رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل ما زال مونديال كأس العالم لكرة القدم بطولة رياضية خالصة، أم أنه أصبح ساحة سياسية تعكس الصراعات الدولية وتوازنات القوى العالمية؟ وهل فقد الاتحاد الدولى لكرة القدم قدرته على حماية مبدأ حياد الرياضة، الذى كثيرا ما صدعنا به؟، أسئلة تطرح نفسها بقوة ،خاصة فى المونديال الحالى، بعد أن كان من المفترض أن تبقى المنافسة داخل الملعب، حتى تظل كرة القدم جسرًا للتقارب بين الشعوب، مثلما سبق أن كانت رياضة تنس الطاولة وسيلة التقارب الأكثر فاعلية فيما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. لكن النسخة الحالية التى تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أثبتت أن هذا الحلم أصبح أكثر صعوبة من أى وقت مضى، بعدما تسللت السياسة إلى البطولة ليس من بوابة التصريحات، وإنما عبر قرارات وإجراءات كان لها تأثير مباشر على المنافسة نفسها.
 

 

والتى بفضلها تحولت مباريات هذا المونديال وبقدرة قادر إلى فرصة استثنائية لتحسين الصورة الذهنية، وتعزيز النفوذ، وإرسال رسائل سياسية بطريقة أكثر تأثيرًا من البيانات الرسمية. لذا لم تعد استضافة البطولة مجرد حدث رياضى، وإنما مشروع سياسى واستراتيجى ثم اقتصادى تسعى إليه الدول المنظمة لهذا الحدث. فلا تكاد تخلو بطولة من بطولات كأس العالم من جدل سياسي. فهناك بطولات تأثرت بالمقاطعات، وأخرى ارتبطت بالخلافات الدبلوماسية، وثالثة تحولت إلى منصة للحديث عن حقوق الإنسان أو الهجرة أو الحروب أو العقوبات الدولية. ولكن ما يحدث فى البطولة الحالية فاق الحد وتجاوز فى طريقة المستطيل الأخضر بكثير، وأثبت أن السياسة ألقت بظلالها بشدة لتحقيق أهداف معينة تتجاوز الرياضة. وأن حلم المنافسة الشريفة والحياد الرياضى الذى يطالبنا به الاتحاد الدولى للعبة بات بعيد المنال. بحيث لم يعد هناك من سبيل لفصل الرياضة عن عالم السياسة ودهاليزها. بعدما تسللت السياسة إلى البطولة وكان لها تأثير مباشر على المنافسة نفسها. رغم أن لوائح (الفيفا) تؤكد على ضرورة أن تبتعد كرة القدم عن التدخلات السياسية، إلا أن الوقائع على الأرض قدمت صورة مختلفة تمامًا. فلم يعد اللاعب أو الحكم أو المشجع يواجه منافسه داخل الملعب فقط، بل أصبح مطالبًا أيضًا بتجاوز عقبات السياسة وإجراءاتها، حتى قبل أن تنطلق صافرة البداية. ولعل ما حدث مع بعثة الفريق الإيرانى لخير دليل على ذلك. فقبل بداية البطولة تم رفض منح تأشيرة الدخول لـ 15 عضوًا من الجهاز الإدارى للمنتخب، بحجة أن مهام بعضهم ليس لها علاقة بالشأن الرياضى، مما اضطرت معه البعثة الإيرانية إلى نقل مقر إقامتها خلال البطولة من ولاية أريزونا الأمريكية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية بسبب تعقيدات الحصول على التأشيرات، مما اضطرها إلى خوض البطولة فى ظروف استثنائية فرضتها التوترات السياسية بين طهران وواشنطن.و جاءت واقعة استبعاد الحكم الصومالى (عمر عبد القادر أرتان) لتكشف جانبًا آخر من الأزمة. فالحكم، الذى اختاره «فيفا» بعد سنوات من التأهيل ليصبح أول حكم صومالى يشارك فى إدارة مباريات كأس العالم، لم يتمكن من أداء مهمته بعد منعه من دخول الولايات المتحدة.
 

بحجة ارتباطه بأشخاص يُشتبه فى صلتهم بمنظمات مصنفة إرهابية.
 


تداعيات البطولة وما نتج عنها من وقائع وأحداث، لم تتوقف عند منح التأشيرات من عدمها ،فقد نالت أيضا من لاعبين مثل منع لاعب غانا (توماس بارتي) من دخول كندا بحجة أنه متهم فى قضية اعتداء جنسى، وكذلك امتدت إلى الجماهير ووسائل الإعلام. فقد واجه عدد من المشجعين (كثير منهم أفارقة) والصحفيين من بعض الدول صعوبات فى الحصول على التأشيرات أو استكمال إجراءات السفر، وهو ما حرم البطولة من جزء من جمهورها الطبيعى، وأضعف أحد أهم مبادئ كأس العالم، وهو أن يكون ملتقى مفتوحًا لشعوب الأرض كافة.
 


كل هذه الوقائع التى تشهدها هذه البطولة فرضت الأسئلة المطروحة فى بداية المقال: هل ما زال كأس العالم بطولة رياضية خالصة، أم أنه أصبح ساحة تعكس الصراعات الدولية وتوازنات القوى العالمية؟ وهل فعلا فقد الفيفا قدرته على صون مبدأ الحياد الرياضي؟.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط