السبت 21 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أتابع بكل اهتمام الملاحظات العلمية بشأن الثقافة الرقمية، وهي ملاحظات تتوافق مع شكوك متصلة وفرضيات معرفية فكرت فيها كثيراً ولكني لم أملك الإمكانات المؤسسية لإجراء أبحاث موثقة بشأنها، إلا أنه في كل يوم تؤكد الدراسات العلمية صحة تلك الشكوك والفرضيات التي دارت بعقلي مراراً وتكراراً.

 

وبملاحظة تطور علم الأعصاب الثقافي في اتجاه تراكمي واضح حتى أصبح القياس الأكثر مقدرة على دق أجراس الخطر تجاه التأثير السلبي للاستخدام المفرط للثقافة الرقمية.

 

إذ نشرت جريدة "الديلي ميل" البريطانية تقريراً طيرته وكالات الأنباء حول العالم في الحادي عشر من فبراير الجاري 2026.

 

والتقرير هو نتائج دراسة أجراها رجل التعليم وعالم الأعصاب الأمريكي جاريد كوني هورفاث، وقد جاء في التقرير أفادته أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن دراسة حول ذكاء جيل “Z” زد، وذلك أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل.

 

وإذ لاحظ انخفاض معدل ذكاء هذا الجيل بالمقارنة بالجيل السابق جيل الآباء، والإشارة تعود لدراسة تأسست على معايير مراقبة الانتباه والذاكرة والقراءة والرياضيات، بالإضافة إلى مهارات حل المشكلات ومعدل الذكاء العام.

 

هذا وقد أرجع هورفاث السبب إلى ما أسماه التكنولوجيا التعليمية التي يسعى العالم المعاصر للتوسع فيها اعتماداً على التعليم عن بعد واللقاء عن بعد والاجتماع عن بعد والاختزال في كل الأمور حتى في حروف اللغات المتعددة الحية، والسعي لصنع دوال لها مدلولات عالمية الطابع ذات قدرات معرفية منخفضة وحدود ضيقة للمعنى.

 

وقد أكد في دراسة أن الدماغ البشري لم يبرمج أبداً على التعلم من مقاطع فيديو قصيرة تبث عبر الإنترنت، أو قراءة جمل موجزة تلخص كتباً معمقة وأفكاراً معقدة.

 

مما يؤكد صحة الفهم والاعتقاد بأن البشر تطوروا عبر العلم المباشر، من خلال التفاعل البشري الحقيقي، وذلك وجهاً لوجه مع الأقران والزملاء والمعلمين في كل المجالات.

 

والأمر كما أوضح لا يتعلق بتحسين التطبيقات أو تعميقها، ذلك أن مجموعته العلمية قد رأت أن التكنولوجيا الرقمية ذاتها في عملية التعليم وصناعة الثقافة والوعي لا تتوافق مع طريقة عمل أدمغتنا ونموها واحتفاظها بالمعلومات بشكل طبيعي.

 

إذ لا يزال الخبير الأمريكي هورفاث يواصل أبحاثه في مؤسسته التي يديرها وتدعى مؤسسة LME Global.

 

ووفقاً للمجموعة المؤسسية التي تعمل على أبحاث الذكاء ومعدلاته وأبحاث الدماغ والسلوك على الأفراد المنتظمين في عدد من المدارس والجامعات والشركات، فقد أظهرت نتائج فحص البيانات أن القدرات المعرفية بدأت تستقر، بل تتراجع، حوالي عام 2010.

وأقر هورفاث بشكل واضح بأنه: "إذا نظرنا إلى البيانات، فسنجد أنه بمجرد أن تتبنى الدول التكنولوجيا الرقمية على نطاق واسع في المدارس، ينخفض الأداء بشكل ملحوظ".

وقد أشار إلى أن بحثه قد شمل ثمانين دولة، وقد لاحظ اتجاهاً سلبياً ليس في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل تراجعاً تدريجياً مع ازدياد استخدام تكنولوجيا التعليم وتطبيقاته.

 

مما يؤكد نتائج بيانات التقييم الوطني للتقدم التعليمي في أمريكا، والتي لاحظت أنه كلما طبقت الولايات برامج واسعة النطاق لتوفير جهاز لكل طالب، أي أن كل طالب يحصل على جهازه الخاص، غالباً ما استقرت الدرجات أو انخفضت بسرعة، وإذا تأملنا بطريقة ذات صلة المخاطر الأخرى للثقافة الرقمية أمكننا أن نلاحظ حجم الفزع من هذا العالم الساحر العجيب الذي أصبح لا يمكن الاستغناء عنه.

 

مما يؤكد حقاً أن الأجهزة اللوحية كما هي وسيلة لربط التعليم والثقافة بالأطفال والمراهقين في عالم معاصر هو قرية رقمية كبيرة واحدة، فإنها أيضاً جزء من المشكلة المعرفية المتفاقمة، ناهيك عن الأضرار ذات الصلة بالقدرة على الاشتراك في الأعمال الجماعية، والذكاء العاطفي وتحمل المشاق والعمل الابتكاري التراكمي الشاق، وغياب المقدرة على تقبل الواقع وفهمه والعمل على حل مشكلاته.

 

عالم معقد جداً متناقض يدعونا إلى التأمل والتأني والحذر في التأمل مع الثقافة الرقمية بالتأكيد، لكن تبقى لي ملاحظة حول جيل زد "Z" من خلال عملي المهني الاحترافي في الإخراج المسرحي وعملي كأستاذ محاضر، إذ لاحظت عدم احتمال هذا الجيل للعمل الشاق إلا نادراً، وانزعاجه من المقدرة على الانسجام داخل العمل الجماعي الواقعي، وهي مسألة تحتاج لمزيد من التأمل.

تم نسخ الرابط