الإثنين 23 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

1


كنا جلوسًا على مقهى نصف معروف بميدان تريامف فى مصر الجديدة، نلعب الشطرنج، ‏وفجأة هلّ علينا صديقٌ عابسٌ «مزرود» الوجه، يكاد يخرج من هدومه، كما لو كان قادمًا من «عركة» على طريقة فتوات نجيب محفوظ، هو محاسب هاجر إلى بريطانيا، وعاش فيها ثلاثين ‏عامًا دون أن يقطع علاقته بالوطن، ثم عاد نهائيًا مع زوجته بعد معاش مبكر، وترك هناك ‏ابنه الوحيد الذى يعمل مهندس كمبيوتر.


صَدَمَنا المشهد، وسألناه بلهفة، فروى ما حدث قبل نصف ساعة، هو لديه سيارة خاصة، لكن ‏لعدم «إنسانية» المرور فى القاهرة، يفضل التحرك فى تاكسى، ولا يستخدم سيارته إلا نادرًا، ‏فى أيام الجمع والإجازات الرسمية التى تتخلص فيها شوارع القاهرة من «الغوغائية» حسب ‏وصفه، لكنه فى عصر هذا اليوم أخذ سيارته إلى ميكانيكى يعرفه فى العباسية لفحصها ‏وضبطها؛ لأن زوجته أصرّت على السفر إلى الإسكندرية تزور أختها المريضة، واشترت ‏لها «هدايا وملابس» لأولادها الأربعة.


المهم أنه بعد الصيانة، وفى لحظة خروجه من الشارع ببطء وحرص، فإذا بـ«توك توك»، ‏يعترض طريقه ويخبط رفرف السيارة الأمامى، وينزل «عيل» من التوك توك، ويسب له ‏الدين ويحاول الاعتداء عليه: «هو أنت أعمى، فاكر نفسك بيه»، والناس تشد الصبى، وتقول له: «‏قد جدك»، ولا هو هنا، قال واحد من الجمهور: الرجل الكبير مش غلطان، التوك توك جاى ‏بسرعة من اليمين وعايز يلف من قدامه، فإذا بـ«العيل ذى الخمسة عشر عامًا تقريبًا»، يشهر ‏مطواه ويهجم على الشاهد المجهول يحاول الفتك به، وهو ينعل سلسفيل جدوده وربما وصل ‏فى ردحه إلى الجد مينا موحد القطرين.‏


المهم أن أولاد الحلال تدَخّلوا، وقال أحدهم له: لا تستنى أى بوليس، محاضر وعطلة والولد ‏قاصر!‏


روى حكايته بصوت تختلط به دموع محبوسة قهرًا ثم سألنى مباشرة: كيف يتركون هذا ‏الوباء حرًا بلا قواعد يفعل بنا ما يريد؟!‏


هدّأنا من خاطره وغادرنا المقهى، لكن سؤال قفز إلى عقلى: ما الذى يمكن أن تفعله الحكومة ‏بعد التجديد والتعديل فى مثل هذه القضايا؟


هذه واحدة من قضايا أشمل، وأتصور أن مهمة الحكومة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، ولها ‏جانب عاجل وهو تخفيف معاناة الناس فى حياتهم اليومية كما ورد فى التكليف المباشر لها ‏من رئيس الجمهورية: الأمن ورغيف العيش والعلاج وتحسين المعاشات ومواجهة الأسعار ‏الملتهبة ونظافة الشوارع وضبط المرور.. إلخ، مهمة يصعب النجاح فيها بأفكار تقليدية، إنها ‏تحتاج إلى عمل جاد ودؤوب وابتكار، وليس مجرد تأدية الواجب اليومى الروتينى.. بالطبع لن ‏تحل هذه المشكلات لا فى شهرين ولا ثلاثة، لكن يجب أن تظهر للحكومة علامات وبصمات ‏على حياة الناس تمنحهم أملاً فى حلول لمشكلاتهم وليس مجرد الجرى خلفها، حتى يثقوا أن ‏الحكومة بعد التعديل الوزارى أكثر كفاءة، وإلاّ: ما فائدة التعديل؟


شىء جميل أن تبدأ الحكومة عملها بحزمة المساعدات النقدية لـ15 مليون أسرة والتى طلبها ‏الرئيس، لكن الأجمل أن تضع خطة متكاملة لتحسين مستوى معيشة الناس بطريقة محسوسة ‏خلال ثلاث أو أربع سنوات، دون أن تقول لها أرقامًا وإحصاءات اقتصادية ومالية عن ‏التضخم والإنفاق ومعدل الاستثمار.. إلخ، فالناس لا تفهم مغزى هذه الأرقام ولا تصدقها طالما ‏لا تشعر بها فى لقمة العيش وحَبّة الدواء وتعليم الأولاد وكل أوجه المعيشة.‏


والسؤال الأهم: هل يمكن للحكومة أن تكلف مجموعة من الخبراء الكبار فى الاقتصاد ‏والسياسية والقانون والتعليم والصحة والثقافة، أن يضعوا خريطة شاملة لاستكمال بناء ‏الجمهورية الجديدة على قواعد قوية من العمل والعدل وحقوق الإنسان، وتكافؤ الفرص بلا ‏امتيازات أو استثناءات فى كل أنشطة المجتمع، خطة تصنع طفرة حضارية غير مسبوقة.‏


أتصور أن المصريين فى حاجة إلى نظام عام جديد، على غرار ما صنعته اليابان وكوريا ‏الجنوبية وسنغافورة والصين، لا يعنى أن ننسخ نظامًا منهم، لكن نستلهم بعض الأفكار ‏والمبادئ من دول كانت فقيرة، أن نستوعب فلسفة التقدم والنهضة فى وضع نظامنا الخاص.‏


‏والنظام العام هو أداة لإدارة الموارد والبشر، مجموعة القوانين والقواعد والإجراءات ‏والأساليب والتقاليد التى يعمل بها الناس فى كل مناحى الحياة، من أول كنس الشارع إلى شغل ‏وظيفة مرموقة، نظام عام قادر على إبراز أفضل الإمكانات من كل مصرى قادر على العمل؛ ‏ليؤدى دوره بكفاءة وإتقان وجدية وانضباط، نظام يدير مواردهم العامة بحِرفية تحقق أكبرَ ‏عائد ممكن منها، ويتيح لهم إحداث تنمية شاملة مستدامة تتراكم فيها القدرات، وترتفع جودة ‏الحياة، وبالتالى ترتقى سلوكياتهم وتصرفاتهم العامة والخاصة.‏


‏هذا ممكن، وشروطه صعبة لكنها عملية ضرورية، لو أنجزت تشق لمصر طريقًا إلى قلب ‏عصرها؛ لتصطف بين دول العالم الأول.‏

 


2


كل فترة يتحفنا هواة أيام الزمن القديم بالبكاء على الأطلال، كما لو كانت مصر قبل ثورة ‏‏1952 جنة ومَجدًا وحرية ورخاءً وعدالة، ولم يكن ينقص أهلها إلاّ أن يصعدوا إلى القمر ‏هربًا من الزّهق وفرط الترف!‏


الرّد سهل بالأدلة الدامغة والوثائق التى كتبها أهل زمان.. وسوف أختار منهم الرائع توفيق ‏الحكيم، وقد روى الكثير من وقائع شاهدها فى ثلاثينيات القرن العشرين، حين شغل منصب ‏وكيل النائب العام فى محافظات الدلتا قبل أن يتفرغ للفن والأدب.


كتب الحكيم فى كتابه «عدالة وفن»: ضغطت على زر الجرس، فظهر الحاجب، وسألته: هل ‏وصلت قضايا التلبس؟، ذهب ثم عاد يخبرنى أنها وصلت للتو، فطلبت المتهم المقبوض عليه ‏فى قضية تبديد، فدخل وهو يرتدى الخيش ومُقيد بالحديد، وهو متهم بتبديد خمسة آلاف جنيه ‏تسلمها من «.....» باشا، بصفته وكيل دائرته لينفقها فى أعمال الزراعة وأجور الأنفار، ‏والتفت إلى المتهم أسأله، فبادرنى شاكيًا: المركز أهاننى إهانات بالغة يا سعادة البيه الوكيل..‏


ـ ضربوك؟


ـ ضربونى..‏


قالها الرجل وهو يمسح دموعه.. ‏


انبرَى له ثلاثة محامين فطاحل ممثلين عن الباشا قائلين: كذاب.. فيه إصابات؟


-لا.. ضرب إهانة.. لأجل خاطر الباشا.. وأنا عمرى ما حد أهاننى، ولا وقفت فى مركز.‏


لم أرَ من المُجدى أو النافع فتح باب التحقيق فى الإهانة أو الضرب؛ لأن هذا فى العادة لا ‏يؤدى إلى نتيجة، ما دام الضربُ لم يثبت بإصابات ظاهرة، والبوليس خير من يعرف ذلك، وله ‏طريقة فيما يسمى الضرب «الكتيمى»، وأصبح من المتعارف عليه أن هذا يحدث، وأصبح ‏من حقوق البوليس، ما دام يتم فى الحدود التى تكفل السرية التامة، ولقد قلت ذات مرّة لمأمور ‏بوليس وأنا أمزح: سيأتى يوم يحدث فيه تحقيق بواسطة آلات تسجيل الصوت، وعندئذ ‏تستطيع النيابة أن تعرف ما الذى قيل وحدث بالضبط وقت التحقيق، فقال المأمور الظريف ‏على الفور وبكل صراحة: يا خبر.. ونضرب المتهمين إزاى؟!‏


على فكرة؛ لم يكن المتهم وكيلاً للدائرة عند الباشا؛ بل كان مُرابيًا له، وسقطت منه النقود وهو ‏يتوضأ على حَرف ترعة، ولم يثبت المركز أقواله فى المحضر الرسمى، وهدّد المأمور ‏شهودَ العيان الذين كانوا يقترضون المال سنويًا، بأن ينكروا علاقتهم به.‏


بالطبع دخل الرجل السجن وبيعت أرضه وداره لمصلحة الباشا. المرابى الكبير..


هذا بعض ما كتبه الحكيم فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، بعد ثورة 1919 بعشر ‏سنوات، ودستور 1923 بسبع سنوات.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط