الثلاثاء 07 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أسامة رسلان: 30 يونيو أنقذت الوعي من التوظيف السياسي للدين

د أسامة رسلان
د أسامة رسلان

 

 

لم تكن أزمة توظيف الدعوة  في الصراع السياسي مجرد أزمة خطابية أو خلاف حول أسلوب الدعوة، وإنما كانت تعبيرًا عن محاولة أوسع لاختطاف الوعي الديني وتحويله من قوة للبناء إلى أداة للصراع.

 

ويؤكد الدكتور أسامة رسلان المتحدث الرسمي لوزارة الأوقاف أن أجلى لحظات ظهور وتفوق الخطاب المتطرف برزت خلال عام 2011 وما تلاه من سنوات قليلة، من حالة التفكك والضعف والتراجع الحضاري والضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية التي مرت بها المنطقة، حيث وجدت جماعات التطرف فرصة للتمدد واستغلال حالة السيولة التي أصابت المجتمع.

 

وأوضح عبر موقع وزارة الأوقاف أن هذه الجماعات اعتمدت على استثمار الميل العاطفي الديني لدى قطاعات من الناس، مستفيدة من الثقة التي يمنحها المواطن لمن يتحدث باسم الدين، خاصة عندما يظهر في صورة صاحب سمت ديني، وهو ما جعل مواجهة هذا النوع من الخطاب أكثر صعوبة، لأنه لم يكن يقدم نفسه باعتباره مشروعًا سياسيًا فقط، وإنما باعتباره امتدادًا للدين.

 

وأشار رسلان إلى أن خطورة الأمر تمثلت في أن بعض الجماعات استطاعت تقديم خطاب يختلط فيه المقدس بالسياسي، حتى أصبح البعض ينظر إلى مواقفها باعتبارها مواقف دينية لا تحتمل النقد، رغم أن جوهرها كان يحمل أهدافًا تنظيمية وسياسية.

 

اختطاف الخطاب الديني

 

ويرى الدكتور أسامة رسلان أن أحد أهم دوافع ثورة 30 يونيو كان مواجهة هذا المسار، مؤكدًا أن الثورة الشعبية لم تكن ذات بُعد اقتصادي فقط أو سياسي فقط، وإنما جاءت بدافع وطني جامع، وفي مقدمة ذلك رفض اختطاف الوطن واستنزاف وعيه ومحاولة التأثير في مستقبله.

 

فالمشكلة، من وجة نظره، لم تكن فقط في الخلاف السياسي، وإنما في محاولة استخدام الدين لتبرير ممارسات تخالف مقاصده، وتحويل الخطاب الديني من وسيلة لبناء الإنسان إلى أداة للهيمنة والاستقطاب.

 

وأكد أن اختطاف الخطاب الديني والابتعاد به عن مقاصد الشرع كان سببًا رئيسيًا في رفض المجتمع لهذا المسار، والبحث عن استعادة التوازن بين الدين والوطن، وبين التدين الصحيح ومسؤولية بناء الدولة.

 

ويشير رسلان إلى أن الواقع فرض مواجهة بين خطابين؛ الأول خطاب جماعات التطرف والإرهاب الذي اختزل الوطن في صورة سلبية، واستخف بقيم الانتماء، وفتح الباب أمام استباحة الدماء والاعتداء على مقدرات المجتمع، واستخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية.

 

أضاف أنه في المقابل ظهر خطاب آخر يقوم على الفهم الرشيد للدين، الذي يحفظ مقاصده الكبرى، ويحمي النفس والعقل والعرض والمال، ويؤكد أن رسالة الإسلام تقوم على البناء والإصلاح والسلام، وليس الصراع والهدم، ومن هنا أصبحت المعركة الحقيقية معركة وعي، لأن حماية المجتمع لم تعد مرتبطة فقط بمواجهة الأفكار المتطرفة، وإنما بإعادة تقديم الخطاب الديني الصحيح القادر على مخاطبة الإنسان وبناء انتمائه لوطنه.

 

سقوط القناع

 

ويؤكد الدكتور أسامة رسلان أن خطاب الإرهاب والتطرف سرعان ما انكشف عندما انتقل من مرحلة الأفكار إلى مرحلة الممارسات، حيث ظهر التناقض بين الشعارات المرفوعة وبين النتائج التي خلفتها تلك الأفكار على الأرض.

 

وطرح تساؤلًا حول ما كان يمكن أن يحدث لو لم ينتصر الشعب في 30 يونيو 2013، ولو لم تتدخل مؤسسات الدولة لحماية المجتمع من هذا المسار، مشيرًا إلى أن المنطقة كانت يمكن أن تواجه موجة أكثر خطورة من الانقسام والصراع على أساس ديني.

 

وأوضح أن استمرار هذا الخطاب كان يمكن أن يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام عالميًا، وزيادة ربط الدين بالعنف والتطرف، فضلًا عن تهديد الدور التاريخي لمصر والأزهر في تقديم النموذج الوسطي للإسلام.

 

 معركة التجديد وبناء الوعي

 

ويرى رسلان أن المرحلة التالية بعد مواجهة التطرف الفكري تتطلب عملًا مؤسسيًا قادرًا على تجديد الخطاب الديني وفق احتياجات العصر.

 

فالمجتمع، بحسب رؤيته، يقف أمام مسارات متعددة؛ بين من يريد الاكتفاء بالماضي وفرضه على الحاضر، ومن يريد رفض التراث بالكامل، ومن يتعامل معه بالتقديس أو الإلغاء، بينما يظل المسار الأكثر حاجة هو التعامل العلمي الرشيد مع التراث، وتنقيته مما علق به من أفكار متطرفة أو توظيفات خاطئة.

 

ويؤكد أن التجديد الحقيقي يكون من خلال الاجتهاد العلمي المؤسسي في مختلف المجالات، بما يحافظ على الثوابت ويستجيب لتحديات الواقع.

 

 

ويخلص الدكتور أسامة رسلان إلى أن المجتمع المصري شهد خلال تلك المرحلة محاولات لاستغلال الدين ضد الوطن، واختطاف بعض المنابر لبث رسائل الفوضى والكراهية، وتحويل الخطاب الديني إلى أداة تخدم مشاريع تتجاوز حدود المجتمع.. لكن ثورة 30 يونيو مثلت لحظة فاصلة أعادت الاعتبار لفكرة الدولة، وفتحت الطريق أمام استعادة دور المؤسسات الدينية، وإعادة المسجد إلى رسالته الأساسية كبيت للعبادة ومنارة للعلم والرحمة.

 

 

 

تم نسخ الرابط