خبراء بيئيون: الكربون لم يعد التزامًا دوليًا فقط بل فرصة تنموية لمصر
أكد مسؤولون وخبراء في ملف تغيّر المناخ أن قضايا الكربون وضريبة الكربون وأسواق أرصدة الانبعاثات تحولت من مجرد التزامات بيئية إلى أدوات اقتصادية مؤثرة في مسارات التنمية المستدامة.
جاء ذلك خلال ندوة موسعة نظمتها شعبة محرري شؤون البيئة بنقابة الصحفيين بعنوان "تأثير التغيرات المناخية وضريبة الكربون على مصر"، تحت إشراف عبد الرؤوف خليفة، وكيل نقابة الصحفيين والمشرف على الشعب والروابط، وبرئاسة الدكتورة نعمة الله عبد الرحمن، رئيس شعبة محرري شؤون البيئة.
وفي هذا الصدد، أكد مساعد وزيرة البيئة لسياسات تغيّر المناخ الدكتور شريف عبد الرحيم أن الحديث المتزايد عن الكربون وضريبة الكربون وشهادات أو أرصدة الكربون يعكس تحوّلًا عالميًا مهمًا في طريقة التعامل مع أزمة تغيّر المناخ، موضحًا أن هذه المفاهيم ليست وليدة اللحظة، بل لها جذور تاريخية وعلمية يجب فهمها في سياقها الصحيح.
وأوضح عبد الرحيم أن ملف الكربون بدأ فعليًا مع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، ثم تبلور بصورة أوضح مع بروتوكول كيوتو، الذي أقر التزامات قانونية على الدول المتقدمة فقط لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، باعتبارها المسؤولة تاريخيًا عن الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات.
وأضاف أن بروتوكول كيوتو أتاح عددًا من الآليات المرنة لمساعدة الدول المتقدمة على الوفاء بالتزاماتها، من بينها آلية التنمية النظيفة “CDM”، التي سمحت بتنفيذ مشروعات لخفض الانبعاثات في الدول النامية، مقابل حصول الدول المتقدمة على شهادات أو أرصدة كربون معتمدة تُحتسب ضمن أهدافها المناخية.
وأشار إلى أنه حتى عام 2015، وقبل اعتماد اتفاق باريس للمناخ، كانت تجارة الكربون ترتبط أساسًا بالتزامات الدول المتقدمة، بينما استفادت الدول النامية من العوائد الاقتصادية لهذه المشروعات دون أن تتحمل التزامات مباشرة بخفض الانبعاثات.
وأكد مساعد وزيرة البيئة أن اتفاق باريس مثّل نقطة تحوّل جوهرية، إذ صارت جميع دول العالم – دون استثناء – مطالبة بتقديم وتنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا “NDCs”، والتي تلتزم فيها كل دولة طوعيًا بتحديد أهداف خفض الانبعاثات وفقًا لظروفها وقدراتها الوطنية.
وأوضح عبد الرحيم أن جوهر هذا الالتزام يتمثل في إعلان كل دولة عن الأنشطة والإجراءات التي ستنفذها، والقطاعات المستهدفة، وحجم خفض الانبعاثات خلال فترة زمنية محددة، عادة ما تتراوح بين خمس وعشر سنوات، على أن يتم قياس هذه الجهود وتحويلها إلى أرقام مكافئة من الكربون ضمن التقارير الوطنية.
وأضاف أن أي خفض للانبعاثات تحققه الدولة يجب أن يُحتسب أولًا ضمن التزاماتها الوطنية المعلنة في المساهمات المحددة وطنيًا، قبل التفكير في توجيه جزء منه إلى أسواق الكربون الدولية، وهو ما أدى إلى نشوء مفهوم سوق الكربون الطوعي والمنظم في صورته الحالية.
وشدد عبد الرحيم على أن مصر تواجه حاليًا تحديًا كبيرًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الوفاء بالتزاماتها الوطنية المناخية من جهة، والاستفادة الاقتصادية من أسواق الكربون العالمية من جهة أخرى، بما يدعم مسار التنمية المستدامة ويعزز فرص الاستثمار الأخضر دون الإخلال بالتعهدات الدولية.
وفي السياق نفسه، أكد الدكتور صابر عثمان، رئيس الإدارة المركزية للتغيرات المناخية بوزارة البيئة، أن مواجهة التحديات المناخية في مصر لا تقتصر على تحقيق مكاسب مادية من شهادات الكربون، بل تمتد لتشمل ضرورة تبني تكنولوجيا حديثة، وإرساء مفهوم "التحول العادل"، الذي يضمن حماية الفئات العمالية والقطاعات الاقتصادية الهشة.
واستعرض عثمان تجربة مشروع "أبو قير" لخفض الانبعاثات النيتروجينية، الذي انطلق عام 2005، واصفًا إياه بأنه كان الأكبر من نوعه في مصر وإفريقيا والشرق الأوسط في ذلك الوقت، موضحًا أن المشروع نجح في خفض نحو مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وأشار إلى أن الاستفادة الحقيقية من مشروعات خفض الانبعاثات لا تكمن فقط في العائد المادي من شهادات الكربون، بل في توطين التكنولوجيا المتقدمة وبناء القدرات المحلية، خاصة في ظل التذبذب الكبير في أسعار هذه الشهادات عالميًا.
كما حذّر من تجاهل البعد الاجتماعي في عملية التحول الأخضر، متسائلًا عن مصير آلاف العمال في القطاعات التقليدية، مثل العاملين في محطات الوقود وورش الميكانيكا، في ظل التوسع في استخدام السيارات الكهربائية، مؤكدًا ضرورة وجود رؤية استباقية لحماية هذه الفئات الأكثر عرضة للتضرر.
وشدد على أن النجاح في ملف المناخ يتطلب تكاتفًا بين وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي، وقطاع التعليم الفني، ورجال الأعمال، إلى جانب البنوك وشركات التأمين، لوضع آليات فعالة للحماية من المخاطر المناخية، وتأهيل كوادر قادرة على مواكبة التحولات الجديدة في سوق العمل.
واختتم عثمان حديثه بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصًا واعدة في "صندوق الخسائر والأضرار" الدولي، إلا أن الاستفادة منها تتطلب تحركًا سريعًا ومنظمًا، بدلًا من الانتظار حتى يسبقها العالم وتبدأ من حيث انتهى الآخرون.
وفي كلمته، أكد عبد الرؤوف خليفة أن تفعيل دور الشعب المهنية داخل النقابة يستهدف تمكين الصحفيين المتخصصين من الإحاطة الكاملة بالمستجدات في مجالات عملهم، مشيرًا إلى أن هذه الندوات تمثل منصة حقيقية لتبادل المعرفة والخبرات، بما ينعكس على جودة التغطية الصحفية للقضايا البيئية والمناخية ذات التأثير المباشر على المجتمع والاقتصاد.
من جانبها، أكدت الدكتورة نعمة الله عبد الرحمن أن قضية الكربون وتجارته ليست جديدة، لكنها صارت أكثر إلحاحًا في ظل المخاطر المتزايدة التي تواجه مصر، لا سيما في مناطق دلتا النيل والسواحل الشمالية، مشيرة إلى أن مساهمة مصر في الانبعاثات الكربونية العالمية لا تتجاوز أقل من 1%، ورغم ذلك تُعد من أكثر الدول تأثرًا بالتغيرات المناخية، وهو ما يتطلب تعزيز الدور العلمي والبحثي المصري في التقارير الدولية.





