مصر.. ومعركة «الصمود»
عادت المواجهة «الأمريكية- الإيرانية» لتتصدر المَشهد الإقليمى والدولى من جديد، فى لحظة شديدة الحساسية تمر بها منطقة الشرق الأوسط التى لم تكد تلتقط أنفاسَها من تداعيات الحروب والصراعات الممتدة على أكثر من جبهة.. بدءًا من الحرب فى قطاع غزة.. مرورًا بالأزمات فى البحر الأحمر واليمن وسوريا ولبنان.. وصولاً إلى التوترات المتعلقة بالملف النووى الإيرانى وأمن الملاحة الدولية.
وفى خضم هذا المشهد المعقد، يبرز الموقف المصرى باعتباره أحد أكثر المواقف اتساقًا وثباتًا، مستندًا إلى رؤية دبلوماسية راسخة تقوم على التهدئة والحوار والحلول السياسية، ورفض الانزلاق نحو مواجهات عسكرية واسعة قد تدفع المنطقة بأسْرها إلى حافة المجهول.
لم يكن البيان المصرى الذى أكد على أهمية سرعة التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سوى امتداد طبيعى لهذا النهج الذى تبَنته القاهرة على مدار عقود طويلة.. فمصر تنظر إلى أزمات المنطقة من منظور شامل لا يقتصر على معالجة الأعراض أو النتائج؛ بل يسعى إلى التعامل مع جذور المشكلات ومسبباتها الحقيقية؛ إدراكًا منها أن أى تصعيد جديد لن يكون مجرد أزمة عابرة بين دولتين؛ وإنما تهديد مباشر لاستقرار منطقة تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمى وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
لقد أكدت القاهرة بوضوح أن التوصل إلى اتفاق يراعى شواغل جميع الأطراف المعنية، وعلى رأسها دول المنطقة، أصبح ضرورة مُلحة لتجنيب الشرق الأوسط مخاطر التصعيد والتوتر والإرهاب.
وهذه الرؤية تنطلق من إدراك عميق لحجم التداعيات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية التى شهدها العالم خلال الأشهر الأخيرة؛ حيث أثبتت التجارب أن أى اضطراب فى الشرق الأوسط سرعان ما تتجاوز آثاره حدود الإقليم لتنعكس على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وتدرك مصر أن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران يحمل مخاطر متعددة، ليس أقلها احتمالات تعثر الملاحة فى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، والذى تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.. ومن ثم فإن الدعوة المصرية إلى معالجة الملفات العالقة، بما فى ذلك الملف النووى الإيرانى وحرية الملاحة فى المضيق، لا تأتى من باب الانحياز لطرف على حساب آخر؛ وإنما من منطلق الحرص على حماية الأمن والاستقرار الإقليمى والدولى.
وقد حذرت القاهرة مرارًا من أن استمرار الحرب دون أفق سياسى واضح من شأنه أن يفتح الباب أمام مزيد من التوترات الإقليمية ويهدد الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط بأكمله.
ومن هنا؛ فإنّ الربط الذى تضَمّنه البيان المصرى بين التهدئة فى الملف «الأمريكى- الإيرانى» وبين القضية الفلسطينية لم يكن أمرًا عارضًا أو ثانويًا؛ بل يعكس رؤية استراتيجية متكاملة تعتبر أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الصراع فى المنطقة ولب الأزمات المتراكمة فيها.فمصر ترى أن معالجة التوترات الإقليمية المختلفة لا يمكن أن تكتمل دون التعامل الجاد مع القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أهم مَصادر عدم الاستقرار المزمنة فى الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق؛ تواصل القاهرة أداء دَورها التقليدى كجسر للحوار وقناة للتواصل بين مختلف الأطراف، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.. فمصر تمتلك رصيدًا طويلاً من العمل الدبلوماسى الذى جعلها طرفًا موثوقًا لدى العديد من القوى الفاعلة فى المنطقة، وهو ما يفسر استمرار دَورها المحورى فى جهود الوساطة واحتواء الأزمات.
وفى وقت تتصاعد فيه لغة التهديد والاستقطاب فى العديد من الملفات، تبدو الرسالة المصرية واضحة ومباشرة: «لا بديل عن التفاوض، ولا مصلحة لأحد فى إشعال مواجهة إقليمية جديدة، ولا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار إلاّ من خلال الحلول السياسية واحترام القانون الدولى ومعالجة جذور الصراعات وفى مقدمتها القضية الفلسطينية».إن قراءة الموقف المصرى تجاه التطورات الأخيرة تكشف عن ثبات لافت فى المبادئ والأهداف.. فالقاهرة لا تنظر إلى الأحداث من زاوية المكاسب الآنية أو الحسابات الضيقة؛ بل من منظور أوسع يضع استقرار المنطقة وأمن شعوبها فى مقدمة الأولويات.. ولهذا ظلت مصر، رغم تغير الظروف وتبدل الأزمات، متمسكة بالدعوة إلى التهدئة والحوار ومنع التصعيد؛ انطلاقًا من قناعة بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل حربًا جديدة، وأن المستقبل الآمن للمنطقة لا يمكن أن يُبنَى فوق أنقاض المزيد من الصراعات؛ بل عبر مسار سياسى ودبلوماسى يعيد الأمل فى السلام والاستقرار والتنمية لجميع شعوبها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



