رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«روزاليوسف» تنفرد بنشر تفاصيل آخر مشروع سينمائى للسندريلا مع المخرج مجدى أحمد على

فيلم «البلد».. الحلم المجهض

بوابة روز اليوسف

فى كل عام، ومع حلول ذكرى وفاة سعاد حسنى (اليوم 25 عاماً)، اعتدنا على تداول حكايات مكررة عن أفلامها وحياتها الشخصية، أو إعادة النبش فى غموض رحيلها. لكن «روز اليوسف» تختار فى هذه المناسبة الذهاب إلى الجانب الآخر المجهول تماماً، وتفتح خزانة الأسرار الفنية لتكشف عن تفاصيل مجهولة لسيناريو فيلم «البلد»؛ هذا المشروع السينمائى الضخم الذى كان يمثل طموحاً فنياً كبيراً، وتحول برحيلها المفاجئ إلى حلم معطل إذ لم ير النور حتى اللحظة وكأنه يأبى أن تكون بطلته نجمة غير السندريلا.

 

نكشف هنا بالتفاصيل والوثائق عن هذا العمل والمسرودة على لسان صاحب المشروع المخرج مجدى أحمد على، والذى كتب السيناريو والحوار فى بداية مشواره، على أمل أن يكون أول أعماله الإخراجية بطلته سعاد حسنى - قبل سنوات من فيلمه «يا دنيا يا غرامى» عام 1995، لولا أن حسابات الإنتاج وظروف مرض السندريلا وضعت نهاية مفاجئة لهذا المشروع. 
 


هذا النص السينمائى شجع السندريلا وحمسها للعودة إلى الشاشة مرة أخرى، محاولاً انتشالها من حالة الإحباط والحزن الشديد التى تملكتها بعد آخر فيلمين لها «الدرجة الثالثة» و«الراعى والنساء» اللذين لم يحققا النجاح الذى تعودت عليه النجمة. رأت سعاد فى هذا السيناريو طوق النجاة الفنى،فتعلقت به.
 


 البداية والمفاجأة تحت بيت المنيل
 


لم يكن فيلم «البلد» مجرد مشروع عابر، بل كان من المفترض أن يسجل الخطوة الإخراجية الأولى فى مسيرة مخرجه، ففى بداية التسعينيات كتب مجدى أحمد على هذا السيناريو مدفوعاً بإيمان كبير بقيمته، وفى تلك المرحلة أخذ منه الناقد سمير فريد المسودة لقراءتها، لكنه أعطاها إلى سعاد حسنى دون علمه. وبعد أيام تلقى «مجدى» مكالمة هاتفية من «فريد» يخبره فيها أنه تحت منزله فى حى المنيل بالسيارة ومعه سعاد.
 


ارتبك مجدى من وقع المفاجأة وشعر بالرهبة وعدم التصديق عند نزوله ورؤيتها. وخلال اللقاء، أبدت سعاد حسنى إعجابها الشديد بالسيناريو وحماسها البالغ للعمل به، وأخبرته أنه فيلم مختلف، لمخرج واعد.. ثم بادرت بالاتصال بالفنان أحمد زكى الذى وافق بدوره، وعندما طُرح اسم الفنان محمود عبدالعزيز للمشاركة فى البطولة الجماعية، تبددت مخاوف المخرج أمام طمأنة السندريلا، حيث وعدته بأنها ستتولى إقناعه بنفسها، وإيجاد منتج.. ليعيش المخرج الشاب وقتها حلمًا مكتملاً يجمع مخرج جديد فى أول أفلامه بأسماء فنية من العيار الثقيل.
 


لم يكن هذا النص السينمائى حبيس الأدراج المعتمة أو مجرد أفكار عابرة على ورق، بل نال فى بداياته حماساً إنتاجياً جاداً ولافتاً من قبل المنتج الراحل حسام على، الذى آمن بقيمة العمل الفنية والإنسانية وبقدرته على إحداث نقلة نوعية فى مسار السينما الواقعية. وبادر حسام على باتخاذ خطوة عملية جادة لشراء حقوق الرواية والتى تحمل نفس الاسم «البلد» رسمياً وقانونياً من السيدة «سامية» - أرملة المؤلف الراحل عباس أحمد-، وتم توقيع العقود الرسمية لإطلاق المشروع وتحويل الرواية إلى واقع أمام كاميرات التصوير. هذا التحرك الإنتاجى السريع، ومسألة حسم الحقوق القانونية بشكل قاطع، منحا المخرج مجدى أحمد على طمأنينة كبيرة ساعدته فى كتابة السيناريو وصياغته بثبات ويقين.
 


 بدء التحضيرات
 


وبناءً على هذا الحماس الإنتاجى الملموس، بدأ المخرج بالفعل بمعاينة أماكن التصوير الحية وهى مصانع الغزل والنسيج القديمة فى عشرينيات القرن الماضى. ونظراً لظروف إغلاق بعض المصانع القديمة فى مدينة المحلة الكبرى وتغير معالمها بفعل الزمن، تركزت خطته البديلة على معاينة مصانع تاريخية قديمة فى حى شبرا بالقاهرة.
 

إذ وجد المخرج الشاب أن تلك المصانع ما زالت تحتفظ بنفس الطراز المعمارى القديم، والروح العمالية الدافئة، والملامح البصرية المطلوبة للعمل لتحقيق هذا الشكل السينمائى. 
 


وتدور أحداث الرواية الأصلية عقب ثورة 1919 ووفاة سعد زغلول عام 1927 فى مركز «كوم اللبن» التابع للمحلة الكبرى، لترصد الصراع الاجتماعى والطبقى الناجم عن التحول من الأنوال اليدوية إلى الآلات الحديثة مع تأسيس طلعت حرب لشركة مصر للغزل والنسيج، وما تبع ذلك من إغلاق الورش الصغيرة ونشوء وعى وحراك عمالى ثورى يطالب بالعدالة الاجتماعية وتعديل الأجور. بينما تتضمن أحداث الفيلم صراعًا وخلافات نشبت بين فئتين من العمال؛ «المحلاوية» و«الشركاوية»، حيث كان طلعت حرب قد جعل من عمال المحلة بمثابة «الأسطوات» المسئولين عن إدارة مصانع الغزل والأنوال، وهو ما فجر لاحقاً مشاحنات وخلافات واسعة بين الطرفين.
 


وتجسد سعاد حسنى شخصية «نبوية» زوجة أحد العاملين بالمصنع، والتى تضطر عقب وفاته إلى الالتحاق بالعمل فى المصنع ذاته لتأمين كسب عيشها. وينتهى الفيلم بمشهد مظاهرة حاشدة اندلعت احتجاجاً على قرار غلق «عنبر الشرابات»، حيث تقود «نبوية» الهتافات وسط العمال وهم يصرخون بصوت واحد: «عايزين نشتغل». 
 


 ملحمة «البلد» العمالية وملاحظات صلاح أبو سيف السرية
 


ووسط الحماس المتصاعد، حرص المخرج مجدى أحمد على على صقل عمله الأول وتعميق رؤيته؛ فقام بعرض السيناريو على أستاذه، رائد السينما الواقعية المخرج صلاح أبو سيف. حينها تعامل «الأستاذ» مع النص بجدية صارمة وقرأه بعناية فائقة وتدقيق شديد فى كل التفاصيل.وترك صلاح أبو سيف ملاحظات نقدية تفصيلية وثقها بخط يده على هوامش أوراق السيناريو؛ ومنها تعديل بسيط مثل: «يجب أن تكتب مجموعة من الكومبارس وليس الجموع تضغط». وهنا كان هدف أبو سيف هو تعليم المخرج الشاب كتابة سيناريو بجمل قصيرة تحمل صورة بصرية، لتظل تلك الأوراق متمثلة فى وثيقة تاريخية نادرة.
 


وبينما رأى صلاح أبو سيف أن دور نبوية الذى تؤديه سعاد حسنى فى البناء الدرامى للفيلم ليس مهيمناً أو مسيطراً بالقدر الذى يوازى نجوميتها الطاغية، حيث لم تكن المحرك الأساسى لكل الأحداث، كان للناقد الكبير سمير فريد السيناريو مكتملاً وعظيماً فى صياغته الجماعية، حيث تذوب النجومية الفردية فى العمل الملحمى الذى يعكس روح الثورة العمالية. ورغم تلك التباينات النقدية الصامتة والراقية بين قامات النقد والإخراج. لذا كان المشروع الفنى يتحرك بخطى ثابتة، مدفوعاً بحماس وإصرار سعاد والمخرج وباقى صناعه على مواجهة التحديات.
 


 أزمة سعاد بعد فيلم «الراعى والنساء»
 


فى ختام استرجاع هذه الذكريات، يفجر مجدى أحمد على مفاجأة شخصية وفنية حول فيلم «الراعى والنساء»؛ حيث كشف أنه كان شريكاً فى كواليس تلك المرحلة لأنه كان يعمل مع المخرج خيرى بشارة فى فيلم «رغبة متوحشة» كمساعد مخرج.
 


وعن كواليس الانكسار النفسى الذى عاشته سعاد فى تلك المرحلة، يروى مجدى أحمد على شهادة حركت قلبه، نقلها عن الناقد سمير فريد ،حيث قال إن سعاد ذهبت متنكرة لمشاهدة الفيلم فى سينما ديانا وبعد انتهاء العرض استقللنا السيارة وتفاجأ بسعاد «تبكى بكاءاً مريراً لم تبكه من قبل!».فقد شعرت وفقٍا لرواية مجدى أحمد على أن القائمين على العمل قضوا عليها فنيًا بعد رفضهم طريقة الأداء التى آرادتها فلم يظهر دورها كما كانت تريد. 
 


لذا كانت سعاد متعلقة بحلم فيلم «البلد» الذى ظل وثيقة لحلم سينمائى أجهضه الإنتاج وداهمه الموت، كاشفاً عن رغبة سعاد حسنى الدفينة فى أن تودع جمهورها بكلمات تصرخ فيها: «عايزين نشتغل».
 


 الأزمة الأولى
 


ورغم التحركات اللاحقة لشراء الحقوق القانونية للرواية والمعاينات الميدانية للمصانع، إلا أن المشروع واجه عثرته الأولى عند التوجه إلى المنتج واصف فايز لبحث آليات التنفيذ؛ إذ بدأت الأمور تتحرك نظرياً وسط شعور بقرب خروج الفيلم إلى النور، لكن فجأة ظهرت الأزمة الصادمة، عندما رفض المنتج واصف فايز تمويل الفيلم، والحديث على لسان مجدى أحمد على لروزاليوسف: «واصف فايز قالى: يا عم مجدى.. سعاد عاملة فيلمين واقعين (الدرجة الثالثة والراعى والنساء). أنا مقدرش أنتج فيلم اجتماعى عمالى لسعاد حسنى مع مخرج لأول مرة. لو سعاد عايزة تعمل فيلم أكشن أو كوميدى أنا تحت أمرك، غير كده لأ».
 


ورغم أن سعاد أصرت على المضى قدمًا فى المشروع واختيار منتج آخر، إلا أن الظروف الصحية التى كانت تمر بها دفعتها إلى السفر فى رحلة علاج طالت كما نعلم. بينما ظل المخرج الشاب معلقاً ينتظر عودتها وتماثلها للشفاء، مما تسبب فى تعطيل مسيرته الفنية وتأجيل خطوته الأولى لمدة سنتين أو ثلاث سنوات كاملة وربما أكثر بدافع الأمل فى عودتها، خاصًة أن سعاد ظلت تتواصل معه وتتابع التحضيرات بلهفة بين الحين والآخر.
 


 النهاية الحزينة للحلم الأخير..
 


وبعد محاولات لإيجاد ممر مضيء تعطل مشروع فيلم «البلد» لاحقاً وبشكل نهائى بفعل تشابك المعوقات وتلاحق الأزمات، إذ تسارعت الأزمات الصحية والنفسية فى حياة السندريلا بشكل مؤلم، واكتست حياتها بالتغيرات الجسدية القاسية التى فرضها عليها المرض وأبعدتها قسراً عن الكاميرات. يضاف إلى ذلك ظهور ظروف إنتاجية وتوزيعية معقدة تخص طبيعة الفيلم وتراجع حماس جهات التمويل الأخرى أمام زحف موجة السينما الكوميدية الجديدة فى ذلك الوقت. واضطرت سعاد فى نهاية الأمر للسفر إلى لندن لتلقى العلاج. وتسبب هذا السفر فى تجميد مشروع فيلم «البلد» بالكامل لعامين أو ربما لثلاثة أعوام أو أكثر، عاشها مجدى أحمد على فى القاهرة متمسكاً بأمل ضعيف، ومتطلعاً بصفة مستمرة إلى عودتها بكامل صحتها وعافيتها لاستئناف العمل على فيلمهما المشترك وتحدى حسابات السوق. ولكن الأمل تبخر تماماً، وبقيت رغبتها فى العودة مجرد حلم معلق فى غرفة صغيرة فى برج شاهق الارتفاع. إذ جاء خبر وفاتها المفاجئ والصادم فى لندن ليضع المسمار الأخير فى نعش المشروع وفى حياة سعاد حسنى نفسها، مما أدى فى النهاية إلى عدم تنفيذ الفيلم نهائياً وغيابه الأبدى عن شاشات السينما. 
 


وتنفرد «روز اليوسف» اليوم، احتراماً وتخليداً لذكرى هذا الغياب، بنشر صفحات من هذا السيناريو للمرة الأولى، ليظل هذا النص شاهداً حياً على آخر مشروع عمالى واجتماعى قرأته واحتفت به السندريلا قبل رحيلها، تاركة وراءها فراغاً لا يملأه سوى طيفها الباقى فى قلوبنا.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط