التأسيسى. يتضح لنا أننا أمام شباب متحمس للتغيير، يحمل أهدافًا نبيلة للشعب المصرى فى تحديد مصيره وبطرق سلمية. لتبدأ هذه الحركة فى جذب الشباب المصرى من طلبة الجامعات والكليات والمعاهد فى كل ربوع مصر. وكان علينا أن نتساءل من أين أتوا بمناهج علوم التغيير هذه؟ ومن الذى قدمها إليهم؟ ومن الذى رسم الطريق وحدّد البوصلة؟ ومن الذى فرد مظلة الحماية عليهم؟ لذا سارعوا هم بأنفسهم للإجابة عن هذه التساؤلات فى نفس البيان التأسيسى الأول للحركة بأسلوب المواجهة المباشرة. حيث كتبوا عن علاقتهم بالخارج ما يلى: نعتقد أنه من الخطأ أن نذكر كلمة الخارج كلفظ مُبْهم بدون تفصيل. فالخارج ينقسم إلى حكومات وشعوب ومنظمات مجتمع مدنى ونحن نرفض أى تعامل مع الحكومات الأجنبية. ولكن نرى أنه فى عصر المعلومات والإنترنت يجب الانفتاح على كل التجارب والخبرات والتعلم مما يفيدنا وينبغى التخلص من الأفكار التى صدرها النظام القمعى لنا من انغلاق وعدم الانفتاح على تجارب الآخرين. ونرفض التأثر بتلك الأفكار المنغلقة والمفاهيم البالية. مثل بعض الفصائل السياسية. ونرحب بتبادل الخبرات بيننا وبين الحركات المشابهة السابقة منها والحالية. ونرحب بالتعاون مع منظمات المجتمع المدنى فى إطار التضامن الحقوقى والإعلامى والتدريب والتعليم. «مرة أخرى يتطابق كلام البيان مع ما يردده محمد على». وهنا نجد تفوقًا بارعًا للحركة فى استخدامها لعلوم زلزلة العقول والبرمجة اللغوية العصيبة. معرفة كبيرة لعلوم التغيير. إعادة تسمية الأشياء بمسميات جديدة تخدم الهدف لتصبح الأشياء بمسمياتها الجديدة بعد ذلك من البديهيات والمسلمات. فقد بدأت الحركة فى تعريف لمسمى الخارج وربطه بهدفهم الخاص من خلال عملية مُبهرة قسمت فيها الخارج إلى حكومات وشعوب ومنظمات مجتمع مدنى. وحيث إنهم رافضون للتعامل مع الحكومات بالخارج بعد أن أصبحت المسميات الجديدة من البديهيات وتعريف كلمة الخارج أصبح منظمات مجتمع مدنى ما دام الهدف نبيلاً والشباب يعانى من مشاكل اجتماعية واقتصادية والدولة لا تجد الحلول المناسبة لهذه المشاكل. ينتهى البيان التأسيسى للحركة بالكشف عن مصادر التمويل التى تعتمد على تبرعات الأعضاء كمصدر أساسى للتمويل ويؤكد البيان رفضه التمويل المالى الخارجى. كان ذلك البيان المكتوب باحترافية كبيرة منذ عشرة أعوام تقريبًا وهو مماثل تمامًا لما يقوله المدعو محمد على مع بعض التغييرات فى توجيه الاتهامات التى يقوم بها لمواكبة الحدث القائم الآن مع دخول مسمى آخر وهو المعارضة المصرية بالخارج. دقة التعبيرات والادعاء بسمو الهدف يكاد يكون متطابقًا لتحقيق الغرض نفسه، وهو إزاحة قوى حاكمة من أجل زحف قوى أخرى مدعومة تمامًا من الرأسمالية الغربية. وما يطمئنا إلى حد ما أننا لسنا وحدنا فى مواجهة الامبراطورية الأمريكية المفرطة وبيوت تفكيرها المخططة. إلا أننا أكثر من غيرنا نحتاج إلى مهمة تفتيش فى أعماق شخصية وضمير هذه الامبراطورية ونيات مؤسساتها. بحيث لا نكون كما وقع لنا مرات سابقة مهزومين بلا مبرر وأسرى بلا مقاومة وضحايا بلا ثمن. والحقيقة أن مهمة التفتيش الدقيق فى أعماق الضمير الأمريكى والأوروبى تكتسب أهمية مضافة من حقيقة اختلاف الامبراطورية الأمريكية عما سبقها من التاريخ. بحيث لا يصح معها الاكتفاء بما هو ظاهر على المواقع. أو مختبئ فى الملفات. وإنما تقتضى مهمة التفتيش فحصًا للأصول والجذور ينزل إلى باطن التربة. عندما ظهر أول نبت وتردد أول نفس. وإنما تلفته علامات وشواهد يحاول أن يتقصاها. ويعثر فى بعض المحاولات على دليل ولا يعثر فى بعضها الآخر على شىء. وفى التحضير لأى مهمة تفتيش بهذا الاتساع فقد يلزم الاتفاق بشكل عام على أن أى امبراطورية لا بد أن تنشأ وتقوم وتستند على دولة وعلى مصالح ضخمة وعليه فإن البحث فى الخصوصيات الأولية للدولة الأمريكية يكشف فهم طبائعها وتمييز شخصيتها ومقاصدها وسلوكها وممارستها فى السياسة «وهو التعبير اليومى عن حركة القوة والمصالح»، ثم إن الغرض من هذه العودة إلى البدايات لا يكون هدفه المحاكمة والإدانة. وإنما يكون مطلبه الفهم وتجنب المخاطر والمكائد. لأن مهام التفتيش فى العادة صعبة وحتى إذا كانت لدى المفتشين خيوط يظنونها كافية لتقود خطاهم إلى ما يبحثون عنه. فإن التفتيش فى أعماق الضمائر أكثر تعقيدًا من التفتيش فى الأمكنة وفى المواقع. خصوصًا إذا كانت المحاولة فى ضمير امبراطورية كاسحة «مفرطة فى قوتها» مرتبكة وأعصابها مشدودة تدخل حربًا واسعة مع امبراطورية قادمة تزحف ببطء. مصر محاطة بخطر كبير وتواجه أمهر العقول الغربية لمشروع ضخم أُعد لمصر، وحدهم هم من يعرفون سماته ويعرفون توقيت تنفيذه. كتاب التاريخ دليل مهم للنجاة من مخاطر مؤكدة تحوم حولنا. والاستعانة بأمهر العقول المصرية بعيدًا عن فقراء الفكر وكراكيب الماضى لنخرج من تلك الأزمة أو لتقليل حجم الخسائر. علينا أن نأخذ تحركات المدعو محمد على على محمل الجد ولا نستهين به فهو ليس وحده.