بلغ الملك أمر النبي يوسف وتفسيره للأحلام وهو في السجن، وذلك بعد أن رأى الملك حلماً لم يجد له تفسيراً مع اعتقاده بأهمية ذلك الحلم، الملك طلب النبي يوسف الذي رفض الخروج من السجن، إلا بعد أن تثبت براءته باعتراف النساء بما فعلنه به: (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) يوسف 50، ولم يكشف حقيقة الأمر للملك، واكتفى بالإشارة إلى كيدهن وتقطيع أيديهن.
والتعبير عن كيد النساء جاء ثلاث مرات، مرة على لسان الشاهد: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) يوسف 28، وهو تعبير عن موقف محدد وليس تقريراً من الله تعالى عن المرأة، والثانية على لسان النبي يوسف: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) يوسف 33، والثالثة على لسان النبي يوسف أيضاً: (إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) يوسف 50، في إشارة للملك للتحقيق في حادثة مؤامرة النساء، ولم يأتي كتقرير من الله تعالى عن حقيقة ثابتة خاصة بالمرأة.
وأمام الملك اعترفن بأن ما يعرفنه عن يوسف هو رفضه للسوء: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) يوسف 51.
واعترفت امرأة العزيز بأن الحقيقة سوف تظهر، وأنها هي التي حاولت إغراءه، وأنها ترجو مغفرة ورحمة الله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَحِيمٌ) يوسف 53، والتحول في حالها سببه الإيمان بالله تعالى.
وتمثل امرأة العزيز نموذجاً للمرأة المشغولة برغباتها التي فتنها يوسف بجماله فحاولت إغراءه بأنوثتها، إلا أنها تمتلك شجاعة الاعتراف بالحق على ما قدمت من ذنوب وقامت بتبرئة يوسف، وتحولت من الانشغال بالرغبات إلى الإخلاص في الإيمان.
والقصة مملؤة بالمشاعر والمواقف الإنسانية، وتجعل كل منا يرى نفسه وغيره فيها، سواء كان مؤمناً، أو حاكماً، أو امرأة عاشقة، أو والدًا فقد ابنه، أو مسجونًا مظلوماً، أو أخاً حاسداً لأخيه، وتتحول الشخصيات التاريخية إلى شخصيات إنسانية حية تعيش معنا ونتعامل معها.
فالمشاعر الإنسانية والصراعات النفسية تجعل قصة النبي يوسف قابلة لتكرار أحداثها في كل زمان ومكان، وفي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) يوسف21، حدث ذلك مرتين، عندما خرج من الجب إلى بيت عزيز مصر، وتتكرر نفس العبارة في الآية 56، عندما خرج من السجن ليصبح عزيز مصر، وفي المرتين تكون العبرة في تعرضه للمحنة وصبره، فيكون جزاؤه التمكين في الأرض.
وتتشابه المواقف في حياة النبي يوسف، إخوته ألقوا به في الجب، وامرأة العزيز ألقت به في السجن، وكان الحلم الأول له مقدمة للمتاعب من إخوته، وكانت أحلام الساقي والخباز والملك مقدمة لخلاصه من امرأة العزيز.
والتأكيد على العبرة بسبب تتابع الأحداث، فيتم التنبيه على أن القصة ليست للتسلية وإنما للعظة والتعلم، وفي ختام السورة يؤكد تعالى على العبرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ) يوسف 111، ولعل ذلك من أسباب ذكر أحداث سيرة النبي يوسف عليه السلام مرة واحدة في سورة كاملة هي سورة يوسف.



