حكاية بطل أولمبي.. سارة سمير صنعت المجد رغم العواصف
فور ذكر اسم سارة سمير، يتجسد أمامنا نموذج نادر للبطلة التي واجهت الصعاب مبكرًا، ورفعت الأثقال كما رفعت اسم مصر عاليًا في المحافل الدولية. فهي ليست مجرد ربّاعة حصدت الميداليات، بل قصة كفاح لفتاة خرجت من قرية ريفية صغيرة لتصبح واحدة من أهم أيقونات رفع الأثقال النسائية في تاريخ الرياضة المصرية.
في هذا التقرير تروي بوابة روزاليوسف حكاية سارة سمير منذ البدايات وحتى معارك العودة بعد الإيقاف، في رحلة لم تخلُ من المجد والانكسار.
من قرية الهوانية إلى حلم العالمية
وُلدت سارة سمير عام 1998 في قرية الهوانية التابعة لمحافظة الإسماعيلية، داخل أسرة ريفية بسيطة لكنها مشبعة بروح الرياضة.
كان والدها يمارس رفع الأثقال، وشقيقها الأكبر محمد مدربًا للعبة، ما جعل الرياضة جزءًا طبيعيًا من تفاصيل حياتها اليومية.
منذ طفولتها، راود سارة حلم أن تصبح بطلة عالمية، وهذا الحلم لم يُقابل بالاستهجان، بل بالتشجيع الكامل من أسرتها، خصوصًا والدها ووالدتها وأشقائها، الذين شكلوا السند الحقيقي في بداية الطريق.
البداية المبكرة واكتشاف الشغف
كانت سارة تحرص على مرافقة شقيقها الأكبر إلى التدريبات، وهناك، وسط الحديد والأوزان الثقيلة، اكتشفت شغفها الحقيقي.
لم تتجاوز سنها 11 عامًا حين بدأت ممارسة رفع الأثقال فعليًا، وسرعان ما أظهرت تفوقًا لافتًا، بفضل التزامها ودعم مدربيها.
وتدين سارة بالفضل الكبير إلى عدة أشخاص، هم:
• والدها ووالدتها
• أشقاؤها
• العقيد إبراهيم الخولي، مدربها وصاحب الدور الأبرز في صقل موهبتها
لماذا رفـع الأثقال؟
رغم كونها لعبة شاقة وعنيفة مقارنة برياضات أخرى، فإن حب سارة لرفع الأثقال جاء بتأثير مباشر من شقيقها الأكبر محمد، الذي جعلها تميل لهذا النوع من الرياضات القائمة على القوة والانضباط الذهني، فاختارت طريقًا صعبًا، لكنها كانت مؤهلة له نفسيًا وبدنيًا.
التفوق المبكر وبطولات الناشئين
تم إعداد سارة لسنوات داخل نادي المؤسسة العسكرية بالإسماعيلية، وبدأت النتائج في الظهور مبكرًا.
وخلال مشاركاتها الأولى في البطولات الإفريقية، حققت إنجازًا لافتًا بحصد 6 ميداليات ذهبية دفعة واحدة في بطولات رفع الأثقال للناشئين والناشئات تحت 17 و20 سنة.
ثم جاء التتويج الأهم في تلك المرحلة وهو ذهبية أولمبياد الشباب بالصين 2014 في وزن 63 كجم، وهذا الإنجاز وضع اسمها ضمن أفضل الرباعات الشابات عالميًا.
أولمبياد ريو 2016.. بداية المجد الأولمبي
في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، شاركت سارة في وزن 69 كجم، وقدمت أداءً قويًا:
• 112 كجم في الخطف
• 143 كجم في النتر
• مجموع 255 كجم
بهذه الأرقام، حصدت الميدالية البرونزية الأولمبية، لتصبح واحدة من أصغر الرباعات المصريات اللاتي يصعدن منصة التتويج الأولمبي.
منصات العالم.. صراع الكبار
واصلت سارة تألقها عالميًا، وتوجت بثلاث ميداليات في بطولة العالم بعشق آباد – تركمنستان ضمن منافسات وزن 71 كجم:
• فضيتان
• برونزية
حصدت برونزية الخطف بعد رفع 111 كجم، بفارق كيلو واحد فقط عن الفضية، و4 كجم عن الذهب، وفي النتر، أحرزت فضية برفع 141 كجم، بينما بلغ مجموعها 252 كجم لتحصد فضية المجموع، في منافسة شرسة مع البطلة الصينية المخضرمة.
الهيمنة الإفريقية
أكدت سارة تفوقها القاري بتتويجها في دورة الألعاب الإفريقية بالمغرب بوزن 76 كجم، حيث حصدت:
• ذهبية الخطف (105 كجم)
• ذهبية الكلين (123 كجم)
• ذهبية المجموع (238 كجم)
وأضافت إلى سجلها:
• 3 ذهبيات في بطولة إفريقيا
• أرقام قياسية جديدة في الخطف (112 كجم) والكلين (145 كجم)
أزمة الإيقاف.. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
رغم المسيرة الذهبية، جاءت الضربة القاسية حين أعلن الاتحاد الدولي لرفع الأثقال إيقاف الاتحاد المصري، بسبب ثبوت تعاطي منشطات لعدد من اللاعبين في بطولات قارية.
وبناءً على ذلك، حُرم لاعبو مصر من المشاركة في أولمبياد طوكيو 2020، وكانت سارة ضمن الخماسي الذي ظهرت له عينات إيجابية، إلى جانب سمر حبشي وسلمى فرج وعبد الرحمن سيد ومصطفى منصور.
توقفت المسيرة قسرًا، وغابت البطلة عن أكبر حلم أولمبي، في واحدة من أصعب مراحل حياتها الرياضية.
العودة بعد العاصفة
مع انتهاء فترة الإيقاف، توحدت الإرادة داخل معسكر رفع الأثقال المصري من أجل فتح صفحة جديدة، وكان هدف سارة واضحًا: العودة أقوى من السابق، والاستعداد للتأهل إلى أولمبياد باريس 2024.
بدأت التدريب بجدية منذ اللحظة الأولى، لكن العقبات لم تتوقف، إذ حُرمت من المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط بعد قرار اللجنة المنظمة إلغاء أوزان 81 كجم وفوق 81 كجم، ما حرمها من المنافسة.
ورغم ذلك، لم تفقد سارة تركيزها، وواصلت الاستعداد البدني والفني، مؤمنة بأن البطلة الحقيقية تُقاس بقدرتها على النهوض بعد السقوط.
سارة سمير.. بطلة تحدت المجتمع
قصة سارة سمير ليست مجرد سجل ميداليات، بل رحلة إنسانية لبطلة تحدت المجتمع، وصعوبة اللعبة، وضغوط المنافسة، وحتى أقسى الأزمات.
من قرية ريفية بسيطة إلى منصة التتويج الأولمبية، ومن الإيقاف القاسي إلى حلم العودة، تظل سارة رمزًا للإصرار والقوة، واسمًا لا يمكن تجاوزه في تاريخ رفع الأثقال المصرية.



