رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يشهد النظام الدولي مرحلة تتسم بدرجة غير مسبوقة من التعقيد، نتيجة تداخل التحولات الجيوسياسية مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتصاعد الأزمات الإقليمية، وتنامي التهديدات العابرة للحدود.

 

وقد فرضت هذه البيئة الاستراتيجية الجديدة على الدول إعادة تقييم أنماط علاقاتها الخارجية، بحيث لم تعد الشراكات الثنائية تُقاس بحجم التبادل التجاري أو التعاون الأمني فحسب، وإنما بقدرتها على الإسهام في الحد من التوترات، واحتواء الأزمات، وتعزيز فرص التنمية، والحفاظ على الاستقرار بوصفه شرطًا أساسيًا لاستمرار النظام الدولي في أداء وظائفه.

 

وفي هذا السياق، تكتسب الشراكة المصرية الأمريكية أهمية خاصة، ليس لأنها من أقدم الشراكات في المنطقة، وإنما لأنها تمثل نموذجًا لعلاقة استطاعت أن تتكيف مع بيئة دولية وإقليمية شديدة التغير، مع الاحتفاظ بأهدافها الأساسية وتطوير أدواتها بصورة مستمرة.

ولم يعد جوهر هذه الشراكة يقتصر على إدارة الملفات الثنائية، بل اتسع ليشمل التشاور حول القضايا الإقليمية والدولية، والتعاون في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، بما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن الاستقرار لم يعد قضية أمنية فقط، وإنما أصبح مفهومًا شاملًا يرتبط بالاقتصاد والتنمية والقدرة المؤسسية للدول.

 

وتشير أدبيات العلاقات الدولية إلى أن الشراكات الاستراتيجية الأكثر استدامة هي تلك التي تمتلك مؤسسات للحوار، وآليات للتشاور المنتظم، وقدرة على إدارة الاختلافات دون أن تتحول إلى أزمات.

فالتوافق الكامل بين الدول ليس شرطًا لنجاح العلاقات الاستراتيجية، بينما تظل القدرة على إدارة التباين في المواقف، وتوسيع دوائر المصالح المشتركة، هي المعيار الأكثر أهمية لاستمرارها.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم تطور الشراكة المصرية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة باعتبارها شراكة تقوم على الحوار المؤسسي، والاحترام المتبادل، والبحث عن مجالات جديدة للتعاون، في ظل إدراك مشترك لطبيعة البيئة الدولية الراهنة.

ولا يهدف هذا المقال إلى استعراض مسار العلاقات المصرية الأمريكية أو رصد محطاتها التاريخية، وإنما يسعى إلى تحليل الكيفية التي تطورت بها هذه الشراكة في السنوات الأخيرة، والدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم الاستقرار الإقليمي، في ضوء التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالتركيز هنا ينصب على دلالات التطور، لا على سرد الوقائع، وعلى تفسير الاتجاهات، لا على تعداد الأحداث.

لقد شهدت السنوات الأخيرة انتظامًا ملحوظًا في التواصل السياسي بين القاهرة وواشنطن، سواء من خلال لقاءات القمة، أو الاتصالات الرئاسية، أو اجتماعات وزيري الخارجية وكبار المسؤولين، أو عبر آليات الحوار الاستراتيجي. وتكمن أهمية هذه اللقاءات، ليس في انعقادها في حد ذاته، وإنما فيما تعكسه من حرص متبادل على استمرار التشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى تطوير العلاقة بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة.

 

وفي هذا الإطار، اكتسبت اللقاءات التي عُقدت في شرم الشيخ، وعلى هامش الاجتماعات الدولية في دافوس وإيفيان، وكذلك اللقاءات المتكررة على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية خاصة باعتبارها محطات للتشاور السياسي حول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفرصة لتقييم مسارات التعاون الثنائي وآفاق تطويرها. كما عكست اللقاءات الأخيرة بين وزيري خارجية البلدين استمرار الحوار المؤسسي، وحرص الجانبين على متابعة ملفات التعاون بصورة منتظمة، وهو ما يعزز استقرار العلاقة ويمنحها قدرًا أكبر من القدرة على التكيف مع المتغيرات.

وتنسجم هذه المؤشرات مع ما تذهب إليه الليبرالية المؤسسية في العلاقات الدولية من أن انتظام قنوات الاتصال والحوار يقلل من احتمالات سوء التقدير، ويزيد من فرص بناء الثقة، ويوفر إطارًا مناسبًا لإدارة الاختلافات.

ولا يعني ذلك غياب تباين في وجهات النظر حول بعض القضايا، فذلك أمر طبيعي في العلاقات بين الدول، وإنما يعني وجود إرادة سياسية للحفاظ على الحوار باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لمعالجة التباينات وتوسيع مجالات الاتفاق.

ومن ناحية أخرى، لم تعد أجندة الشراكة المصرية الأمريكية محصورة في القضايا السياسية والأمنية، وإنما اتجهت إلى مزيد من التنوع، لتشمل الاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا، والتحول الرقمي، والتعليم، والصحة، والابتكار، وهو اتجاه يعكس طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، حيث أصبحت القوة الاقتصادية والقدرة التكنولوجية جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الشامل. كما أن تنامي الاعتماد المتبادل في هذه المجالات يعزز من فرص استدامة العلاقات الثنائية، ويمنحها بعدًا يتجاوز الاعتبارات التقليدية.

ومن ثم، فإن قراءة الشراكة المصرية الأمريكية من منظور استراتيجي تقتضي النظر إليها باعتبارها علاقة تتطور باستمرار استجابةً لتحولات البيئة الدولية، لا باعتبارها علاقة جامدة أو مرتبطة بملف واحد أو أزمة بعينها.

وهذا ما يفسر اتساع نطاق التشاور بين البلدين ليشمل قضايا الأمن الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، والتعاون في مجالات التكنولوجيا الحديثة، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لترابط هذه القضايا في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

 

إذا كانت التحولات التي يشهدها النظام الدولي قد أعادت الاعتبار إلى مفهوم الشراكات الاستراتيجية، فإنها أعادت أيضًا تعريف مفهوم الاستقرار ذاته. فلم يعد الاستقرار يعني مجرد غياب الصراع المسلح، وإنما أصبح يرتبط بقدرة الدول على احتواء الأزمات، وحماية مؤسساتها الوطنية، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على انسياب التجارة الدولية، وتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وتهيئة البيئة الملائمة للتنمية.

 

ومن هذا المنظور، فإن تقييم أي شراكة استراتيجية لا يقوم على حجم العلاقات الثنائية وحده، وإنما على مدى قدرتها على الإسهام في تحقيق هذه الأهداف.

وفي هذا الإطار، تبرز مصر بوصفها دولة تنظر إلى الاستقرار باعتباره شرطًا أساسيًا للتنمية، وليس نتيجة لها فقط.

وقد انعكس هذا الفهم في توجهات سياستها الخارجية، التي قامت على تغليب الحلول السياسية، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، والحد من اتساع دوائر الصراع، وتجنب الانزلاق إلى سياسات الاستقطاب الحاد. وهي مقاربة اتسمت بقدر كبير من الاستمرارية، وأسهمت في ترسيخ صورة مصر باعتبارها شريكًا يمكن الاعتماد عليه في التعامل مع القضايا الإقليمية المعقدة.

 

ولا يرتبط هذا الدور بعناصر الجغرافيا السياسية وحدها، على أهميتها، وإنما بقدرة الدبلوماسية المصرية على الجمع بين الحوار والانفتاح على مختلف الأطراف، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية المصرية.

 

ولذلك، فإن أهمية مصر في العديد من الملفات الإقليمية لا تعود فقط إلى موقعها، وإنما إلى قدرتها على بناء التوافقات، وفتح قنوات الاتصال، وتهيئة الظروف الملائمة للتسويات السياسية متى توافرت إرادة الأطراف المعنية.

وقد برز ذلك بوضوح في التعامل مع تطورات القضية الفلسطينية، التي ظلت تمثل أولوية ثابتة في السياسة الخارجية المصرية. فمنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، انطلقت التحركات المصرية من رؤية تجمع بين البعدين الإنساني والسياسي؛ فإلى جانب الجهود المكثفة لإدخال المساعدات الإنسانية، استمرت المساعي الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن والمحتجزين، وتهيئة الظروف لاستئناف مسار سياسي يفضي إلى تسوية عادلة ودائمة، استنادًا إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.

 

وفي هذا السياق، مثل التنسيق مع الولايات المتحدة أحد عناصر التحرك الدبلوماسي، دون أن يحجب استمرار التواصل المصري مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.

وينطبق الأمر ذاته على التطورات في البحر الأحمر، حيث أظهرت الأحداث أن أمن هذا الممر الحيوي لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

 

ومن هنا، اكتسب التشاور المصري الأمريكي في هذا الملف أهمية متزايدة، انطلاقًا من الحرص المشترك على حماية حرية الملاحة، واحترام قواعد القانون الدولي، وتجنب اتساع نطاق التوتر بما يهدد مصالح المنطقة والاقتصاد العالمي.

 

كما برهنت التطورات في ليبيا والسودان على أن معالجة الأزمات الممتدة تتطلب صبرًا دبلوماسيًا ورؤية طويلة المدى.

وقد انطلقت السياسة المصرية في هذين الملفين من مبادئ واضحة، تقوم على دعم وحدة الدولة الوطنية، واحترام سيادتها، وتشجيع الحلول السياسية التي تعبر عن إرادة شعوبها، ورفض التدخلات التي تؤدي إلى إطالة أمد النزاعات. وهي مبادئ تلتقي مع ما تؤكد عليه الأمم المتحدة بشأن أولوية الحلول السلمية وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدول.

 

ومن ناحية أخرى، فإن التوترات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية تظل جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي تؤثر في استقرار المنطقة بأسرها.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التوترات على العديد من الملفات الإقليمية، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو المشرق العربي.

ومن ثم، فإن أهمية الحوار والتنسيق بين القاهرة وواشنطن تزداد في مثل هذه الظروف، ليس بهدف إدارة خلاف بعينه، وإنما للحيلولة دون انتقال التوترات إلى مستويات تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

 

وفي جميع هذه القضايا، حافظت مصر على تمسكها بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، واحترام قواعد القانون الدولي، ودعم الدور المحوري للمنظمة الدولية في حفظ السلم والأمن الدوليين.

 

ولم يكن ذلك مجرد موقف قانوني، ولكنه تعبير عن قناعة راسخة بأن النظام الدولي، رغم ما يواجهه من تحديات، لا يزال في حاجة إلى مؤسسات متعددة الأطراف قادرة على إدارة الأزمات وفق قواعد متفق عليها، بما يحد من منطق القوة ويعزز فرص التسويات السياسية.

 

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الشراكة المصرية الأمريكية بمعزل عن السياسة الخارجية المصرية في مجملها. فقد حرصت مصر، خلال السنوات الأخيرة، على تطوير علاقاتها مع مختلف شركائها الدوليين، سواء في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا، إدراكًا منها أن تنوع الشراكات يمثل عنصرًا من عناصر قوة السياسة الخارجية، ويتيح مساحة أوسع للحركة والتعاون. 

ولم يكن هذا التوجه بديلًا عن الشراكة مع الولايات المتحدة، وإنما جاء مكملًا لها، في إطار رؤية تقوم على تنويع مجالات التعاون، وتعظيم المصالح المشتركة، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

ومن منظور العلاقات الدولية، فإن هذا النهج يعكس إدراكًا لطبيعة النظام الدولي المعاصر، الذي لم يعد يقوم على خيارات حصرية أو تحالفات مغلقة، بل يتيح للدول بناء شبكات متنوعة من العلاقات، بما يحقق مصالحها الوطنية، ويعزز قدرتها على التعامل مع بيئة دولية تتسم بدرجة متزايدة من التعقيد وعدم اليقين.

 

إذا كانت الشراكة المصرية الأمريكية قد أثبتت قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والأمنية، فإن المرحلة المقبلة تطرح تحديًا مختلفًا يتمثل في كيفية توسيع مضمون هذه الشراكة بما يستجيب للتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والثورة التكنولوجية.

 

فالتنافس الدولي لم يعد يدور حول اعتبارات القوة العسكرية وحدها، وإنما أصبح يرتبط بدرجة متزايدة بالقدرة على الابتكار، وتطوير التكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز أمن الطاقة، وبناء اقتصادات أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.

 

ومن ثم، فإن اتساع مجالات التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي بين مصر والولايات المتحدة يمثل امتدادًا طبيعيًا لتطور مفهوم الشراكة الاستراتيجية ذاته.

 

وفي هذا الإطار، تبدو فرص التعاون في مجالات الاستثمار، والطاقة التقليدية والمتجددة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والتعليم العالي، والبحث العلمي، من المجالات التي يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا للعلاقات الثنائية.

 

ولا يقتصر أثر هذه المجالات على تحقيق منافع اقتصادية مباشرة، وإنما يمتد إلى تعزيز القدرة المؤسسية للدولة، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية للاستثمار، وهو ما يتفق مع الاتجاهات الحديثة في العلاقات الدولية التي تربط بين التنمية المستدامة والاستقرار طويل الأجل.

 

ويظل العامل الاقتصادي، في هذا السياق، عنصرًا لا يقل أهمية عن الأبعاد السياسية والأمنية. فقد أثبتت الخبرة الدولية أن العلاقات الاستراتيجية الأكثر رسوخًا هي تلك التي تقوم على شبكة واسعة من المصالح المتبادلة، بحيث يصبح التعاون الاقتصادي والاستثماري والعلمي ركيزة لاستدامة الحوار السياسي، وليس مجرد نتيجة له. ومن هنا، فإن توسيع قاعدة المصالح المشتركة يضيف إلى العلاقة المصرية الأمريكية عنصرًا من عناصر الاستقرار والاستمرارية، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة التحولات التي قد يشهدها النظام الدولي.

 

ومن ناحية أخرى، فإن التطورات الراهنة تؤكد أن إدارة الأزمات، على أهميتها، لم تعد كافية لضمان الاستقرار. فالمطلوب هو الاستثمار في بناء مقومات الاستقرار ذاته، من خلال دعم التنمية، وتعزيز المؤسسات، وتوسيع فرص التعاون الاقتصادي، وتشجيع الحلول السياسية، واحترام قواعد القانون الدولي.

 

وفي هذا الإطار، تبدو الشراكة المصرية الأمريكية مؤهلة للإسهام في هذه المقاربة الأوسع، انطلاقًا من إدراك مشترك بأن الاستقرار لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما يتطلب معالجة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في استدامته.

 

وتشير بعض الاتجاهات الحديثة في أدبيات العلاقات الدولية إلى أن قدرة الشراكات على التكيف مع المتغيرات أصبحت أحد أهم معايير نجاحها. فاستدامة العلاقات لم تعد تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو كثافة اللقاءات الرسمية، وإنما بمدى قدرتها على استيعاب المتغيرات الدولية، وتطوير أولوياتها، وتوسيع مجالات التعاون بما يواكب احتياجات كل مرحلة.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تطور الشراكة المصرية الأمريكية باعتباره تعبيرًا عن مرونة مؤسسية سمحت لها بالحفاظ على استقرارها، مع إعادة ترتيب أولوياتها وفقًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.

 

ولا يتعارض ذلك مع استمرار مصر في انتهاج سياسة خارجية تقوم على تنويع شراكاتها الدولية. فالعلاقات المتطورة مع الولايات المتحدة تسير جنبًا إلى جنب مع تطوير التعاون مع الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، والدول العربية والأفريقية، في إطار رؤية تستند إلى استقلالية القرار الوطني، وتوسيع مجالات التعاون الدولي، وتعظيم المصالح المشتركة. ويعكس هذا النهج فهمًا لطبيعة النظام الدولي الراهن، الذي يتيح للدول مساحة أوسع لبناء علاقات متوازنة مع مختلف الشركاء، دون أن يكون ذلك على حساب أي علاقة استراتيجية قائمة.

 

ومن ثم، فإن مستقبل الشراكة المصرية الأمريكية لن يتحدد فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات الراهنة، وإنما بمدى نجاحها في استشراف التحديات المقبلة، وتطوير أدوات التعاون لمواجهتها. ويشمل ذلك الاستثمار في المعرفة، والتكنولوجيا، والابتكار، ورأس المال البشري، إلى جانب مواصلة الحوار السياسي المنتظم، وتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم المبادرات التي تسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

إن القراءة المتأنية لمسار هذه الشراكة تشير إلى أنها تجاوزت منذ سنوات نطاق العلاقة الثنائية التقليدية، وأصبحت إطارًا مؤسسيًا للتشاور والتنسيق في عدد من القضايا ذات البعد الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا التطور نتيجة ظرف سياسي عابر، وإنما جاء استجابة لتحولات أوسع في البيئة الدولية، فرضت على الدول البحث عن صيغ أكثر مرونة وفاعلية للتعاون، تقوم على الحوار، وتبادل المصالح، واحترام خصوصية كل طرف.

 

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن أهمية الشراكة المصرية الأمريكية لا تنبع من افتراض وجود تطابق كامل في الرؤى، ولا من ارتباطها بملف بعينه، وإنما من قدرتها على الحفاظ على الحوار، وتوسيع مجالات التعاون، وإدارة ما قد يطرأ من تباين في المواقف بروح من المسؤولية السياسية والاحترام المتبادل. وهذه، في نهاية المطاف، هي السمة التي تميز الشراكات الاستراتيجية المستقرة في العلاقات الدولية.

 

وفي عالم يتسم بتزايد عدم اليقين، وتداخل التحديات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، تظل الحاجة قائمة إلى شراكات قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية، والانفتاح على فرص التعاون، والالتزام بقواعد القانون الدولي والعمل متعدد الأطراف.

 

وفي هذا الإطار، تبدو الشراكة المصرية الأمريكية مؤهلة لمواصلة تطورها، استنادًا إلى ما راكمته من خبرات مؤسسية، وما تتيحه من فرص للتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتنمية والسلام.

 

تم نسخ الرابط