الأحد 01 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مع اقتراب الصوم الكبير للمسيحيين والذى يعقبه عيد القيامة، تثار فى كل سنة عدة تساؤلات، لماذا يختلف موعد عيدى الميلاد والقيامة عند الأقباط الأرثوذكس عن موعد احتفال الكاثوليك والإنجيليين فى العالم؟ ومن أدق فى الحسابات التى بنيت عليها هذه المواعيد؟ وهل يمكن توحيد أيام الأعياد؟ وكيف؟ هذه الأسئلة أجاب عنها الباحث النابه والمهتم بالتاريخ المصرى القديم والحديث تامر ممدوح شفيق فى كتابه «التقويم القبطى.. بين الواقع والأساطير» والذى صدر مؤخرًا عن دار نشر «صفصافة»، اعتمد المؤلف على دراسات علمية وحسابات فلكية متعددة فى الإجابة عن هذه الأسئلة، واجتهد كثيرًا لكى يجمع  معلومات مدققة ليس فقط عن موعد الأعياد، ولكن حول تاريخ التقاويم فى العالم منذ بداية اكتشافها مع التركيز على التقويم القبطى، فتناول التقاويم المصرية القديمة (النيلى والقمرى والمدنى والكانوبى)، وكذلك تقاويم الشرق الأدنى القديمة مثل البابلى والعبرى والفارسى، وأيضًا التقاويم الإغريقى والرومانى القديم والسكندرى والعربى والهجرى ثم تقويم الخراج بعد الفتح الإسلامى لمصر، وتناول بعد ذلك المواسم والأعياد فى التقويم القبطى، والتصحيح الغريغورى لمواعيد هذه الأعياد، أما لماذا اختلفت مواعيد الأعياد بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية؟ فكان  موعد ميلاد المسيح موحدًا فى البداية فى 7 يناير، ولكن تم اكتشاف فروق فى عدد من الدقائق سنويًا وترتب على ذلك حسابات جديدة فى الغرب وما يسمى بالتقويم الغريغورى فأصبح عيد الميلاد يوم 25 ديسمبر لدى الكاثوليك، وهو ما رفضته الكنيسة القبطية واستمرت فى الموعد المحدد من قبل 7 يناير، ونتيجة للحسابات الجديدة تغير أيضًا موعد عيد القيامة لدى الكاثوليك، ومنذ ذلك الوقت جرت محاولات عديدة لتوحيد أيام الأعياد بين كنائس العالم، وفى مصر تراوح الأمر بين أقلية مؤيدة للتوحيد وأكثرية رافضة بعنف، ويشرح تامر القضية قائلاً: «منذ نهاية القرن التاسع عشر تبنّت الحكومة المصرية التقويم الغريغورى الغربى كتقويم رسمى للدولة بدلاً من التقويمين الهجرى والقبطى كخطوة لدمج مصر فى الاقتصاد الأوروبى، ومن وقتها يدور النقاش داخل الدوائر القبطية الأرثوذكسية عن قضية إصلاح التقويم القبطى»، ويضيف تامر: «إن الداعين لهذا الإصلاح يقولون إن تقويم الشهداء القبطى به خطأ متراكم حسابيًا أدى لابتعاد موعد الأعياد عن وقتها الصحيح، وأن تصحيح موعدها سيتحقق تلقائيًا عن طريق إصلاح التقويم، مما يؤدى لتزامنها مع التقويم الغريغورى الذى تستخدمه الغالبية العظمى من دول وكنائس العالم، وبالتالى تتوحد موعد الأعياد فى مصر مع الغرب»، ويستطرد: «أما الرافضون لهذا التعديل والمصرون على بقاء الوضع على ما هو عليه فيرون أن الطريقة القبطية فى حساب موعد الأعياد هى الصحيحة وأنه لا يجوز توحيد موعدها مع الطوائف الغربية التى انزلقت من وجهة نظرهم إلى هرطقات ابتعدت بهم عن الإيمان السليم،» ويستند هؤلاء فى رأيهم إلى أن التقويم القبطى الحالى هو امتداد للتقويم المصرى القديم فى بداية العام 4241 قبل الميلاد وكانت سنته نجمية تبدأ بشروق النجم سريوس المعروف لدى العرب بالشعرى اليمانى ويتزامن شروقه مع بداية فيضان النيل، وأن التقويم المبنى على السنة النجمية أكثر دقة من التقويم الغريغورى الذى يعتمد على السنة الشمسية ويتبعه معظم دول العالم حالياً، ويضيف أصحاب هذا الرأى أن التقويم المصرى هو الأدق لتزامنه مع فصول الزراعة فى مصر بينما التقويم الغربى متغير وغير ثابت، والأهم من وجهة نظرهم  أن المواعيد التى حددتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كلها محددة فى القوانين الكنسية ولا يجوز تغييرها، وأن تعامد الشمس على عدد من المعابد المصرية القديمة ومذابح الكنائس الأثرية فى أيام بعينها دليلاً على صحة التقويم، ويرد تامر على هذه الآراء بأن «التقويم المصرى كان تقويمًا غير ثابت وكان متحركًا بالنسبة للفصول الأربعة، وأن هذا التقويم أنشأه الإمبراطور أغسطس قيصر فى العام 62 قبل الميلاد وليس له علاقة بموعد رأس السنة أو عدد الأيام بالتقويم المدنى المصرى القديم، والأهم أن التقويم القبطى الحالى به خطأ يتراكم ليوم كامل كل 128 عامًا نظرًا لأن السنة فيه أطول من السنة المدارية بـ11 دقيقة، وأدى تراكم هذا الخطأ إلى ابتعاد التقويم عن مواعيد الفصول المدارية بمقدار 13 يومًا حتى الآن، وسيزداد الفارق بين التقويمين القبطى والغربى بمقدار يوم فى السنوات التى لا تقبل القسمة على 400، وبالتالى سيتحرك التقويم يومًا إضافيًا بداية من سنة 2100، بجانب أن طريقة حساب موعد عيد القيامة فى الكنيسة القبطية بعد 18 قرنًا من إنشائها ومع تحرك التقويم القبطى نسبة للفصول أصبحت غير دقيقة فى تحديد موعد الأعياد وفقًا لقاعدة مجمع نيقية، ولذا يرى المؤلف ضرورة تصحيح التقويم القبطى؟ ويرجع ذلك إلى: «أسباب دينية فوفقًا للأناجيل وبعد حسابات عن موعد صلب وقيامة المسيح فإن الأدق هو موعد الكنائس الغربية، كما أن هناك أسبابًا علمية وعملية،  فضبط التقويم القبطى يجعل عيد الميلاد فى مصر متفقًا مع عيد الميلاد الغربى فى 25 ديسمبر بدلاً من 7 يناير وكذلك عيد القيامة، وهو ما يسهل حياة مئات الآلاف من المنتمين للكنيسة القبطية حيث ستكون أعيادهم متزامنة مع الإجازات الرسمية للبلاد التى يعيشون فيها، الكتاب ملىء بالمعلومات ورغم أن مؤلفه يقول: «إنه كتاب لغير متخصص ولا يقدم بحثًا جديدًا أو مبتكرًا، بل هو محض قراءة فى هذا الموضوع المثير»، إلا أنه جدير بدراسة ما جاء فيه والنقاش العلمى حوله دون الهجوم على المؤلف من الذين يتصورون أنهم وحدهم يمتلكون الإيمان.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط