دار الإفتاء تناقش "المجتمع بين التطرف الديني واللا ديني" بمعرض الكتاب
نظم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب اليوم الأحد، ندوة بعنوان "المجتمع بين التطرف الديني واللاديني".
شارك في الندوة الأستاذ الدكتور محمد عبد الدايم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، والدكتور خالد الجندي الداعية الإسلامي، وأدار الندوة الدكتور طاهر زيد مدير وحدة حوار بدار الإفتاء المصرية، وافتتح الندوة الشيخ أحمد تميم المراغي بقراءة آيات من القرآن الكريم.
في مستهل كلمته، أكد الدكتور محمد عبد الدايم الجندي عن سعادته بالمشاركة في الندوة، مشيرًا إلى أن الوسطية هي جوهر الدين الإسلامي، وركيزة أساسية لفهم الدين بشكل صحيح، بعيدًا عن الإفراط أو التفريط، موضحًا أن الدين الصحيح يشبه شجرة تحتاج إلى توازن، فإذا أصاب أحد فروعها الجفاف أو الانكسار، تتأثر بأكملها، وعليه يجب معالجة أي خلل فكري أو انحراف بطريقة علمية ومدروسة.
وأشار الدكتور الجندي إلى أن المؤسسات الأزهرية والدعوية تقوم بدور محوري في ضبط ومعالجة الانحراف الفكري، من خلال تدريب الدعاة على التمكن من الفكرة الصحيحة، وتقديم الحوار المعالج للأفكار المغلوطة التي قد تنتشر بين الشباب، موضحًا أن هذه العملية تتم بتدرج مرحلي لتجنب أي صدام مباشر، بحيث يتم الانتقال من اليقين الخاطئ إلى إدراك الشك، ثم إدراك الخطأ، وصولًا إلى التوازن الفكري والاعتدال، كالطبيب الذي يعالج الضرس التالف خطوة بخطوة.
وأضاف أن هذا النهج يتيح التعامل مع الفكر المتشدد والمتعصب بطريقة علمية وواقعية، عبر مراحل تدريجية تبدأ من تصحيح المفاهيم المغلوطة وصولًا إلى بناء وعي وسطي، مؤكدًا أن مثل هذا التدرج ضروري في ظل الاختراقات التقنية الحديثة التي تصل مباشرة إلى الشباب من خلال مقاطع الفيديو والفتاوى المتطرفة على الإنترنت، مما يجعل مواجهة هذه الأفكار الفيروسية الفكريَّة أمرًا بالغ الأهمية.
وأوضح الدكتور الجندي أن العقل البشري يحتاج إلى ما يشبه المضاد للفيروسات الفكرية، خاصة مع وصول المعارف المجهولة أو المنقوصة إلى الشباب عبر منصات التواصل، مشيرًا إلى أن تعليم الدين يجب أن يتم عبر مصادر موثوقة مثل سؤال أهل الذكر: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
وأضاف أن الأزهر يعتمد على أطروحات علمية وقوافل دعوية مدروسة، لضمان فهم الوسطية والاعتدال، وحماية الشباب من الانحرافات الفكرية، مؤكدًا أن مفهوم التكامل ينطبق أيضًا على المجتمع والمؤسسات، حيث يمثل التعاون بين مختلف مؤسسات الدولة تكاملًا في إصدار المعارف وبناء الوعي الإنساني.
وأضاف أن الأزهر من خلال بعثاته الإسلامية الخارجية يسعى لتكوين مهارات عملية لدى المبتعثين عبر مؤسسات متكاملة، لضمان نقل الفكرة الصحيحة والدعوة الوسطية، مشيرًا إلى أن التكامل يظهر أيضًا في قوافل الدعوة التي تجوب أنحاء الجمهورية، بالتعاون مع المدارس ومراكز الشباب والنوادي، إلى جانب بروتوكولات مشتركة مع وزارتي الثقافة والصحة، بهدف التوعية بأخلاقيات المهن، مثل كيفية تعامل الطبيب مع المريض، وتهيئة الشباب لفهم مسؤولياتهم المهنية والاجتماعية.
وشدد على أن الأسرة تمثل النواة الأساسية للتحرك المجتمعي والتربية الصحيحة، محذرًا من تأثيرات انتشار الهواتف الذكية التي ساهمت في تفكك المجتمع بشكل واضح ومقلق، ومؤكدًا أن الوحدة الفكرية داخل المجتمع تعد أكبر حصن ضد أي اختراق فكري أو محاولات تطرف تستهدف عقول الشباب، كونها تشكل حجر الأساس لمجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات الفكرية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الوسطية والتدرج في التربية الفكرية هما السبيل لبناء جيل واعٍ قادر على مواجهة الفكر المتطرف، مشددًا على أن صحة البدايات الفكرية تضمن صحة النتائج النهائية؛ وبالتالي حماية المجتمع والأجيال الشابة من الانحراف الفكري.
من جانبه، أكد الداعية الإسلامي الدكتور خالد الجندي أن موضوع الندوة شائق للغاية، مثمنًا توجيه الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية، لاختيار هذا الموضوع للنقاش، وحول الحديث عن العزلة بين بعض الشباب ورجال الدين، أوضح أن الإشكالية الأساسية تكمن في الخطاب والتواصل لا في المضمون؛ فإذا أحسن المتحدث ما يقول، كان ذلك من رزق المستمع، مبينًا أن فن التواصل الحديث يحتاج إلى أربعة عوامل رئيسة، هي: العلم، والثقافة، والشخصية القادرة على توظيف المصطلحات التي يتحدث بها الناس، أما العامل الرابع فهو الموهبة، وهي إكرام من الله عز وجل.
ولفت الداعية الإسلامي الانتباه إلى أن التطرف هو الابن الوحيد للتعصب، موضحًا أن هناك ثلاث مراحل تؤدي إلى الفكر المتطرف تبدأ بالتعصب، ثم التطرف، ثم الإرهاب، مؤكدًا أن التعصب قد يوجد في مختلف المجالات؛ فالتعصب الرياضي – على سبيل المثال – حوَّل الرياضة إلى ساحة للمعارك والصراع، وهو أمر مؤسف، وكذلك الحال في التعصب والتطرف في مفاهيم المواطنة والوطنية، حيث يؤدي التطرف فيها إلى إصابة بعض المثقفين بحالة من الاستعلاء، بما يهدد الأمن المجتمعي واللحمة الوطنية.
وحول سؤال: هل المؤسسة الدينية هي ردَّة فعل أم لديها إجراءات وقائية قبل حدوث المشكلة؟ أوضح أن التعقيم من الفيروسات يُعد دائمًا من أولويات المنظومة الصحية، وهي الرسالة الحقيقية التي ينبغي أن يقوم بها علماء الأمة، موضحًا أن الفضيلة هي وسط بين رذيلتين؛ فالتدين فضيلة، لكن إن زاد عن حده الطبيعي كان إفراطًا، وإن نقص عنه كان تفريطًا، والكرم إذا زاد صار سفهًا، وإذا قل صار بخلًا، وبيَّن أن آيات القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، مؤكدًا أن خير الأمور الوسط.
وحول تأثير الذكاء الاصطناعي، قال الدكتور خالد الجندي إنه مولود لا يزال في طور التشكل، داعيًا إلى المشاركة في توجيه ولادته بشكل سوي، موضحًا أنه يستقي معلوماته وبنيته الثقافية من البيانات التي تُغذِّيه عبر المستخدمين، وحذَّر من استقاء المعلومات الدينية من الذكاء الاصطناعي؛ لعدم امتلاكه بنية معلوماتية شرعية، مؤكدًا خطورة الاعتماد على ما يقدمه من فتاوى أو ما يشابهها، وطالب المستخدمين بتصحيح أي معلومة دينية خاطئة تظهر عبر هذه التقنيات، لأن تلك التصحيحات تُخزَّن وتُعاد معالجتها داخل قواعد بياناتها.
وأكد في ختام كلمته أن المؤسسات الدينية على أهبة الاستعداد علمًا وثقافةً وفهمًا وتواصلًا لمواجهة مختلف التحديات، مناشدًا الحاضرين بالاستماع إلى علماء الأزهر الشريف، ومشددًا على ضرورة تقديم منتج دعوي مستمر يساهم في تقليص المسافة بين الشباب ورجال الدين.
وفي الإطار ذاته، بدأ محاور الندوة الدكتور طاهر زيد حديثه بقول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها.. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا»
وشدد على أن الحاجة ماسة للحديث في هذا الموضوع، مبرزًا أهمية أن تأخذ النخب الثقافية والفكرية والدينية بيد المجتمع، موضحًا أن الوسطية هي الاعتدال بين الإفراط والتفريط، ووجَّه العديد من التساؤلات للمتحدثين من بينها أسباب الفجوة والعزلة بين بعض الشباب والمشايخ.
هذا، وتأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناح خاص في معرض الكتاب؛ تأكيدًا لدَورها المؤسسي في الإسهام ببناء الوعي الرشيد، وترسيخ القيم الدينية والفكرية القادرة على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة، من خلال تقديم خطاب علمي منضبط، ومحتوى معرفي يوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الواقع، ويستهدف مختلف الفئات العمرية، بما يعزز قدرتهم على الفهم والتمييز، ويُسهم في حماية الوعي المجتمعي من التضليل والتشويه.





