الخميس 29 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حقوق ذوي الإعاقة بين الشريعة والمجتمع

دار الإفتاء تناقش حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في معرض الكتاب

جانب من الندوة
جانب من الندوة

في إطار الفعاليات الثقافية والتوعوية التي يشهدها معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية، بالتعاون مع المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، ندوة موسعة تحت عنوان: "حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اجتماعيًّا ودينيًّا".

ضمَّت المنصة الرئيسية نخبة من المتخصصين والخبراء للربط بين الجوانب الفقهية والواقعية، وهم: الدكتورة ياسمين مطر، خبيرة شؤون الإعاقة بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، لاستعراض التطور الاجتماعي والمنهجي في التعامل مع ملف الإعاقة، ومحمد مختار، مسؤول خدمة المواطنين بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، لتناول الآليات التنفيذية والخدمية التي تضمن وصول الحقوق لمستحقيها، والدكتورة زينب السعيد، أمينة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، لتقديم قراءة فقهية مستنيرة حول تكريم الدين الإسلامي لذوي الإعاقة وكفالة حقوقهم، وأدارت الندوة الكاتبة رشا عبد المنعم، المستشار الثقافي بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة.

 

الندوة تسلط الضوء على حقوق ذوي الإعاقة ودمجهم الاجتماعي والديني

في مستهل الندوة بيَّنت المحاورة رشا عبد المنعم أن إحدى الإشكاليات المعرفية المرتبطة بقضايا الإعاقة تتمثل في الصورة الدرامية السلبية التي ترسخت في الوعي المجتمعي، وتسعى الجهات المعنية إلى تصحيحها من خلال الندوات الفكرية والحوارات التوعوية، وأشارت إلى أن هذه الصورة غالبًا ما تُظهِر الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم مهمَّشين أو بلا دَور فاعل، على الرغم من أن كثيرًا منهم يتمتعون بدرجة عالية من الاعتمادية الذاتية، ويمتلكون قدرات وإمكانات فائقة تؤهلهم للإسهام الإيجابي في المجتمع.

وأضافت أن التفاوت في القدرات سمة إنسانية عامة لا تقتصر على فئة بعينها، وأن مجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة لا يختلف في ذلك عن غيره، حيث تؤدي المحفزات الخارجية دورًا مهمًّا في استدعاء الطاقات الكامنة، واكتشاف القدرات غير المرئية لهم، مؤكدة أن مصطلح «ذوي الإعاقة» يظل المصطلح الحقوقي الأدق، رغم شيوع استخدام تسميات أخرى مثل «ذوي الهمم» أو «متحدي الإعاقة».

وفي السياق ذاته، أشارت إلى أنشطة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ودوره في دعم هذه الفئة، مشيدةً أيضًا بدَور دار الإفتاء المصرية بوصفها مرجعية دينية وطنية تحظى بثقة المجتمع المصري، وتسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ القيم الداعمة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم الكامل في المجتمع.

وفي كلمتها، أكَّدت الدكتورة ياسمين مطر، خبيرة شؤون الإعاقة بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أنه كما أن هناك آدابًا للتعامل مع المرأة والطفل وكبار السن، فإن هناك آدابًا للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وأنَّ من أهم القواعد الأساسية في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية ضرورة تجنُّب اتخاذ موقف المتفرج أو العزلة داخل الحديث، خاصة عند تواصلهم بلغة الإشارة، مشيرة إلى أنَّ إدماجهم في الحوار دون إشعارهم بالرفض أو الإقصاء يمثل مدخلًا أساسيًّا للتواصل الإنساني السليم.


وأوضحت أن الحديث مع مترجم لغة الإشارة يجب أن يكون موجهًا للشخص ذاته لا للمترجم مع الحفاظ على تواصل بصري مباشر واستخدام لغة شفاه طبيعية واضحة دون مبالغة أو إدخال مصطلحات أجنبية قد تربك الفهم، مؤكدة ضرورة عدم رفع الصوت أثناء الحديث، خاصة لمن يستخدمون سماعات طبية لما لذلك من أثر نفسي سلبي وفقدان لخصوصية الحوار.

وتطرقت خبير شؤون الإعاقة بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة إلى اضطرابات النطق والتلعثم، مؤكدة أهمية منح الشخص المساحة الكاملة للتعبير والصبر حتى ينهي حديثه دون مقاطعة؛ لأن إيقافه أو استعجاله يزيد من حدة التلعثم ويؤثر سلبًا على ثقته بنفسه، وشددت على أن مشكلات النطق الناتجة عن صعوبات في إخراج الحروف تستوجب الامتناع التام عن السخرية أو التنمر أو تقليد طريقة النطق؛ لأن ذلك يمثل إساءة مباشرة وضررًا نفسيًّا، مؤكدة أن الاحترام هو الأساس في أي تواصل.

وبشأن مستخدمي الكراسي المتحركة أشارت إلى أنه لا يجوز تحريك الكرسي أو استخدامه دون إذن صريح من صاحبه باعتباره جزءًا من خصوصيته الشخصية واستقلاله الذاتي. وفيما يخص الأشخاص من فاقدي البصر أو ضعافه، أوضحت أنَّ التعامل معهم يتطلَّب تعريف الشخص بنفسه عند تقديم المساعدة وعدم الإمساك بالعصا أو التدخل في الحركة إلا بعد الاستئذان وسؤال الشخص عن الطريقة الأنسب لمساعدته بما يحفظ كرامته واستقلاليته.

كما عرجت الدكتورة ياسمين مطر بالحديث على ذوي الإعاقات الذهنية، مشيرةً إلى أن بعضهم قد يصدر أصواتًا لا يستطيع التحكم فيها، وهو ما يستوجب عدم توبيخه أو توبيخ ذويه بسببها مع ضرورة احترام نمط حياته اليومي وعدم كسره والعمل على تهيئة البيئة المحيطة بما يتناسب مع قدراته وطبيعة حياته، حتى لا يشعر بالاضطراب أو الانزعاج، محذرةً من الآثار النفسية السلبية المترتبة على تجاهل قواعد التواصل السليم مع الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث إن ذلك قد يؤدي إلى الإحراج والشعور بالتقليل من القيمة أو سلب الإرادة والإحساس بالعجز.

واختتمت بالإشارة إلى أن وسائل التواصل مع الأشخاص ذوي الإعاقة تختلف باختلاف طبيعة الإعاقة واحتياجات الفرد، سواء من خلال لغة الإشارة أو الكتابة أو الصوت، مؤكدة أن اعتمادهم على التكنولوجيا مرتفع، وأن التواصل المنطوق قد يكون أسهل من المكتوب في بعض الحالات وهو ما يتطلب فهمًا دقيقًا لآداب التواصل واحترام خصوصية كل حالة.

من جانبه، أوضح محمد مختار، مسؤول خدمة المواطنين بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن الإطار القانوني المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة شهد تطورًا ملحوظًا بعد أن كان يقتصر سابقًا على نسبة تشغيل لا تتجاوز خمسة في المائة مقرونة بغرامة مالية محدودة لا تعكس ضمانًا حقيقيًّا للحقوق، وهو ما أدى إلى إعادة بناء التشريع ليقوم على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: الامتيازات، ثم إجراءات الحصول على هذه الحقوق، ثم الجهات المنفذة بما يحقق حماية أشمل وأكثر فاعلية.
وأكد أن مفهوم العدالة لا يقوم على المساواة الشكلية بين الأفراد وإنما على تكافؤ الفرص، بحيث يحصل كل فرد على ما يتناسب مع احتياجاته وقدراته وهو ما يبرر الاستثناءات الضريبية والجمع بين المعاش والدخل باعتبارها أدوات لتحقيق الإنصاف الاجتماعي وتعويض التكاليف الإضافية المرتبطة بالإعاقة.

 

وتطرق مختار إلى العقوبات التي يقرها القانون بحق المؤسسات والهيئات التي تمتنع عن تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، مؤكدًا أن التشريع ألزم جهات العمل بتوفير بيئة ملائمة من حيث أماكن العمل وإتاحة المكاتب في الأدوار غير المرتفعة بما ييسر الحركة والتنقل ويسهم في دمج فعلي داخل المجتمع.

 

كما استعرض الإجراءات الخاصة بالحماية الجنائية للأشخاص ذوي الإعاقة، حيث اشترط القانون عند التحقيق توفير مترجم لغة إشارة أو أخصائي نفسي بحسب نوع الإعاقة، وكذلك تهيئة أماكن الاحتجاز بما يتناسب مع احتياجاتهم وضمان توفير الرعاية اللازمة لهم في جميع مراحل التقاضي والتنفيذ بما يحفظ كرامتهم الإنسانية، مشيرًا إلى أن أكثر الشكاوى ورودًا تتعلق برفض بعض المدارس قبول الطلاب من ذوي الإعاقة أو وضع الفصول الدراسية في أماكن مرتفعة تعوق الوصول، إضافة إلى صعوبات الحصول على فرص العمل وتكرار وقائع الاعتداء الجنسي بحق بعضهم، وهي قضايا يتم التعامل معها من خلال منظومة الشكاوى التابعة لمجلس الوزراء.

 

واختتم محمد مختار حديثه بأن النائب العام خصَّص مستشارًا قانونيًّا للتعامل مع قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، مع توفير الدعم الفني وحضور محامٍ متخصص أثناء التحقيقات، وفي حال وجود أي مظلمة يتولى المجلس القومي تلقِّي الشكاوى عبر أرقام مخصصة أو عبر الصفحة الرسمية على فيسبوك، كما يمكن التقدم بالمستندات أو مقاطع الفيديو الداعمة أو الحضور المباشر إلى مقرِّ المجلس لتقديم الشكوى بشكل شخصي.

 

وبشأن الرؤية الدينية لموضوع الندوة، فقد ذهبت الدكتورة زينب السعيد أمينة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إلى أنَّ الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة هو في جوهره حديث عن الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات قبل أن يكون حديثًا عن الإحسان أو الشفقة، مشددةً على أن هذا الملف لا يجوز أن يُتناول من زاوية الإقصاء أو التهميش، إذ إن الله سبحانه وتعالى كفل للإنسان كرامته دون تمييز، وأرسى الإسلام مبدأ الرحمة باعتباره أصلًا حاكمًا للتشريع. وأشارت إلى أنَّ الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا فاقدي الأهلية، وإنما هم مختلفون في الأحوال والقدرات، وأن الفتوى الشرعية تراعي حال المستفتي وظروفه الخاصة، وهو ما ينطبق على ذوي الإعاقة من حيث التيسير والتخفيف دون المساس بكونهم مكلفين كاملين مؤهلين أكفاء، قائمين بالتكاليف الشرعية بحسب استطاعتهم، وهو ما يعكس فهمًا مقاصديًّا أصيلًا للشريعة الإسلامية.

 

وأوضحت أن لدار الإفتاء المصرية دورًا محوريًّا في ملف ذوي الإعاقة من خلال إصدار الفتاوى المؤصلة التي تتناول شؤونهم في مجالات العبادات والأحوال الشخصية والحقوق والواجبات، إلى جانب الحضور الإعلامي والبيانات التوعوية التي تسهم في الدفاع عن حقوق هذه الفئة وتصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بها، وتوجيه الخطاب المجتمعي نحو رؤية أكثر إنصافًا وإنسانية.

 

وأضافت أن الدار حرصت كذلك على الانتقال من خطاب الشفقة إلى خطاب الحقوق، والعمل على تصحيح الصورة الذهنية السائدة، مؤكدة أنَّ الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا عبئًا على المجتمع، بل قد يكونون سببًا في البركة والخير، مستشهدة بالمعنى النبوي الذي يقرر أن الرزق والنصر قد يكونان بسبب الضعفاء. كما أصدرت الدار كتابًا بعنوان: "حقوق ذوي الهمم"، وحرصت على ترجمة دليل الأسرة إلى لغة الإشارة في إطار دعم الدمج المجتمعي الشامل.

 

واستشهدت الدكتورة زينب السعيد بنماذج مشرقة من التاريخ النبوي والإسلامي تؤكد مكانة ذوي الإعاقة ودورهم الفاعل في المجتمع، من بينهم الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم الذي استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غيابه، ومشاركة سيدنا عمرو بن الجموح في الجهاد بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم رغم إعاقته، وكذلك نموذج سيدنا عطاء بن أبي رباح، مؤكدة أن استحضار مثل هذه النماذج يسهم في إعادة تشكيل وعي المجتمع وتصحيح ثقافته تجاه ذوي الإعاقة.

 


جدير بالذكر أن هذه الندوة تمثل جزءًا من استراتيجية دار الإفتاء المصرية لتعزيز الوعي بحقوق ذوي الإعاقة، وتجسيدًا للتعاون الوثيق بين المؤسسات الدينية وغيرها من الهيئات المعنية لخدمة كافة فئات المجتمع المصري.

 

وتأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناح خاص بمعرض الكتاب؛ تأكيدًا لدورها المؤسسي في الاسهام في بناء الوعي الرشيد وترسيخ القيم الدينية والفكرية القادرة على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة من خلال تقديم خطاب علمي منضبط ومحتوى معرفي يوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الواقع ويستهدف مختلف الفئات العمرية بما يعزز قدرتهم على الفهم والتمييز ويسهم في حماية الوعي المجتمعي من التضليل والتشويه.

تم نسخ الرابط