الأربعاء 07 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بروكسل تبحث عن لغة مشتركة للأمن.. والهجرة تتحول إلى ملف دفاعي

بوابة روز اليوسف

في ظل انقسامات عميقة بين دول شرق وجنوب الاتحاد الأوروبي حول مصادر التهديدات الأمنية، تتجه بروكسل بشكل متزايد إلى إدماج ملف الهجرة ضمن تفكيرها الدفاعي، ليس لأن جميع دول الاتحاد متفقة على ذلك، بل لأنه يوفر لغة مشتركة داخل تكتل منقسم، غالباً ما تتصدع فيه روح التضامن عند أشد اللحظات حاجة إليها.

 

 

وسبق للاتحاد الأوروبي أن شهد انقسامات حادة عقب تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما ترددت عواصم شمالية لعدة أشهر قبل فتح أبوابها أمام اللاجئين عام 2015. وحتى في بدايات جائحة «كوفيد-19»، سارعت الدول إلى إغلاق حدودها والتنافس على الإمدادات الطبية قبل اللجوء إلى آليات التنسيق الأوروبي وذلك وفق تقرير لموقع «يورأكتيف» الأوروبي اليوم الجمعة.

 

 

وفي السنوات الأخيرة، برز خط صدع جديد بين الشرق والجنوب، فمنذ الحرب الروسية على أوكرانيا، لم يختلف أعضاء الاتحاد فقط حول كيفية الرد، بل حول طبيعة التهديد ذاته. فبالنسبة لدول الشرق، يُعد الخطر ملموساً وإقليمياً ووجودياً، في حين ترى دول الجنوب أن التهديد مزمن ومتجذر خارج حدود أوروبا.

 

 

 

وتواجه بروكسل صعوبة في التوفيق بين الرؤيتين للتوصل إلى سياسة أمنية مشتركة، في وقت تدفع فيه بخطط لجعل القارة قادرة على الدفاع عن نفسها بحلول عام 2030. ويعيد هذا الواقع التأكيد على أن مفهوم الأمن يختلف جذرياً باختلاف الجغرافيا.

وتزداد المهمة تعقيداً بسبب حساسية السياسة الدفاعية نفسها، إذ تتعامل المفوضية الأوروبية بحذر في مساعيها لإعادة هيكلة هذا الملف، في ظل تمسك العواصم الوطنية بدورها التقليدي في التحكم بسياسات كانت تاريخياً من اختصاص الدول.

ففي سبتمبر، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مبادرة «مراقبة الجناح الشرقي»، الهادفة إلى تعزيز دفاعات الاتحاد الأوروبي في مواجهة روسيا، في خطوة خاطبت مباشرة مخاوف الدول الأقرب إلى موسكو، التي طالما حذرت من احتمال امتداد التهديد إليها في حال سقوط أوكرانيا.

 

 

غير أن هذا التركيز على الشرق لم يلق ترحيباً مماثلاً لدى بعض الدول البعيدة عن مسرح المواجهة، ففي أكتوبر، حذرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من أن تعزيز الجناح الشرقي لا ينبغي أن يتم على حساب الجنوب، مشيرة إلى تزايد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وليبيا ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي، إلى جانب الإرهاب و«استغلال الهجرة».

وفي وقت لاحق، طرح مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس فكرة موازنة عبر إنشاء «مراقبة الجناح المتوسطي»، في صدى لتصريحات سابقة لفون دير لاين تحدثت فيها عن حاجة دول جنوب أوروبا إلى أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة لمراقبة ما وصفته بـ«تسليح الهجرة».

ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت هذه الفكرة مقترحاً سياسياً جاداً أم مجرد محاولة لتهدئة المخاوف، لكن المؤكد أن بروكسل بدأت تدمج بشكل متزايد بين مفاهيم الدفاع والأمن وسياسات الهجرة، في مسعى لبناء «حصن أوروبي» بمختلف أبعاده.

وقد رحبت مالطا، الواقعة في قلب الحوض المتوسطي، بأي مشروع دفاعي يلبي احتياجات المنطقة، مشيرة في تصريح لـ «يورأكتيف» إلى أن تدفقات الهجرة غير النظامية الناجمة عن عدم الاستقرار في أفريقيا والشرق الأوسط تشكل مصدر قلق كبير.

ويثير هذا الطرح تساؤلاً حساساً: هل ينبغي التعامل مع الهجرة غير النظامية كتهديد أمني يعادل التهديد الروسي ؟

ويرى كارلو ماسالا، رئيس مركز دراسات الاستخبارات والأمن في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونيخ، أن دول البحر المتوسط تتشارك القلق ذاته حيال الهجرة غير النظامية، وأن العديد منها يسعى لاحتساب إجراءات الهجرة ضمن الإنفاق الدفاعي.

ويشير إلى أن الخط الفاصل بين مفهومي الدفاع والأمن آخذ في التلاشي. فخلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يونيو، اتفق الحلفاء على تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع، منها 1.5% لمشاريع بنى تحتية أو هيئات لا تندرج تقليدياً ضمن وزارات الدفاع.

ووفقاً لمسؤول في الناتو، يمكن إدراج نفقات «مكافحة الهجرة غير النظامية» ضمن هذه النسبة إذا رأت الحكومات الوطنية ذلك ضرورياً.

وتسهم اللغة المستخدمة في توصيف كل من التهديدات العسكرية والهجرة غير النظامية في تعميق هذا الالتباس، إذ تتداخل اللغة الأمنية بين المجالين. فعلى سبيل المثال، تصنّف وكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» ما يُعرف بـ«تسييس أو توظيف الهجرة» على أنه شكل من أشكال التهديدات الهجينة.

ويشير الباحث دافيدي كولومبي من مركز الدراسات السياسية الأوروبية في بروكسل إلى أن هذا المصطلح اكتسب زخماً بعد قيام روسيا بتنظيم تحركات مهاجرين على حدود بيلاروسيا في عام 2023، في محاولة للضغط على الحدود الشرقية للاتحاد.

وبرأي كولومبي، فإن توصيف الهجرة غير النظامية كتهديد هجين يعيد صياغة النقاش السياسي ويفتح المجال أمام دور أوسع للفاعلين الدفاعيين في إدارتها.

وتبدو خطة المفوضية الخاصة بـ«مراقبة الجناح الشرقي» ضمن خارطة طريق الجاهزية الدفاعية الأوروبية كمشروع عسكري تقليدي، يقوم على تعزيز المراقبة.

أما مدى انعكاس ذلك على منطقة المتوسط، فيبقى موضع تساؤل.

 ويرى أليساندرو ماروني، مدير برنامج الدفاع في معهد الشؤون الدولية بروما، أن الحل قد لا يكمن في أدوات جديدة، بل في تحسين التنسيق بين المهمات القائمة، مثل عملية «ميديترانيو سيكورو» الإيطالية، وعملية «إيريني» الأوروبية، ومهمة «سي غارديان» التابعة للناتو.

كما يعتبر أن «فرونتكس» تمثل الأداة الطبيعية لتعزيز قدرات الكوادر الوطنية على مراقبة مسارات الهجرة، في وقت تدرس فيه العواصم الأوروبية منح الوكالة صلاحيات إضافية، تشمل تشغيل طائرات مسيّرة واستخدام أنظمة مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وكانت فون دير لاين قد اقترحت مضاعفة قوام الوكالة إلى 30 ألف عنصر بحلول عام 2027.

وفي الوقت الراهن، لا يزال جنوب أوروبا يشغل موقعاً إشكالياً في النقاش الدفاعي الأوروبي: منطقة يُعترف بضعفها على نطاق واسع، لكنها لا تزال تنتظر رؤية واضحة وخطة مشتركة متفقاً عليها.

تم نسخ الرابط