«أفغانستان لماذا»، «عصفور الشرق» و«القادسية»
أفلام منسية فى مشوار السندريلا
مع مرور الذكرى الـ25 على رحيل سعاد حسنى، لا تزال أفلام مثل «خلى بالك من زوزو» و«الكرنك» و«موعد على العشاء» حاضرة بقوة فى وجدان الجمهور، باعتبارها الأعمال التى صنعت أسطورة السندريلا، ورسخت اسمها بين أهم النجمات اللاتى تركن بصمة لا تمحى فى تاريخ السينما المصرية. لكن خلف هذه النجاحات الكبيرة، تقف أفلام أخرى أقل شهرة، ابتعدت عن الأضواء وغابت عن الشاشات، حتى بات كثير من الجمهور لا يعرف أنها كانت جزءًا من مشوارها الفنى رغم كونها محطات مهمة فى مسيرتها الفنية الحافلة.
نرصد هنا عددًا من هذه الأفلام، لنستعيد جانبًا منسيًا من تاريخ سعاد حسنى السينمائى، ونتوقف أمام أعمال لم تحظ بالانتشار الذى نالته أفلامها الأشهر.
1- أفغانستان.. لماذا؟ 1984
يعد من التجارب السينمائية شديدة الأهمية والسابقة لعصرها. الفيلم من إخراج المغربى «عبدالله المصباحى» وقد تغير عنوانه ليكون «أفغانستان.. الله وأعداؤه». الفيلم الذى قامت السندريلا ببطولته وأدت دور فتاة أفغانية ضم مجموعة من الفنانين العرب والأجانب منهم: «عبدالله غيث» فى دور عالم دين ومفكر، الأمريكى «شون كونرى» واليونانية «إيرين باباس» والمغربى «حميد بن مسعود».
وتدور أحداث الفيلم فى فترة الاحتلال السوفيتى لأفغانستان وتشير إلى المخطط الأمريكى لاحتلال أفغانستان عقب خروج القوات السوفيتية منها. ويقدم الفيلم العرب إما تابعين للغرب أو على حافة الزج بهم فى سجون جوانتنامو.
كما يقدم مشاهد عن حركة طالبان وأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. وقد صرح مخرج الفيلم لجريدة «الأهرام» عام 2013 «بأن الفيلم «منع» لأسباب كثيرة وكان هناك موقف سلبى من الدول العربية التى تخشى كشف الحقائق وأحيانا كانت تتدخل مخابرات بعض الدول لإيقاف التصوير وعلى رأسها المخابرات الروسية التى استخدمت كل السبل لمنع عرض الفيلم». وفى نفس التصريحات أكد المخرج وهو نفسه منتج الفيلم أن هذا الفيلم الذى ظل حبيسا لسنوات سوف يرى النور قريبا. توفى «عبدالله المصباحى» فى عام 2016 ولا أحد يعلم مصير الفيلم.
2 - القادسية 1981
بالرغم من وجود نسخة صالحة للعرض من هذا الفيلم إلا أنه نادرا ما يعرض. الفيلم إنتاج عراقى وأخرجه الرائع «صلاح أبو سيف» الذى كتب السيناريو أيضا عن قصة كتبها الراحل «محفوظ عبدالرحمن» مستعينًا فيها بمادة تاريخية لـ«على أحمد باكثير». الفيلم بطولة «سعاد حسنى»، «عزت العلايلى»، المغربى «حسن الجندى» ومجموعة كبيرة من الممثلين العراقيين على رأسهم «شذى سالم».
ويتناول وقائع معركة القادسية وهى التى انتصر فيها المسلمين وتمكنوا من فتح بلاد فارس. أسباب منع عرض الفيلم فى مصر تعود إلى إعتراض الأزهر الذى قدمت لجنة «مجمع البحوث الإسلامية» تقريرا مفصلا رفعته إلى الرقابة عند محاولة عرض الفيلم على هامش مهرجان الإسكندرية عام 2002 وجاء فى التقرير ما يلى: إن الفيلم «خرج على صورة لا تتفق وما أجمع عليه علماء المسلمين وما قرره مجمع البحوث الإسلامية من منع تمثيل شخصيات الـ 10المبشرين بالجنة وسعد بن أبى وقاص رضى الله عنه بطل هذه الملحمة واحد من هؤلاء العشرة، ورغم ذلك فقد مثل شخصيته الفنان عزت العلايلي. ووضعت اللجنة ملاحظات عدة بينها: كثرة العناق والقبل وعرى النساء فى حمامات السباحة، أيضًا فى حديث لبعض النساء فى معسكر المسلمين ما يوحى بأنهن خرجن للبحث عن فارس الأحلام لا الجهاد، وما هكذا كانت النساء المسلمات. كذلك هناك حوار يوحى بأن سعدًا خطب زوجة المثنى بن حارثة بعد وفاة زوجها وقبل اكتمال العدة بدعوى رعاية أسر الشهداء إلا أنه يكشف عن هدفه الحقيقى فى مشهد آخر يضيف إلى دعواه تلك اعجابه بها، بينما تصفه سلمى فى مشهد آخر عندما لطمها على خدها وقد ذكرت المثنى ابن حارثة وشجاعته بقولها: «أغيرةً وجبنًا» فهل يليق هذا بأحد العشرة المبشرين بالجنة؟.
كما يصور الفيلم سعد بن أبى وقاص بصورة غير لائقة، إذ يحاول احتضان سلمى بينما يتحسس وجهها ويديها فى دلال متبادل. ولا يحتج لذلك بأنها زوجته فليس كل ما يدور بين الرجل وزوجته بصالح للنشر والعرض على الجمهور.. هذا فضلًا عن عدم ظهور نطق «الواو» فى كلمة «وإن يكن» من قوله تعالى «يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا...» الآية 65 من سورة الانفال. لهذه الأسباب رأت اللجنة وجوب منع عرض هذا الفيلم على الجمهور فى كل موقع وبأية وسيلة».
المثير أن الفيلم أصبح متاحا للجميع الآن وبنسخة عالية الجودة على موقع اليوتيوب رغم المنع والاعتراض والهجوم.
3 – الناس والنيل
يُعد «الناس والنيل» أول إنتاج مصرى سوفيتى مشترك، لكنه واجه أزمات كبيرة تجاوزت مجرد تحديات التمويل. فالفيلم الذى تحمس له المخرج العالمى يوسف شاهين لم يكن النسخة الأولى من المشروع الفنى، إذ سبقه فيلم آخر حمل اسم «النيل والحياة».
ويرصد الفيلم لحظات تحويل مجرى نهر النيل، وكيف تفاعل الشعب المصرى مع هذا المشروع القومى الضخم، وما صاحبه من حماس وأمل فى بناء مستقبل جديد.
ورغم أهمية العمل، فإنه نادر العرض إلى درجة أن أجيالًا كاملة لم تتح لها فرصة مشاهدته. كما أن النسخة المعروفة باسم «الناس والنيل» لم تكن النسخة الأولى للمشروع، إذ جرى تصوير فيلم «النيل والحياة» عام 1968، بمشاركة صلاح ذو الفقار وعماد حمدى ومديحة سالم وسيف عبدالرحمن، إلى جانب الممثلين السوفيتيين إيجور فلاديميروف وفلاديمير إيفاشوف.
إلا أن الجانبين المصرى والسوفيتى أبديا اعتراضات على تلك النسخة، ما دفع يوسف شاهين إلى إعادة تصوير الفيلم عام 1972، مستعينًا بمجموعة جديدة من الممثلين، كان فى مقدمتهم سعاد حسنى، إلى جانب محمود المليجى وصلاح ذو الفقار وتوفيق الدقن وعزت العلايلى، مع الاحتفاظ بالفكرة الأساسية وإجراء تعديلات على تفاصيل الأحداث والشخصيات.
وكتب قصة «النيل والحياة» وسيناريو وحوار الفيلم المؤلف والمخرج الروسى نيكولاى فيتش فيجوروفسكى، بينما تولى الكاتب الصحفى حسن فؤاد كتابة السيناريو والحوار للنسخة الثانية التى عُرضت تحت اسم «الناس والنيل.
4 – مبكى العشاق
ومن بين الأفلام التى لم تحظ بالمشاهدة التى تستحقها أيضًا فيلم «مبكى العشاق»، المأخوذ عن قصة للأديب يوسف السباعي. وشارك فى بطولة الفيلم إلى جانب السندريلا سعاد حسنى كل من رشدى أباظة ويوسف شعبان وشويكار وسهير البارونى، فيما تولى إخراجه حسن الصيفى.
وتدور أحداث الفيلم حول مهندس يفقد زوجته، فيتفرغ لتربية ابنته ويستعين بخادمة لمساعدته فى شئون المنزل. ومع مرور الوقت يقع فى حبها، وحين تحمل منه يطلب منها التخلص من الجنين، فتقرر الانتحار. إلا أنه يتراجع عن موقفه فى النهاية ويقرر الزواج منها، لتشهد الأحداث تطورات درامية تكشف صراع الحب والمسئولية والضغوط الاجتماعية
5 – عصفور الشرق
وفى عام 1986، شاركت السندريلا سعاد حسنى فى فيلم «عصفور الشرق» المأخوذ عن رواية للأديب الكبير توفيق الحكيم. وقدمت سعاد دور فتاة خرساء، ونالت إشادة من النقاد بأدائها رغم صغر مساحة الدور.
الفيلم، الذى أخرجه يوسف فرنسيس، يدور فى إطار اجتماعى حول وكيل نيابة، جسد شخصيته النجم نور الشريف، يتولى التحقيق فى جريمة قتل، لتتكشف من خلال الأحداث العديد من القضايا والتفاصيل الإنسانية والاجتماعية.
ورغم مرور ربع قرن على رحيلها، تظل السندريلا حاضرة فى وجدان الجمهور بأعمال ارتبط بها المشاهدون على مدار عقود، وأخرى لم تتح لكثيرين فرصة مشاهدتها، لتبقى بمثابة كنوز منسية فى مسيرتها الفنية. فالمشوار الذى صنعته سعاد حسنى لم يكشف كل أسراره بعد، ولا تزال بعض محطاته تنتظر إعادة اكتشافها.
وربما يكون ذلك جزءًا من سحر سعاد حسنى وبريقها الذى لا يخفت، إذ لا يقتصر إرثها على الأفلام التى صنعت نجوميتها وارتبط بها الجمهور، بل يمتد إلى أعمال أخرى ظلت بعيدة عن الأضواء، لتؤكد أن سعاد حسنى لا تزال قادرة على إدهاش جمهورها بأعمال جديدة منسية وأدوار مختلفة حتى بعد سنوات من رحيلها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



