«تخوم» الأمن القومى المصرى فى القرن الإفريقى؟
استخدم الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال لقائه الأخير مع نظيره الصومالى، حسن شيخ محمود فى القاهرة، مصطلح «تخوم» الأمن القومى المصرى فى القرن الإفريقى، وضروريات التنسيق بين القاهرة ومقديشيو، من أجل دعم الأمن والاستقرار بتلك المنطقة.
وهذه المرة الأولى التى يستخدم فيها الرئيس السيسي، هذا المصطلح، عند الإشارة إلى أبعاد الأمن القومى المصرى، فى منطقة استراتيجية وحيوية للدولة المصرية، مثل القرن الإفريقى، التى تتكاثر فيها أيادى اللاعبين الدوليين والإقليميين ومصالحهم، وفى نفس الوقت، تسعى القاهرة لحماية مصالحها المتعددة والتاريخية فى هذا الإقليم.
وبلا شك، لن نتقيد بحدود معانى هذا المصطلح عند تفسيره، لكن المعنى يتجاوز فكرة التعريف، فللدولة المصرية أبعاد عديدة تتعلق بمصالحها فى تلك المنطقة، وتتصدر أولويات السياسة الخارجية المصرية، بسبب الارتباط الجيوسياسى أمنياً واقتصادياً مع قناة السويس، وتأمين حركة الملاحة فى البحر الأحمر، ولأجل هذه الغاية، تتداخل الدولة المصرية، برؤية ثابتة وواضحة، تدعو للتهدئة وانتزاع فتيل الأزمات والتوترات الإقليمية، وبالتوازى، تتصدى للتحركات العدائية التى تمارسها دول مثل «إثيوبيا وإسرائيل»، لخرق مفهوم السيادة الوطنية لدول القرن الإفريقى.
الربط بين مياه النيل والبحر الأحمر
وهناك ضرورة لاستدعاء مصطلح «تخوم» الأمن القومى المصرى، بعد التطورات الأخيرة فى منطقة القرن الإفريقى، خصوصا التحركات الإسرائيلية فى ما يسمى إقليم «أرض الصومال»، والإفصاح الإثيوبى المستمر، عن نيتها ورغبتها فى الوصول إلى منفذ بحرى لها على ساحل البحر الأحمر.وهنا كانت المواقف واضحة وبيّنة فى قمة الاتحاد الإفريقى، التاسعة والثلاثين، الأسبوع الماضى، ففى وقت أعاد فيه وزير الخارجية المصرى، بدر عبد العاطى، مواقف القاهرة الراسخة، فيما يتعلق بحماية سيادة ووحدة دول المنطقة، وبالخصوص السودان والصومال، كان حديث رئيس الوزراء الإثيوبى، آبى أحمد، مناقضاً لمنطق الاستقرار والتهدئة، بالإعلان مرة أخرى عن رغبة بلاده للتواجد على ساحل البحر الأحمر.
فى كملته، ادعى آبى أحمد أن «أمن القرن الإفريقى واستقراره يعتمد على حصول بلاده على منفذ بحرى، بزعم أن عدد سكان بلاده 130 مليون نسمة، وتحتاج الوصول لخيارات متعددة لضمان النمو المستدام».
لا يمكن فصل هذا الحديث، عن تحركات أديس أبابا السنوات الأخيرة فى الإقليم، بداية من توقيع اتفاق غير قانونى فى يناير 2024، مع إقليم أرض الصومال، للحصول على منفذ بحرى مقابل الاعتراف به كدولة مستقلة، ورغم الوساطة التركية للتهدئة بين أديس أبابا ومقديشيو، إلا أن إثيوبيا لم تعلن إلغاء هذا الاتفاق، وفى نفس الوقت التصعيد الإثيوبى مع إريتريا، وسط مخاوف استعادة النزاع المسلح مرة أخرى، بسبب رغبة إثيوبيا استعادة السيطرة على ميناء عصب الإريترى، وهى مخاوف يعززها التصعيد الداخلى بإثيوبيا خصوصا فى إقليم «أمهرا» الشمالى.
والواقع أن الحكومة الإثيوبية باتت تجاهر بنيتها للوصول إلى البحر الأحمر الفترة الأخيرة، وأصبح المسئولون فى أديس أبابا يتحدثون عن خيارات مختلفة، خصوصا بعد إعلانها بشكل غير قانونى أيضا فى شهر سبتمبر الماضى، عن تدشين «السد الإثيوبي» بشكل أحادى، رغم اعتراضات دولتى المصب مصر والسودان، فى دلالة تعكس استخدام إثيوبيا ملف المياه كوسيلة ضغط سياسية للوصول إلى ساحل البحر الأحمر، وهو تقدير أكده دبلوماسيون بالمجلس المصرى للشئون الخارجية، فى المؤتمر السنوى للمجلس الأسبوع الماضى.
والشاهد هنا، فى صيغة التحدى الوجودى والحيوى فى جنوب البحر الأحمر، والذى يربط بين الأمن المائى، وحركة الملاحة المرتبطة بمجرى قناة السويس، وهى إشارة سبق أن أشار إليها الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى شهر أغسطس الماضى، حينما قال عند استقباله نظيره الأوغندى، يويرى موسيفينى، إن «ملف المياه يمثل جزءاً من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى»، وهنا تدرك الدولة المصرية وتعى جيداً أبعاد كل مصادر الضغط التى تمارس عليها بفضل مواقفها الصلبة فى المنطقة والإقليم.
المواجهة فى أديس أبابا
ربما جاء حديث آبى أحمد، ومزاعمه بخصوص نفاذ بلاده على البحر الأحمر، تزامنًا مع تأكيدات وجهود دبلوماسية مصرية داخل أروقة قمة الاتحاد الإفريقى، فى أديس أبابا، للتأكيد على مواقفها الصلبة والراسخة وخطوطها الحمراء، المتعلقة بوحدة وسيادة الصومال والسودان، وأمنها المائى، وسلامة الملاحة فى البحر الأحمر.
هكذا كانت المواجهة، وإن كانت غير مقصودة، لكنها كانت واجبة لتأكيد القاهرة على «تخوم» أمنها القومى فى القرن الإفريقى، وهو ما صاغه وزير الخارجية المصرى، فى لقاءاته العديدة مع قيادات الاتحاد الإفريقى ونظرائه الأفارقة، وأيضا فى الاجتماعات التى شارك فيها، وكانت أبرز هذه المواقف ما يلي:
أولاً، فيما يتعلق بالتطورات فى السودان، جرى التأكيد على ثوابت الموقف المصرى الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه وصون مؤسساته الوطنية، ورفض أى محاولات لتقسيمه أو المساس بسيادته، مع التأكيد على أهمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق مسار إنسانى فعال يضمن وصول المساعدات دون عوائق، مع إعادة تقييم منهج الاتحاد الإفريقى فى التعاطى مع الأزمة السودانية استنادًا إلى مبدأ «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية»، مع ضرورة استئناف عضوية السودان فى الاتحاد الأفريقى.
ثانيا، فى الصومال، جرى التأكيد على ضرورة دعم الجهود الدولية الرامية إلى تمكين بعثة الاتحاد الإفريقى للدعم والاستقرار فى الصومال AUSSOM من أداء مهامها بكفاءة، عبر حشد تمويل كافٍ ومستدام للبعثة لا سيما مع قرب نشر القوات المصرية بالبعثة، مع التشديد على أهمية مواصلة دعم وحدة وسيادة الصومال؛ ورفض إنشاء كيانات موازية خارج الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.
ثالثا،فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، أعادت القاهرة التأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط، مع الرفض القاطع لأى محاولات من أطراف خارجية لفرض نفسها كشريك فى حوكمة البحر الأحمر، وفى هذا الإطار تدعو مصر لتفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن للإسهام فى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء.
أما نقطة التوقف الرابعة فى هذه القمة، فتتعلق بمكتسب اعتماد قمة الاتحاد الإفريقى، لـ«رؤية وسياسة إفريقيا للمياه 2063»، والتى تدعو لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية فى القارة، خصوصا أنها تضمنت مبادئ مهمة، تتعلق بإدارة واستخدام الموارد المائية العابرة للحدود، مع التأكيد على أن المياه حق إنسانى، وليس سلعة اقتصادية، مع رفض تسليع المياه أو التعامل مع الموارد المائية المشتركة باعتبارها أصولًا سيادية أحادية، وهى المبادئ التى طالما نادت بها مصر وأكدت عليها.
وهذا مكسب دبلوماسى مهم، فى مسار الخلاف مع الجانب الإثيوبى، فيما يتعلق بقضية السد الإثيوبى، خصوصا أن اعتماد القمة الإفريقية لهذه المبادئ، يجعلها مبادئ إفريقية ملزمة، لا تستطيع أى دولة إفريقية بمفردها مخالفتها أو الادعاء بعد الالتزام بها، كما يترتب على ذلك، ضرورة تعميق أوجه عدم المساواة وتهديد الأمنين المائى والغذائى، فضلاً عن حتمية التعاون الدولى فى إدارة الموارد المائية المشتركة، وضرورة موافقة الدول المشاطئة على المشروعات المقامة على المجارى المائية العابرة للحدود، ورفض الإجراءات الأحادية، والتشديد على الالتزام بقواعد القانون الدولى، وعلى رأسها مبادئ التعاون والتوافق وعدم الإضرار، وكلها محددات تتطابق مع الموقف المصرى تجاه السد الإثيوبى.
لا مكان للغرباء
وسط هذه التطورات والأبعاد، نجد أن استدعاء مفهوم «تخوم» الأمن القومى المصرى، ضرورة، ذلك أن المصطلح يشير إلى انخراط دوائر النفوذ الاستراتيجى المصرى فى منطقة القرن الإفريقى وتطوراتها، والمعنى هنا وفقا للقانون الدولى، فإن مصطلح تعيين التخوم يتعلق بدوائر النفوذ الاستراتيجى، فى دول الجوار غير المباشر، وهو يختلف عن تعيين الحدود، المتعلق بدول الجوار المباشر، وعن نقاط التماس، التى تتعلق بدول جوار غير مباشر، خارج الدوائر ذات الأهمية الاستراتيجية لمصر.
من هذا المنطلق، تأتى رؤية الدولة المصرية، تتحرك القاهرة، حماية لمصالحها الاستراتيجية، وفق مسارات عدة منها تعزيز التنسيق مع الدول الداعمة لوحدة وسيادة دول المنطقة، إلى جانب تعزيز المبادرات الإقليمية التى تؤكد على ضرورة «حوكمة إدارة وتأمين البحر الأحمر»، من خلال حماية السيادة الوطنية للدول المطلة، دون تواجد لأى «غرباء»، مع تعزيز التعاون الجماعى لحماية المصالح المشتركة.
والمعنى هنا، تأمين منطقة البحر الأحمر من أية قوى «دخيلة»، خصوصا فى ظل تزايد الوجود الدولى فيها، والذى يتخذ أشكالًا عديدة منها الاستثمار فى الموانئ، أو فى وجود قواعد عسكرية، وبالتالى حصر حوكمة وتأمين المنطقة على الدول المشاطئة خطوة تعزز المصالح المشتركة لشعوبها ويكرس مبدأ الملكية الإقليمية فى إدارة شئونه.
وتعزيزاً لهذا التوجه، طرحت مصر مبادرة لتعزيز التعاون والتكامل بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وهى مبادرة «السويس والبحر الأحمر» للتنمية الاقتصادية والبحرية، كخريطة طريق لتعزيز التنمية المستدامة فى المنطقة، وتقوم المبادرة التى أعلن عنها وزير الخارجية بدر عبد العاطى، فى النسخة الخامسة لمنتدى أسوان للسلام، التى عقدت فى أكتوبر 2025، على أربعة محاور رئيسية تشمل الاقتصاد الأزرق، وتطوير البنية التحتية والموانئ، والحفاظ على البيئة، وتعميق التكامل الاقتصادى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



