يبدو أن ساعة الدبلوماسية بين أمريكا وإيران قد دقت لتبدأ مرحلة المفاوضات لوقف الحرب، وهذا ما كشفته التصريحات الأخيرة لمجرم الحرب نتنياهو بقوله إن إسقاط النظام فى إيران متروك للشعب الإيرانى. وفى وقت سابق قال الرئيس الأمريكى ترامب إن الحرب بين أمريكا وإيران قد انتهت. إضافة إلى ذلك، صرّح المتحدث باسم الكرملين بأن الرئيس الروسى بوتين عرض على الرئيس الأمريكى ترامب خيارات للوساطة بين إيران وأمريكا لوقف الحرب. كذلك يبذل الاتحاد الأوروبى جهودًا دبلوماسية كبيرة لوقف الحرب لما سببته لهم من أزمة طاقة كبيرة وارتفاع فى أسعار الغاز والبترول، حتى إن بعض دول الاتحاد قد تلجأ إلى استخدام الفحم لتوليد الطاقة كما فعلت ألمانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب الحرب «الروسية- الأوكرانية». ويبرز فى هذا الإطار الدور الكبير الذى يقوم به الرئيس السيسي والدبلوماسية المصرية التى تثق فيها الدولة الإيرانية ثقة كبيرة لما تتمتع به من المصداقية وقدرتها الكبيرة فى حل كثير من النزاعات والمشاكل الدولية.
وفى هذه الأجواء تطالب إيران بوجود ضمانات قوية من كافة الوسطاء لعدم تكرار ما قامت به أمريكا وإسرائيل من عدوان مرة أخرى. ولا نستطيع أن نغفل الدور الذى تقوم به الصين الآن بإرسال مبعوثها إلى منطقة الشرق الأوسط لإيجاد حل توافقى لوقف الحرب بين أمريكا وإيران. ولا ننسى الدور الذى قامت به الصين فى التوافق بين السعودية وإيران منذ أربع سنوات والذى انتهى بعقد اتفاق بين الدولتين وتبادل السفراء وتحسين العلاقات بينهما فى مختلف المجالات. هذه المصالحة «السعودية- الإيرانية» تجعل للدور الصينى أهمية كبيرة فى تحسين العلاقات «الإيرانية- الخليجية»؛ خصوصًا بعد ما سببته الضربات الإيرانية لبعض المواقع فى دول الخليج من جرح كبير يمكن للصين أن تضمده وتعالجه وتفتح إطارًا للمصالحة بين إيران ودول الخليج. وفى هذه الأجواء يمكن للصين أن تلعب دورًا كبيرًا فى مفاوضات وقف الحرب بين أمريكا وإيران لما لها من نفوذ كبير ومصالح اقتصادية وعلاقات ممتدة مع إيران، حتى إنها الدولة الوحيدة التى تمر سفنها من مضيق هرمز ولا تتعرض لأى هجوم من جانب إيران، أى أن السفن الصينية المحملة بالبترول لا يتم ضربها لمجرد أنها ترفع العلم الصينى. وكثير من الخبراء يؤكدون أن الصين لم تتضرر من العدوان الإسرائيلى الأمريكى على إيران، ولذلك يشدد الكثير من المراقبين على أهمية الدور الصينى الكبير فى إيجاد حلول ومخارج دبلوماسية للحرب «الأمريكية- الإيرانية».
وعلى عكس تصريحات التهدئة، قال وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى إنه من المستبعد أن تستأنف طهران المفاوضات مع أمريكا فى الوقت الراهن. وتأتى تصريحات الخارجية الإيرانية على خلفية المفاوضات السابقة مع الولايات المتحدة التى كانت بمثابة تضليل وخداع لإيران بعد تقديمها تنازلات كبيرة وصلت إلى حد تصفير اليورانيوم المخصب، إلا أن الإيرانيين فوجئوا بالضربة الإسرائيلية الأمريكية الشديدة يوم السبت ٢٨ فبراير التى أدت إلى مقتل أكثر من ثمانية وأربعين قائدًا من القيادات الإيرانية وعلى رأسهم المرشد الأعلى على خامنئى. وعلى عكس تصور الأمريكيين والإسرائيليين بأن هذه الضربة الموجعة ستؤدى إلى استسلام النظام الإيرانى والقضاء عليه؛ جاءت المفاجأة مغايرة؛ إذ خرج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع معلنين «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» والمطالبة بالثأر لمقتل المرشد.
وفى إطار الرد على قتل المرشد وعملية الثأر وكذلك العدوان الأمريكى الإسرائيلى على الشعب الإيرانى، تم اختيار آية الله مجتبى خامنئى مرشدًا أعلى لإيران، وهو الأكثر تشددًا والمقرّب من الحرس الثورى الإيرانى، وكان يُطلق عليه وقت أن كان والده على قيد الحياة «بوابة المرشد». وتمتلئ دماؤه ومشاعره بكراهية وعداوة لأمريكا وإسرائيل اللتين قتلتا والده وشقيقته وزوجته وابنته. ولا يُستبعد أن يقوم المرشد الجديد بعملية توازن تقتضى تقديم المصالح العليا لإيران على مشاعره وبدء جولة جديدة من المفاوضات مع أمريكا.
فى المجمل العام يُطلق على المرشد الجديد صفة «اختيار الضرورة» لما تقتضيه الحرب والظروف المحيطة بإيران وكذلك الأوضاع الداخلية وقربه من الحرس الثورى الإيرانى الذى يدير كل الأمور الآن فى إيران. والانتقاد الوحيد للمرشد الجديد هو عملية التوريث باعتباره ابن المرشد السابق آية الله على خامنئى.
وما لا يمكن القفز فوقه أو اعتباره غير موجود هو أن هدف الحرب «الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية» كان القضاء على النظام الإيرانى، وهذا لم يتحقق؛ فقد فشلت أمريكا وإسرائيل فى إسقاطه رغم اغتيال المرشد الأعلى، وهو ما أشعل التفاف الإيرانيين حول دولتهم وزاد تمسكهم بالنظام. لم يسقط النظام بل وحّده الشعب، وأطلق الإيرانيون انتقامًا أعاد رسم خريطة القوى فى الشرق الأوسط.
السؤال الحاسم: لمَن الفوز فى معركة الإرادة؟ النظام الإيرانى بدا متماسكًا بدلاً من الانهيار، فيما يواصل ترامب خوض الحروب الكلامية والتصريحات المتناقضة بحثًا عن انتصار وهمى. أمّا الكونجرس الأمريكى فيسأل: لماذا نخسر قواعد لا تحقق نصرًا؟ وفى المقابل؛ ينهار الاقتصاد الإسرائيلى، ومطار بن جوريون مهدد بالإغلاق بسبب الحرب.
المعادلة المعقدة: إيران + الحوثيون + المقاومة = مستنقع لا نهاية له لأمريكا. والمشهد القادم لا يخرج عن إطار واحد: المفاوضات ثم المفاوضات لوقف الحرب.˜
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



