داليا عمارة.. قصة ملهمة تجمع بين الحلم الإرادة والتجديف
داليا عمارة ليست مجرد طالبة رياضية؛ إنها مثال حي على أن الإرادة والشغف يمكن أن يتغلبا على كل الصعاب.
ولدت داليا لعائلة متوسطة في شبرا الخيمة بمصر، وكانت فتاة عادية تحمل أحلامًا كبيرة. منذ صغرها، حلمت بالحصول على تعليم في جامعة أمريكية، ودراسة علم النفس، لتصبح نموذجًا للشابات اللواتي يسعين لتحقيق طموحاتهن بعيدًا عن القيود الاجتماعية والمادية.
البداية: اكتشاف التجديف
بدأ شغف داليا بالرياضة منذ الصف الأول الثانوي، حين تعرفت على رياضة التجديف من خلال صديقتها فريدة، لاعبة نادي المصري للتجديف. ساعدتها فريدة على الانضمام إلى فريق النادي، حيث رحب بها المدرب الكابتن إسماعيل وسهّل لها جميع الإجراءات، بل وأعفاها من مصاريف التدريب تقديرًا لإمكاناتها وإصرارها.
لم يمض وقت طويل حتى تألقت داليا، وشاركت في بطولات الجمهورية للتجديف، ما منحها خبرة قوية وشغفًا أكبر بالرياضة. أصبح التجديف جزءًا من حياتها، ليس فقط كرياضة، بل كمساحة لبناء شخصيتها وتطوير انضباطها الذاتي.
حلم الجامعة الأمريكية
مع مرور الوقت، أصبح حلم الدراسة في الولايات المتحدة هدفها الأسمى. كان عليها أولاً اجتياز امتحان IELTS لإثبات كفاءتها في اللغة الإنجليزية، وهو ما حققته بفضل اجتهادها وتفانيها. بعد النجاح في الاختبار، تقدمت للجامعات الأمريكية، وقُبلت في جامعة في شيكاغو.
ولكن الوصول إلى أمريكا لم يكن سهلاً. التحدي الأول كان توفير ثمن تذكرة السفر، وقد تكفل والدها بذلك رغم الظروف المادية الصعبة التي واجهها، ما يعكس دعم الأسرة وإيمانها بحلم ابنته.
التحديات المادية والتعليمية
بعد وصولها، واجهت داليا تحديًا جديدًا: دفع مصاريف الجامعة. وبفضل تصميمها، اعتمدت على العمل داخل الحرم الجامعي وفق الفرص المتاحة للطلاب، ما أتاح لها الاستمرار في الدراسة وتحقيق حلمها الأكاديمي.
التحدي الأكبر: التجديف في غياب الفريق
الحلم لم يكن مكتملًا دون التجديف، ولكن جامعة شيكاغو لم توفر فريقًا لهذه الرياضة، الأمر الذي شكل اختبارًا لإصرار داليا. لم تسمح هذه العقبة أن توقفها، فواصلت التدريب بمفردها، مستخدمة برامج تمارين أرسلها لها الكابتن معتز من الإسكندرية، كما تواصلت مع مدربين من جامعات أخرى لديها فرق تجديف، وأوضحت لهم رغبتها في الانتقال إلى جامعة توفر لها فرصة التجديف التنافسي.
النجاح في جامعة ستيتسون
وبفضل مثابرتها وإصرارها، تمكنت داليا من الانضمام إلى جامعة ستيتسون في فلوريدا، حيث أصبحت لاعبة تجديف في فريق الجامعة، ممثلة مصر الطالبة الوحيدة في الفريق. حصلت على منحة جزئية، بينما تكفلت بدفع باقي المصاريف من خلال العمل.
في ستيتسون، وجدت داليا مجتمعًا داعمًا يقدّرها كشخص كامل، وليس فقط كلاعبة. هذا الدعم كان حاضرًا في أصعب لحظات حياتها، خاصة بعد فقدان والدها في ديسمبر الماضي أثناء وجودها في أمريكا. رغم الحزن والبعد عن وطنها، حملت داليا على عاتقها تحقيق حلم والدها، لتكمل ما لم يستطع هو تحقيقه، وأثبتت لنفسها وللعالم أن الإرادة تصنع الفارق.
التجديف كهوية وقوة
بالنسبة لداليا، التجديف لم يكن مجرد رياضة؛ بل أصبح منصة لبناء الشخصية، موازنة بين الإيمان والدراسة والصحة النفسية، وتأكيدًا على أن القوة ليست جسدية فقط. كل ضربة مجداف تذكّرها بانتمائها وفخرها بهويتها كامرأة مصرية مسلمة شمال أفريقية.
تقول داليا:
> "كل مرة أستعد للسباق أو التدريب، أشعر أنني أفتح بابًا ليس لي فقط، بل لفتيات أخريات قد يعتقدن أنهن لا ينتمين إلى هذا المجال."
لقد علمتها التحديات أهمية الصبر، والوعي الذاتي، والعناية بالنفس، وأن التمثيل في الرياضة ليس مجرد نجاح فردي، بل رسالة للفتيات الصغيرات بأن هناك مكانًا لهن، وأن الحلم قابل للتحقيق مهما كانت العقبات.
إنجازات أكاديمية ورياضية متوازنة
داليا على وشك التخرج من قسم علم النفس في مايو 2026، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها المهنية في أمريكا، مع الاستمرار في ممارسة التجديف والتألق فيه. وبجانب إنجازاتها الرياضية، تمكنت داليا من الحفاظ على تفوقها الأكاديمي، لتصبح مثالاً يحتذى به على الجمع بين التعليم العالي والشغف الرياضي.
رسالة للفتيات الشابات
تؤكد داليا أن الرياضة النسائية ليست أقل جدية أو شراسة من أي منافسة أخرى، وأن دعم الرياضة النسائية هو دعم للفتيات اللواتي يحتجن إلى قدوات. تقول:
> "لا تصغّر نفسكِ، ولا تنتظر إذنًا. إذا أحببتِ الرياضة، اذهبي خلفها بكل قوة. هويتك ليست عائقًا، بل مصدر قوتك."
خلاصة
رحلة داليا عمارة مليئة بالإصرار والتحديات والنجاح، من طفلة عادية في شبرا الخيمة إلى طالبة أمريكية ناجحة، ولاعبة تجديف متميزة، وحاملة رسالة قوية لكل الفتيات حول العالم: الحلم ممكن، والإرادة تصنع المستحيل، والهوية هي القوة الحقيقية التي تدفعك للأمام.










