مفاجأة: قانون الأحوال الشخصية لم يعرض على الأزهر
فى توقيت تتسارع فيه مناقشات تعديل قانون الأحوال الشخصية داخل البرلمان، يبرز موقف الأزهر الشريف باعتباره أحد أهم الفاعلين فى صياغة القانون، ليس فقط من زاوية دينية، بل أيضًا باعتباره مرجعية دستورية فى قضايا الشريعة.
منذ سنوات، يؤكد الأزهر أنه معنيّ مباشرة بإعداد قانون الأحوال الشخصية، استنادًا إلى اختصاصه الشرعي؛ وقد قام بالفعل بإعداد مشروع قانون متكامل عبر هيئة كبار العلماء بمشاركة متخصصين فى قضايا الأسرة والمرأة والطفل منذ عام 2019.. حيث شمل المشروع عددا من المقترحات لتعديل قانون الأحوال الشخصية شملت تجريم الزواج السرى، وعدم عقد قران البنت قبل 18 عاما، وأحقية المرأة فى النفقة، ووجوب إنفاق الرجل على أسرته، وتوثيق عقود الزواج، وللفتاة حق اختيار من تريد الزواج به، ووضع شروط لتعدد الزوجات، وتحديد 15 عاما مدة حضانة الأم لطفلها، وتحديد ضوابط لفسخ الخطبة تتضمن حصول الفتاة على الشبكة إذا كان الفسخ من جانب الشاب، وتردها إذا كانت من جانبها»، وأن للمرأة نصف المهر حال عقد الزواج بعد عقد القران، ولها أن ترد نصفه طواعية.
مقترحات هيئة كبار العلماء حددت شروطا لتعدد الزوجات اعتمدت على ضرورة احتياج الزوج للزواج الثانى، وقدرته على تحقيق العدالة بين زوجاته.. كما راعت المقترحات مصلحة المرأة فقرر وجوب تسجيل عقود الزواج تحقيقا لمصلحة المرأة لكنه لم يقل بأن الزواج غير الموثق زنا.
وكان شيخ الأزهر منذ بداية العمل على مشروع قانون الأحوال الشخصية؛ شدد على ضرورة أن يعالج القانون مشكلات الأسرة، وأن يراعى حصول المرأة على كافة حقوقها، وأن يضمن رعاية جيدة للأطفال، وتحديد الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق بما لا يظلم الطرفين، مع التقيد بالأصول والثوابت الشرعية، كما يؤكد الأزهر على أن أمور الأسرة من الأولويات التى لا تقبل التأخير أو التأجيل فى مناقشتها، انطلاقًا من كون الأسرة والطفل هما اللبنة لبناء مجتمع سليم.
ثلاثة مبادئ تحكم رؤية الأزهر
وحول موقف الأزهر الحالي؛ كشفت مصادر مطلعة داخل الأزهر الشريف أن المؤسسة لم تتلقَّ حتى الآن أى مقترحات رسمية نهائية بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية، رغم ما يُثار من نقاشات مجتمعية وإعلامية حول بنود القانون المرتقب.
وأكدت المصادر لمجلة «روزاليوسف»؛ أن الأزهر يتبنى رؤية واضحة تقوم على أن إصلاح قانون الأحوال الشخصية يجب أن يتم من خلال قانون متكامل، لا مجرد تعديلات جزئية متفرقة، بما يحقق العدالة ويضمن استقرار الأسرة المصرية.
وينطلق الأزهر فى رؤيته لقانون الأحوال الشخصية من 3 مرتكزات أساسية: أولها مصلحة الطفل؛ حيث يضع الأزهر حماية الطفل فى مقدمة أولوياته، مع التأكيد على ضرورة توفير الأمان النفسى والاجتماعى له، بما يضمن تنشئة مستقرة بعيدًا عن النزاعات الأسرية.
ثانى منطلقات الأزهر؛ التوازن بين الأب والأم؛ بما يحقق العدالة بين الطرفين دون انحياز، خاصة فى القضايا الأكثر حساسية مثل: الحضانة، الرؤية، النفقة.
المنطلق الثالث المعد مسبقا للأزهر؛ هو تقليل النزاعات الأسرية.. حيث يتجه الأزهر إلى وضع آليات تحدّ من الخلافات بعد الطلاق، عبرتطوير نظام الرؤية، وتنظيم العلاقة بين الوالدين بصورة أكثر مرونة.
تحفظات أزهرية
ورغم هذه الرؤية المتكاملة، أبدى عدد من علماء الأزهر تحفظات واضحة على بعض المقترحات المتداولة المطروحة فى تعديلات قانون الأحوال الشخصية، معتبرين أنها قد تمس استقرار الأسرة.
«المقترحات الهدامة»
ومن جانبه حذّر الدكتور عبدالمنعم فؤاد، المشرف العام على الأروقة العلمية بـالأزهر الشريف، مما وصفه بـ«المقترحات الهدامة»؛ التى تُطرح مؤخرًا لتعديل قانون الأحوال الشخصية، مؤكدًا أنها تمثل خطرًا مباشرًا على استقرار الأسرة المصرية.
وقال فؤاد: إن بعض الأطروحات المتداولة، مثل فكرة إخضاع الزواج لفترة «تجربة» تمتد لستة أشهر يمكن بعدها فسخ العقد إذا لم يحقق الزوج ما تراه الزوجة مناسبًا، تُعد «تصورات غير منضبطة» ولا تليق بطبيعة عقد الزواج فى الشريعة الإسلامية.
وأوضح أن هذه المقترحات «لا تسهم فى البناء، بل تفتح الباب لهدم كيان الأسرة»، مشددًا على أن تنظيم العلاقات الأسرية – من نفقة، ومعاشرة بالمعروف، وسكن، ومتعة، وتسريح بإحسان، وحضانة – ليس اجتهادًا بشريًا قابلًا للعبث، بل هو «تشريع ربانى مستقر» تعارف عليه المسلمون منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم.
وأضاف: إن إدخال أفكار دخيلة على منظومة الأسرة، أو استيراد نماذج قانونية من خارج البيئة الثقافية والدينية للمجتمع المصرى، يمثل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار المجتمعى، مؤكدًا أن أى طرح يخالف الشريعة الإسلامية «يتعارض مع الدستور المصرى الذى ينص على أن مبادئ الشريعة هى المصدر الرئيسى للتشريع».
ودعا فؤاد؛ إلى ضرورة الالتزام بالمنهج الشرعى فى تنظيم شئون الأسرة، محذرًا من الانسياق وراء ما وصفه بـ«الطرح الثقافى المستورد» الذى لا يتسق مع القيم الدينية والاجتماعية، مؤكدًا أن الزواج فى الإسلام «قائم على السكن والمودة والرحمة، وليس مجالًا للتجارب أو العلاقات المؤقتة».
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحفاظ على تماسك الأسرة هو الضمان الحقيقى لاستقرار المجتمع، داعيًا إلى «تحمل المسئولية فى صياغة القوانين بما يحفظ القيم ويصون البيوت».
خطر على الأسرة
وفى السياق ذاته، حذّر الدكتور عباس شومان، فى تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، من التوسع فى الأسباب التى يُفسخ بها عقد الزواج، مؤكدًا أن ذلك «قد يُستغل لهدم الأسر بدلًا من الحفاظ عليها».
وأوضح شومان أن الأولى هو قصر فسخ الزواج على «العيوب التى تخل بالحقوق الأساسية»، كما قررها الفقهاء، بما يحقق التوازن بين حماية الأسرة ومنع التعسف فى إنهاء العلاقة الزوجية.
وأضاف: إن جعل الطلاق بيد الزوج فى الشريعة الإسلامية «لم يكن تفضيلًا للرجل على المرأة»، وإنما جاء مراعاة لطبيعة التكوين العاطفى، مشيرًا إلى أن عاطفة المرأة قد تدفعها أحيانًا لاتخاذ قرار بالطلاق رغم عدم رغبتها الحقيقية فيه.
وأكد أن التوسع فى منح حق الفسخ؛ قد ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة، وقد يضر بالمرأة نفسها إذا لم يكن منضبطًا بضوابط شرعية واضحة.
آراء علماء الأزهر تعكس موقفًا أزهريًا متماسكًا يقوم على: رفض التعديلات الجزئية غير المدروسة.. والتمسك بالمرجعية الشرعية.. والسعى لإصدار قانون متكامل يحقق الاستقرار الأسري.. ففى وقت تتزايد فيه الدعوات لتعديل القانون، يبقى التحدى فى الوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



