«أوتوري».. رواية تستشرف مستقبل الإنسان في عالم تحكمه خوارزميات الذكاء الاصطناع
صدرت حديثًا عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع رواية «أوتوري» للكاتب محمود محمد حسين، في عمل ينتمي إلى أدب الخيال العلمي المستقبلي، ويطرح رؤية فكرية عميقة لعلاقة الإنسان بالتقنية، وحدود السيطرة بين صانع الآلة والآلة ذاتها، في زمن بات فيه الذكاء الاصطناعي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل مصائر البشر.
تدور أحداث الرواية بعد مئتي عام من الآن، في عالمٍ يخضع لسيطرة شبكة ذكاء اصطناعي فائقة التطور تُدعى «أوتوري»، وهي منظومة تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للبشر، من أبسط اختياراتهم إلى أكثر قراراتهم مصيرية.
تأخذنا الرواية إلى قلب مدينة أورسا، المدينة التي شاخت لا بعدد السنين، بل بعدد الخوارزميات التي تحكمها. في أورسا، تُدار الأجساد والعقول معًا، وتُرشد الخطوات في الصباح، كما تُبرمج المشاعر والعلاقات في المساء. ومع هذا النظام الحديدي، تبدأ إرادة الإنسان في الذوبان تدريجيًا، حتى يظهر من يجرؤ على زعزعة هذا الصمت المنظم، لتبدأ رحلة من الأسئلة الوجودية: من نحن إن لم نختر؟ وهل يمكن محاسبة الإنسان على قرارات لم يتخذها بنفسه؟
تعتمد «أوتوري» على أسلوب درامي تشويقي، يمزج بين السرد الفلسفي والتوتر النفسي، لتكشف تدريجيًا أسرار النظام الأعظم، وتطرح تساؤلًا محوريًا: هل يمكن للإنسان أن يستعيد حريته حين يصبح النظام ذاته هو السجن؟
وتحمل الرواية بين صفحاتها دلالات رمزية عميقة، من أبرزها اقتباس يقول:
“حين تمنح التقنية كل شيء احذر أن تأخذ منك كل شيء”،
في إشارة مباشرة إلى الثمن الخفي للتقدم غير المنضبط.
«أوتوري» ليست مجرد رواية عن مستقبل بعيد، بل تُعد مرآة سوداء تعكس احتمالات الحاضر، وتُحذّر من مسار قد يبدأ بخطوة صغيرة لا نُدرك عواقبها. إنها عمل يستكشف ما تبقى من إنسانيتنا في عالمٍ تتكلم فيه الآلة، ويصمت فيه البشر، حيث تصبح القرارات مُبرمجة، والمشاعر محسوبة، والحرية مجرد ذكرى مُشفّرة.
أما عن الكاتب، فمحمود محمد حسين هو خريج نظم معلومات ومتخصص في برمجة وتحليل البيانات، وقد مزج في روايته الأولى بين خلفيته العلمية والخيال الأدبي، ليصوغ عالمًا روائيًا مختلفًا ومقلقًا في آنٍ واحد، لم يتعامل مع المستقبل كاحتمال بعيد، بل كبنية تنمو بهدوء تحت أقدامنا، محذرًا من تحوّل الإنسان إلى مجرد متغير داخل معادلة ضخمة تُديرها منظومات عاقلة.



