الأربعاء 28 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كما الإنسان، للدول والمؤسسات أمراضها وتحدياتها ومشكلاتها.. وعلاجها الجذرى يتوقف على القدرة على الرصد المُبكر للعرض، ودقة تشخيص المرض ومن ثم، الوقوف على العلة البعيدة، أسبابها الحقيقية، لا القشرية، وتقديم علاجات ناجعة.

 

 

السياسى البارع مثل الطبيب الماهر، ينطلق من فلسفة علاجية، هدفها الأسمى الحفاظ على الحياة واستعادة العافية، لمكونات جسد الدولة، عبر علاجات جذرية لأسباب المرض الحقيقية. 

تتسم خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسى بالواقعية السياسية، والفلسفة الإصلاحية، والإجراءات الوقائية، التى تستهدف إيقاظ الوعى العام، لتجنب تكرار أخطاء كلفت الدولة المصرية أثمانًا باهظة.

 

على مدار 47 دقيقة، تحدث الرئيس السيسى بشفافية، باعثًا برسائل مُباشرة للداخل والخارج فى احتفالية عيد الشرطة الذى يواكب الذكرى الـ74 لملحمة بطولية سطرّها الأجداد فى مدينة الإسماعيلية فى مواجهة الاحتلال البريطانى القوة الأعتى عالميًا حينها.. وهى الذكرى التى شهدت فيها مصر أحداث 25 يناير عام 2011، وما تبعها من أحداث.

 

 لا ينكر أحد أن هناك أخطاء ارتُكبت أدت إلى خروج شباب فى 25 يناير 2011 طلبًا للإصلاح والتغيير، وفئات عدة للتعبير عن الاستياء من أمراض سياسية واجتماعية مستعصية.. من تفشى  الوساطة والمحسوبية، إلى تزييف الإرادة فى الانتخابات النيابية، وتنامى العشوائيات والمناطق الخطرة، حيث سحقت صخرة الدويقة العشرات تحت أنقاضها عام 2008، وتنامى معدلات البطالة.

 

لا يستطيع مُنصف، إنكار أن هناك من المتآمرين من سطا على ذلك الحراك، لاختطافه والانحراف به إلى التخريب والتدمير، ومحاولة هدم مؤسسات الدولة وطمس هويتها، وما نتج عن الإضرابات السياسية من أثمان باهظة ممتدة المفعول دفع ثمنها الشعب المصرى.

 

ولعل فلسفة الجمهورية الجديدة الإصلاحية، تنطلق من دراسة واقعية سياسية، للأسباب الحقيقية التى أدت إلى اضطرابات 25 يناير 2011، وما تبعها من أحداث أدت إلى إسقاط النظام، ومحاولة هدم مؤسسات الدولة، والعمل على تعظيم القدرة الشاملة للدولة المصرية لخدمة مواطنيها وتعزيز فاعلية مؤسساتها، ومجابهة التحديات الداخلية والخارجية.

 

تلك الفلسفة يمكن أن نلاحظها فى الخطابات الرئاسية والإجراءات العملية على أرض الواقع، والنموذج لها خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى احتفال الذكرى الـ74 لعيد الشرطة المصرية بأكاديمية الشرطة، وهى مناسبة وطنية - تشرفت بحضورها - بما تحمله من رسائل ودلالات.

 

خطاب الرئيس يعكس الرؤية الفلسفية الإصلاحية التى تنطلق من رصد مُبكر للعرض، وتشخيص دقيق لأمراض الدولة، وتحدياتها، ومن ثم طرح علاجات جذرية وليس مسكنات وقتية.

 

ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون واقعية سياسية، وما يصحبها من إجراءات عملية وقائية، تحول دون تكرار أخطاء الماضى، فالله سبحانه وتعالى حفظ مصر بفضله، ولا ينبغى أن نهمل الأخذ بالأسباب للحفاظ على نعمة الأمن والاستقرار والتنمية.

 

يعبر الرئيس عن ذلك بكل وضوح فى خطاباته، «الله سبحانه وتعالى هو من أنقذ مصر»، وهو سبحانه من وضع سنن الكون «بالعمل والأخذ بالأسباب يتحقق النجاح للمؤمن وغير المؤمن به»..  «الحفاظ على الاستقرار بالعمل والأخذ بالأسباب لبناء الوعى». 

 

الواقعية السياسية تجعل الرئيس يقول بكل وضوح، ما حدث فى 2011، كان «إرهاصات ضعف مؤسسات الدولة،  كانت بعافية شوية تعبير مهذب»، وللمحلل أن يذهب إلى محاور عدة للوقوف على هذا الضعف، وفقًا لطبيعة كل مؤسسة، وأدوارها وتداخلات المسئولية الموكلة إليها.

 

على سبيل المثال، مؤسسة الرئاسة عام 2011 لم تكن استجاباتها للأحداث قبل وأثناء يناير 2011 بالسرعة والتوقيتات اللازمة لمواكبة تلك الأحداث الجسام، ولم تكن المؤسسات السياسية وحلولها على قدر المسئولية، بل اكتفت بحلول أمنية، لا يمكن لها وحدها أن تكون حلًا لتحديات متنامية. 

 

وهنا يشدد الرئيس على أهمية أن تمارس المؤسسات النقد الذاتى، مشيرًا إلى أن كل المؤسسات تخصص لها استراتيجية إصلاح ورفع كفاءة، ويتم التعامل معها برفق وتنفيذها بهدوء، لتحقيق هدف الإصلاح لا الهدم.

 

يُذكر الرئيس بأن أثمان اضطرابات الدول باهظة، وآثارها ممتدة من الحاضر إلى المستقبل، يدفعها الشعب لأجيال متعاقبة.

 

ولعل رسالة الرئيس الأولى فى الحفل، وقائية استباقية لقطع الطريق على أذرع الجماعة الإرهابية الناشطة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، فمع عرض اصطفاف قوات هيئة الشرطة المصرية بما يعكس تنامى قوتها وقدراتها، قال الرئيس: «هذه مؤسسة وطنية وليست مليشيات، تحمى الجبهة الداخلية وليست لحمايتى والله سبحانه هو الحامى». 

 

هذه الرسالة الاستباقية الوقائية ثلاثية الأبعاد: الأول.. طمأنة شعب مصر، والثانى.. لمن سعوا يومًا لهدم مؤسسات الدولة، فقد أحبط الله كيدهم، وبالعمل تعاظمت قدرة المؤسسات، والثالث.. هؤلاء الذين قد يحركون مليشياتهم الإلكترونية للزعم بأن الاصطفاف موجه لمعارضة مزعومة، لا لحماية الشعب والحفاظ على الدولة وليس حماية حاكم.

 

وهنا أشار الرئيس إلى أن تكرار تذكيره بما دفعته مصر من أثمان وما واجهته من مخاطر، هدفه بناء وعى جيل الشباب الجديد، هؤلاء الذين كانوا فى سن الطفولة عام 2011، وما يليه، ولم تمكنهم مرحلتهم العمرية من إدراك حقيقة ما شهدته مصر، وتبعات الاضطرابات، هم شباب اليوم الذين تستهدفهم حملات التضليل والتزييف العميق الذى تتيحه التكنولوجيا الحديثة. الذكاء الاصطناعى.

 

وهنا يؤكد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن معركة بناء الوعى ينبغى أن تكون مستمرة ودائمة، تؤدى فيها كل المؤسسات دورها، تعليمية وإعلامية، دينية “أزهر وكنيسة”، ومؤسسات المجتمع المدنى كافة.

 

يذكر الرئيس بالثمن الباهظ الذى دفعته مصر من دماء أبنائها الشهداء، فى معركة مواجهة الإرهاب التى امتدت عشر سنوات، لافتًا إلى أن شعب مصر 110 ملايين نسمة.. فى حال تضليل واحد فى الألف سيكون لدينا 100 ألف يمثلون خطورة على المجتمع.

 

وهذه الرسالة أثلجت صدرى، فقد أطلقت حملة فى جريدة روزاليوسف العام الماضى بدأتها بمقال عدد 15 يناير 2025، تحت عنوان «الذكرى تنفع المصريين.. أطفال 2011 شباب 2025»، تحدثت عن أهمية وضع استراتيجية بناء وعى دائم للأجيال التى لم تسعفها مرحلتها العمرية فى 2011 وما تلاها من أحداث إدراك حقيقة ما حدث، وهو الجيل الجديد الذى يستهدفه الأشرار لتزييف وعيه وتحريكه لإحداث إضرابات جديدة.

فلسفة الإصلاح المؤسسى 

 

يؤكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن الإصلاح المؤسسى يجرى وفق استراتيجية علمية بمرونة وهدوء ورفق.

 

فإذا كانت أحداث 2011 أحد إرهاصاتها ضعف المؤسسات، فمن المنطقى أن يكون إصلاح تلك المؤسسات هدفًا جوهريًا لخدمة الشعب، وتعزيز القدرة الشاملة للدولة، والحيلولة دون تكرار أى مخاطر محتملة، بعلاجات جذرية للأسباب وإحباط أى مخططات معادية. 

 

وهنا بعث الرئيس برسالة واضحة لكل مؤسسات الدولة وسلطاتها بلا استثناء، أن المسئول لم توكل إليه مهامه «لقضاء وقت سعيد»، بل للعمل على تطوير أداء مرؤوسيه، ورفع كفاءة المؤسسة وإعلاء الشفافية، والتوفيق من الله، والفشل ضعف كفاءة من المسئول، ومن ثم من لا يستطيع الإنجاز عليه «المغادرة». 

 

يذكر الرئيس السيسى كل مسئول بأنه سيحاسب أمام الله عن الأمانة التى أوكلت إليه وماذا فعل فيها، داعيًا المؤسسات إلى ممارسة النقد الذاتى، فكل من عمل فى مؤسسة لأكثر من 25 عامًا يعلم جيدًا كل تفاصيلها ومشكلاتها.

 

وقد لاحظت من خلال عملى الصحفى ومعايشتى لسنوات وأحداث ما قبل يناير 2011 وما تلاها، أن أخطر قضية تثير سخط شباب مصر، هى خلل مبدأ تكافؤ الفرص، فى شغل الوظائف بعدد من الهيئات التى تمثل حلما لأى شاب فى مقتبل العمر، وهو ما يتطلب ضمانات الشفافية، وإعلاء قيمة الكفاءة.

 

إن الضمانة الحقيقية لوطن متنامى القوة مستقر، مرهون بالعدالة الاجتماعية، وترسيخ قيم المواطنة بما تضمنه من مساواة فى الحقوق والواجبات، ووضع ضمانات تكفل أن تكون الكفاءة والعمل وحدهما هما السبيل للحصول على الفرص والترقى، ومن ثم تكون محفزا للعمل والترقى الاجتماعي.

 

ثمار الإصلاح المؤسسى، تتضح فى العديد من  المؤسسات وفى مقدمتها هيئة الشرطة التى نجحت بالتعاون مع الجيش المصرى وأجهزة الأمن فى القضاء على الإرهاب، وخلال كلمته بالحفل أعلن اللواء محمود توفيق وزير الداخلية إحباط محاولة الجماعة الإرهابية إعادة إحياء جناحها المسلح، فضلًا عن تنامى معدلات الأمن ومواجهة الجريمة الجنائية.

 

الشهداء وأسرهم  فى القلب 

 

والرسالة الأهم هى أن الشهداء فى القلب، ففى الحفل احتضن الرئيس أبناء شهداء، استمرارًا لنهج ممتد فى كل المناسبات والأعياد، وهنا يدعو الرئيس جميع مؤسسات الدولة والشعب لأن يكون الاحتفاء بأبناء الشهداء بفعاليات ممتدة على مدار العام.

 

واللافت فى هذا الحفل هو تكريم الشهداء من الخفير النظامى إلى الضباط برتبهم المتنوعة، وجميعهم شهداء العام الماضى فى مواجهة مجرمين جنائيين وتجار مخدرات، وهذا يعنى أن المواجهة لحماية الوطن والشعب وشبابه، ليست مقصورة على التطرف والإرهاب فقط بل تمتد لكل التهديدات.

 

الرسائل الخارجية ومخاطر الهجرة غير الشرعية 

 

تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى بكل وضوح عن ثوابت مصر، ودعا الشعب المصرى لأن يفخر ببلده الذى لم يتورط فى التآمر على أى دولة فى الإقليم ولم يتورط فى إراقة دماء.

 

فمصر دولة تدعم بقاء الدول الوطنية بمؤسساتها، وتدعم الحلول السياسية، وإحلال الأمن والسلم والتنمية.

 

ومن منطلق الثوابت المصرية، جدد الرئيس رفضه لأى محاولات إعاقة ممنهجة لمسار السلام فى غزة وإيصال المساعدات والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار.

 

وهنا يحذر الرئيس عبدالفتاح السيسى من إعادة محاولات مخطط التهجير، مذكرًا أن تهجير 2,5 مليون مواطن من غزة، يعنى تصفية القضية الفلسطينية، وليس ذلك فقط بل إن نزوح مئات الآلاف فى هجرة غير شرعية إلى أوروبا لا يستطيع أحد تحمل مخاطره وتبعاته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية .

 

وهذا البعد يتحدث عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى للمرة الأولى، بما يعنى ضرورة تكاتف الدول الأوروبية لإنجاح مسار السلام، ورفض العودة لمخططات تهجير الشعب الفلسطينى، فمصر لن تتحمل وحدها تبعات ذلك بل أوروبا كلها.

 

فمصر استضافت عشرة ملايين نازح من دول تعانى صراعات، وقضت على الهجرة غير الشرعية، ولم تساوم على هذا الملف أو تستخدمه ورقة للمقايضة.

 

ولعل الرسالة المزدوجة للداخل والخارج هى أن قوة مؤسسات الدولة الوطنية تحمى الأمن والاستقرار الداخلى والإقليمى، بينما تحارب بعض الدول التى أسس قادتها مليشيات ظنًا منهم أنها حامية لهم، يرى الجميع كيف أطاحت بهم المليشيات وكيف تدمر الدول ومؤسساتها؟! 

 

وتبقى الرسالة الأخيرة «أن يقظة قواتنا المسلحة وشرطتنا ووعى شعبنا، هى الحائط الذى تتحطم أمامه كل المؤامـرات والدسـائس والشـائعات المغرضــة، ومهما حاول الأعداء زرع سموم الأفكار الهدامة أو بث الشائعات المضللة، فمحكوم عليها بالعدم والاندثار، وستظل مصر - بفضل  الله وعونه- عصية على الفتن، منيعة أمام المؤامرات، وماضية فى طريقها نحو البناء والرخاء، لا يثنيها عن ذلك، كيد الكائدين.. ولا مكر الماكرين». 

 

حفظ الله مصر وشعبها

تم نسخ الرابط