الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في القرآن الكريم تأتي كلمة الوالدة بمعنى التي حملت ووضعت، وكلمة الأم وهي بمعنى التي قامت بالرضاعة والتربية، والإنسان يمكن أن يكون له أكثر من أم، أم والدة وأخرى أم مربية، وقد تجتمعان في امرأة واحدة والدة وهي نفسها الأم، ولأنه من الفطرة عدم الزواج بالوالدة لذلك جاء تحريم الزواج مرتبطاً بالأم: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) النساء 23، واعتبار المرضعة أماً مع أنها ليست والدة ووضعها مع محارم الزواج: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ) النساء23، وكذلك زوجات النبي: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب 6، فزوجاته عليه الصلاة والسلام باعتبارهن أمهات المؤمنين فقد دخلن ضمن محارم الزواج: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) الأحزاب 53.

 

فمن الناحية المادية لا بد للمولود من والدة، ومن ناحية التربية والرعاية لا بد له من أم: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) طه 38، فأم موسى كانت والدة بالولادة، وأماً بالرضاعة والرعاية، وكذلك امرأة فرعون كانت له أماً بالتربية.

 

حمل النيل الصندوق الموجود به موسى إلى قصر فرعون: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) القصص 8، ويصل الطفل إلى زوجة فرعون والتي جاء في الروايات التاريخية أنها لم يكن لديها أولاد: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص9.

 

وكلمة قرة جاءت في القرآن ثلاث مرات، مرتين بالتاء المقفولة تعبيراً عن وعد بأمنيات لم تتحقق بعد: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) السجدة 17، ومرة واحدة بالتاء المفتوحة تعبيراً عن أمنية تحققت: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى)، فزوجة فرعون وجدت طفلاً ليس له أهل مما يجعلها تتبناه ويتحقق لها ما تريد.

 

وقد ألقى تعالى المحبة في قلبها فطلبت من زوجها الفرعون أن يستبقى موسى الطفل من بين كل الأطفال الذين يقتلهم ممن يولدون من بنى إسرائيل في تلك الفترة، وبدون أن يشعر فرعون أصبح هو القائم على حماية موسى، وأصبحت آسية أماً بديلة لموسى، ليتحقق ما كان فرعون وجنوده يخافون أن يحدث ولكن لا يمنع حذر من قدر: (وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) القصص 6.

 

وبدأت نبوة موسى عليه السلام: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) القصص 30، فأخبره تعالى بأنه رسول مبعوث إلى بني إسرائيل ليخرجهم من مصر ويخلصهم من ظلم فرعون وبطشه، كما أنه مرسل إلى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية.

 

وطلب النبي موسى عليه السلام من الله أن يدعمه بأخيه هارون، فأجابه تعالى إلى طلبه وجعل أخاه هارون نبياً مرسلاً معه إلى فرعون وهو في غاية العتو والاستكبار ليدعواه للإيمان: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) طه 43-44، وفي ذلك توجيه بأن يكون الخطاب والدعوة بالرفق واللين من الكلام.

 

فرسالة النبي موسى عليه السلام لها هدفان، الأول إيماني والثاني سياسي، فكانت الرسالة الأولى أن يذهب لفرعون ويبلغه رسالة ربه، والرسالة الثانية إخراج بني إسرائيل من مصر إلى الأرض المقدسة: (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) طه 47، فبنو إسرائيل أحفاد أنبياء وكان يقع على عاتقهم قيادة البشر للتوحيد لأنهم أصحاب دين سماوي: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة 47.

 

عندما دعا النبي موسى عليه السلام إلى توحيد الله تعالى آمنت به الملكة وصدقته: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) التحريم 11، فقد أكدت في دعائها على طلبها القرب من رحمة الله وذلك بتقديمها لكلمة (عِنْدَكَ) على عبارة (بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ)، والتي حددت مكان القرب من الله.

 

لقد استقلت بإيمانها عن زوجها، وطلبها النجاة من فرعون وعمله حتى لا يشركها تعالى معه في العذاب، وكذلك تطلب النجاة من المصير المنتظر لقومها الذين اتبعوا فرعون في الكفر.

 

وجعل تعالى امرأة فرعون مثلاً للمؤمنين من الرجال والنساء، فهي توضح مدى مسؤولية الإنسان عن إيمانه الشخصي وبصرف النظر عن كفر وضلال من حوله من الناس، فمعرفة الفرق بين الحق والباطل تساعده في النجاة من العذاب في الدنيا والآخرة.

 

تم نسخ الرابط