كنت محظوظاً في حياتي الفنية فقد تتلمذت على يد الفنان بيكار منذ كنت طالباً بالمرحلة الثانوية بمدرسة مصر الجديدة الثانوية وأنا أراسله، وبعدها أصبحت من تلاميذه ومريديه بكلية الفنون الجميلة، وفيها اقتربت من الفنان مفيد جيد رئيس قسم الديكور الذي كان يريدني أن انضم للقسم عنده، وتعرفت عن طريقه برئيس قسم الهندسة، المهندس المعماري رمسيس ويصا واصف ومعاونه، الفنان شادي عبد السلام الذي تخرج في نفس الكلية قبلي بسنوات، وأصبحنا أصدقاء رغم فارق السن بيننا.
كنت أتردد كثيراً على مقر مكتب ومسكن شادي بالطابق الثامن في أحد عمارات 26 يوليو بوسط البلد وعلى مشارف شارع عماد الدين، لتبهرني مكتبته الفنية الضخمة، فقد أحاط الفنان نفسه بالكثير من مفردات وعناصر الحضارة المصرية، وكان يعيش عالماً خاصاً متنوعاً وثرياً، عمّقه بدراسات في الموسيقى والرسم والتصوير وتصميم الديكور، وكان مكتبه بوسط القاهرة، يمتلئ بالمراجع والكتب المصرية والأجنبية التي تتحدث عن حضارة المصريين القدماء، التي كان من فرط استغراقه فيها يريد أن يجعل ماضيه الفرعوني مطابقاً للمستقبل، يزدهر بقيم «العدالة والحق» التي كانت رسالته في فيلم «الفلاح الفصيح» والذي حصل بموجبه على عدة جوائز منها جائزة مهرجان فينيسيا الكبرى عام 1970 للأفلام القصيرة.
ذهبت لزيارته قبل سفري لبيروت "غربتي الأولى" وأنا اصطحب مسودات كتابي الأول في فن التصوير لنشره في لبنان ويحمل عنوان "الأنثى"، لجأت لرفوف العلم والمعرفة بمكتبته لأكمل ماينقص كتابي من صور عن للمرأة الفرعونيّة، وقتها كان شادي قد صور المرأة في فيلمه "المومياء" كرمز راسخ ومتجذر في التراث، تشبه إيزيس في مهابتها وحزنها. جسدها بأشكال متعددة، كالأم الحزينة الباكية الناعية لزوجها، أو المرأة القوية الصامتة التي تقاوم رياح الخماسين، مع دلالات بصرية تربطها بالأرض، والجبل تُصور الآم، تجلس بحزن مهيب يشبه الهرم، وفي تكوين بصري تأثرت هيئة المرأة عنده بتمثال "كاتمة الأسرار" لمحمود مختار، لتصبح أيقونة تشكيلية أكثر منها شخصية حوارية. تجسد المرأة عند شادي عبد السلام التراث، الحزن، والصلابة التاريخية، مرتبطة دائما بالهوية المصرية القديمة.
وللفيلم قصة روتها صديقته المقربة نادية لطفي، حكتها في مذكراتها للكاتب أيمن الحكيم صدرت فى كتاب يحمل اسمها "اسمي بولا.. نادية لطفي تحكي". لتقول: عندما تقدم شادي بمشروعه إلى مؤسسة السينما لإنتاجه قابله المسؤولون فيها بفتور، فلم يكن هو الفيلم الذي يجذبهم ويتحمسون له، فهو بمقاييسهم التجارية والفنية يفتقد للمشهيات التي تجذب الجمهور، فلا نجمة فاتنة تزغلل بصره بجسدها، ولا مجرم يطارده البوليس ولا كباريه تتلوى فيه راقصة وتطلق بين أعمدة الدخان الأزرق وكؤوس الويسكي، ضحكات ماجنة تثير خياله وتدغدغ حواسه».
لتكمل….."كنت متعاطفة إلى آخر المدى مع شادي عبدالسلام، انضممت إلى المومياء لإنقاذ الموقف، وأعطيت شادي ورقة موقعة منى تفيد موافقتي على المشاركة في الفيلم بدون أجر، وهو أمر لم يكن سهلا، وزاد من هذا التعاطف قناعته إلى حد اليقين بفيلمه، ولا أنسى المرات التى سمح لي فيها بحضور ورشة العمل التي أقامها في مكتبه بشارع 26 يوليو، وكنت أجلس بالساعات أتأمل في إعجاب هذا (الكاهن) العظيم وهو يعمل في صمت ودأب وحماس وكبرياء، وقد حول مكتبه إلى معبد مقدس يجلس بين تلاميذه ويتابع كل تفاصيل الفيلم الرسومات اللبس والديكورات، وحتى التماثيل التي ستظهر في الأحداث».
رحب المسؤولون بالمؤسسة، بإنتاج الفيلم رغم أن دور "زينة" الصعيدية الغامضة التى تلعبه نادية لطفي لا يزيد على خمس دقائق، ويضعها في تحد صعب، لا يتضمن كلمة حوار واحدة، بل فقط تعبيرات بعيونها وملامحها رغم أن الشخصية محورية، صعبة ومعقدة، رغم بساطتها الظاهريّة، وظهورها الخاطف كشهاب، ويضعها في تحد صعب، لا يتضمن كلمة حوار واحدة، بل كل تعبيرات بعيونها وملامحها، إلا أن التجربة استفزتها، وقررت التحدي والمغامرة، وتخوضها للنهاية مهما كانت الخسائر».
تحقق حلم شادي عبد السلام وظهر الفيلم، ليأتي عرضه الأول فى منتصف عام 1975، لكن فيلم المومياء قوبل بعاصفة من الغضب جماهيريا ونقديا واتهموه بالملل والتطويل والغموض، وإهدار المال العام، بل هناك من نصح شادى عبدالسلام جادا بأن يبحث عن مهنة أخرى غير الإخراج السينمائي، وبرغم العاصفة فإن شادي لم تهتز ثقته في نفسه وموهبته لحظة واحدة، و لم تخسر نادية لطفي رهانها على شادي وعبقريته وتفرد تجربته السينمائية الأولى، وكانت على يقين أن الفيلم سابق لعصره.
سافر الفيلم ليعرض في مهرجانات عالمية، فإذ بلجان التحكيم التي تضم سينمائيين لهم قيمتهم وتاريخهم يصفقون للفيلم، ويؤكدون أنهم أمام تحفة سينمائية تستحق التقدير والإعجاب.
وتكرر السيناريو في كل مهرجان ذهب إليه وبدأ المومياء يحصد الجوائز في أشهر مهرجانات الدنيا، وربما كان أهمها جائزة "جورج سادول" الممنوحة من الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية بباريس، عندها تحول هجوم النقاد عندنا إلى تصفيق والسخرية إلى إعجاب، والمقالات التي طالبت شادي بالاعتزال إلى شلالات تفيض بالحديث عن عبقريته الفذة، وهكذا بفيلم واحد دخل شادي عبدالسلام تاريخ السينما، واختير الفيلم في منتصف التسعينيات بمركز متقدم ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
إن حياة الإنسان لا يمكن أن تقرأ بكاملها، على ضوء الأعمال التي ينتجها، غير إنه من الممكن رسم ترجمة فنية وفكرية لهذا المسار الحياتي المتعدد، الذي يتميز به المخرج شادي عبد السلام.
مسار فني وفكري لحياة المخرج الفنان شادي عبد السلام بانجازاته الإبداعية ممثلاً للسينما المصرية والإبداعية ليقف إلى جانب "فيديريكو فيلّيني" في السينما الإيطالية، و"انجمار برجمان" ممثل السينما السويدية، و"روبير بريسون" الذي يعد روح السينما الفرنسية، و"أندري تاركوفسكي" رمز السينما السوفياتية.
وقد نال شادي عبد السلام هذه الهالة الفنية العالمية ليقف إلى جانب مبدعي الفن السابع فى العالم، بفيلم "المومياء"، هذا الفيلم الظاهرة الذي كان ولا يزال يُختار من أهم الأفلام العربية والعالمية في تاريخ السينما.
فى البداية، كان شادي يعشق السينما ومغرما بها، لكن منعته العادات والتقاليد الآسرية من دراستها، ولم يكن في وقته معهد لدراسة السينما في مصر، وبعد أن قضى الخدمة العسكرية، ورغم حصوله على درجة الامتياز عند تخرجه فلم تكن لديه الرغبة فى العمل كمهندس، وبدأ في التفكير بالعمل فى السينما ، فتحول بعد ذلك من هندسة العمارة إلى هندسة الديكور، في محاولة الاقتراب من منجزات شادي السينمائية.
لا يمكن أن نلتقط عمق البناء الفني وقوته وصلابته في أعمال شادي عبد السلام الوثائقية والروائية القصيرة والطويلة، من غير أن نأخذ بعين الاعتبار نبوغه مهندسا معماريا ومصمما للأثاث وللملابس.
فبعد دراسته الجامعية بمصر وإنجلترا، بدأ حياته الفنية مهندس أثاث في عدة أفلام أجنبية، صورت في مصر وخارجها، كما صمم الأثاث والملابس في عدد من الأفلام المصرية، كان لها نجاح كبير على مستوى الوطن العربي، من أهمه، فيلم "الناصر صلاح الدين" بعظمته وخلوده اللذين يأتيان من مناخات هندسة الأثاث، وقوة التكوين، وضبط الإيقاع المرئي، الذي أعطى للبطل صلاح الدين (الممثل أحمد مظهر) مجده وهيبته وقدسيته المحررة.
في "بين القصرين" للمخرج حسن الإمام، وبالمثل الممثلة نبيلة عبيد في مشهد من فيلم "رابعة العدوية"، للمخرج نيازى مصطفى ثم إن بناء شخصية سي السيد في فيلم "بين القصرين"، وترسيخها في المتخيَّل الجمعي للمجتمع لعربي، جاءت من التماثل بين اللباس والأثاث والزينة والتفاصيل، التي تؤثث الفضاءات والأجواء، التي يتحرك فيها صلاح عبد الجواد صاحب السلطة الأولى والأخيرة، و بطريقةّ كلمات أغنية نانسي عجرم "يا سي السيد، ده الحب السيد وإحنا ملك إيديك".
بعد المومياء قام عبدالسلام بإخراج شكاوى "الفلاح الفصيح"، وهو فيلم قصير استوحى فكرته من بردية فرعونية عمرها أربعة آلاف سنة، تتناول قصة قصيرة عن موضوع العدالة، قصة فلاح يستصرخ السلطة لتسترد له حقه وتقيم ميزان العدل، وليس فقط مجرد اللجوء إلى التاريخ أو الوقوع في غرامه.
فلا شك أن التاريخ أخذ اهتماما كبيرا من شادي، فما إن فرغ من هذا الفيلم، حتى وجد نفسه يتجه ناحية الحلم، في فيلم.
إخناتون الذي كتبه وصممه ورسم مشاهده على الكرتون لقطة بلقطة، وعاش سنوات طويلة يعمل عليه، ثم سنوات يبحث عمن ينتجه، ولكن كانت مؤسسة السينما قد انتهت.. بل لم يدر شادي وقتها أن السينما الحقيقية أيضا قد انتهت.
عين شادي عبدالسلام بوزارة الثقافة، وقام بإخراج أربعة أفلام تسجيلية قصيرة، بدأها مباشرة بعد استلامه لرئاسة مركز الفيلم التجريبي التابع لهيئة السينما، وهي آفاق.. وهو نموذج لأوجه النشاط الثقافي المختلف في مصر، وفيلم جيوش الشمس 1976 ويتناول العبور وحرب أكتوبر ،73 ثم فيلم عن إحدى القرى الصغيرة التي تقع بالقرب من معبد ادفو الفرعوني في أسوان. كذلك قام بعمل فيلم مدته ثلاث دقائق ونصف عن ترميم واجهة بنك مصر.
وفي الفترة التي ابتعد فيها شادي عبدالسلام عن إخراج الفيلم الروائي الطويل، كان كل تفكيره وبحثه منصبّاً على إيجاد منتج لفيلمه إخناتون. لذلك اعتقد الكثيرون أنه قد توقف عن العمل في السينما، خصوصًا عندما صرح لوكالات الأنباء بأنه قد يعتزل العمل السينمائي، وأنه سينصرف إلى تربية الدواجن. ولم يكن هذا التصريح إلا احتجاجا على واقع السينما المصرية، ولم يكن يدري بالفعل أن سخريته باللجوء إلى تربية الدواجن، ستكون هي حال السينما الواقعي فيما بعد!!
لكن الفنان المبدع الأصيل لا يستسلم ، فعاد وفي جعبته عدة مشاريع لأفلام تنتمي إلى الفيلم التعليمي، والذي يسعى من خلاله في مخاطبة العائلة المصرية عبر التليفزيون.
فمنذ أن بدأ العمل في السينما، كانت تسيطر عليه قضية مهمة وهي التاريخ الغائب أو المفقود. فقد كان دائما يقول: إن الناس الذين نراهم في الشوارع والبيوت والمزارع والمصانع، هؤلاء لهم تاريخ، فقد أسهموا يومًا في تشكيل الحياة البشرية وصناعتها كلها، كيف نعيدهم ليقوموا بالدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في صنع الحياة والتقدم؟! ولا بد أولاً أن يعرفوا من هم، وماذا كانوا، وماذا قدموا، لابد أن تصل بين الإنسان الواقع والإنسان التاريخ، لتقدم ورقي إنسان بكره، هذه هي قضيتي.
بدأ شادي هذه المشاريع بفيلم الكرسي، الذي يسجل فيه بالكاميرا ترميم كرسي توت عنخ آمون ، بمزيج من التسجيلي والروائي، فقد أراد أن يقدم سلسلة من الأفلام التعليمية الثقافية، والتي لا تخلو من المتعة والتسلية في الوقت نفسه، منها فيلم عن رمسيس الثاني، وآخر عن بناة الأهرام، وثالث عن أول عاصمة موحدة في التاريخ الفرعوني "منف" أسسها الملك مينا.
وحلم في تقديم ماكبث أسطورة شكسبير الخالدة، برؤية خاصة من خلال تاريخ المماليك في مصر، كما سيطر عليه الطموح والآمال العريضة، والأحلام لعمل سينما حقيقية، سينما تكتشف عظمة الشعب المصري وتاريخه، إلا أن الأحلام والطموحات ماتت.. قبل أن يقتل المرض الخبيث الجسد الضعيف، ليرحل عن عالمنا في أكتوبر "تشرين الأول " 1986.
و.. بقيت مقتنياته وإبداعاته بمكتبة الإسكندرية فإن «مكتبة الإسكندرية لديها نسخة مرممة من فيلم «المومياء»، وتعرض بشكل دائم مع العديد من أفلامه في قاعة «آفاق» بالمكتبة، وهي التي أخذت اسمها من أحد أفلام شادي عبد السلام الذي أخرجه عام 1972.
وتضم أكثر من 700 قطعة تخص المخرج الراحل، تمثل مجمل أعماله من تصميمات لمشاهد سينمائية وملابس وإكسسوارات، بعضها تم تنفيذه وبعضها لم يتم، ويضم المعرض بعض أدوات الرسم الخاصة به، وقطع أثاث كانت بمنزله قام بتصميمها بنفسه، وبعض مقتنياته الأخرى، ومكتبته الخاصة، منها ملابس «ونيس» بطل فيلم «المومياء» وشخصياته الرئيسية، أما فيلم «إخناتون... مأساة البيت الكبير»، فهناك لوحات عديدة منها ما يظهر شخصية «إخناتون» و«حور محب»، وهناك أيضاً بعض اللقطات التي تعبر عن طفولة شادي منها صورة له بصحبة أخته مهيبة عبد السلام، ولقطات يظهر في بعضها مع شخصيات مصرية وعالمية، منها الفنانة نادية لطفي، وصديقه الفنان صلاح مرعي، ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، والمخرج الإيطالي الشهير روبرتو روسيللني، وأحمد مرعي، وقت تصوير فيلم «المومياء»، وصور له مع زملائه أثناء فترة تجنيده، وأخرى وهو يشارك في مهرجانات سينمائية عالمية.
ويضم المعرض 39 لوحة من مقتنيات شادي عبد السلام، صور ولوحات أصلية واسكتشات لملابس شخصيات تاريخية، صممها لشجرة الدر والسلطان أيبك، وقطز، والعلماء والعامة في فيلم «وا إسلاماه»، إخراج الأميركي أندرو مارتون، وشخصيات فيلم «أمير الدهاء» لهنري بركات، كما تعرض رسومات فيلمه القصير «الفلاح الفصيح»، بجانب فيلم «إخناتون» الذي صمم مشاهده، لكن لم يمهله القدر لتقديمه، وليفارفنا في السادسة والخمسين من عمره.



