7 رؤساء وزراء فشلوا فى حل الأزمات الاقتصادية
بريطانيا.. تبحث عن منقذ بعد عقد من الاضطراب السياسى
تحول المشهد السياسى فى بريطانيا إلى لعبة «كراسى موسيقية»، فخلال 10 سنوات فقط تولى 7 أشخاص منصب رئاسة الوزراء، فى رسالة بأن الدولة العظمى باتت لا تعرف معنى الاستقرار السياسى، فعلى مدى عقود طويلة، اعتاد البريطانيون أن يبقى رؤساء الحكومات فى مناصبهم لسنوات، كما حدث فى عهد مارجريت تاتشر، الملقبة بـ«المرأة الحديدية»، التى قادت البلاد لأكثر من أحد عشر عامًا، فى واحدة من أطول فترات الاستقرار الحكومى خلال القرن العشرين، لكن الوضع تغير بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبى «بريكست» عام 2016، فأصبحت استقالات رؤساء الوزراء مشهدًا متكررًا، وتحولت إلى جزء من المشهد السياسى البريطانى، بينما ظلت الأزمات السياسية والاقتصادية عصية على الحل، فكيف انتقلت بريطانيا التى لطالما قُدمت باعتبارها نموذجًا للاستقرار البرلمانى إلى مرحلة أصبح فيها تغيير رؤساء الوزراء أسرع من قدرة الحكومات على تغيير السياسات؟
بريكست وسنوات من الاضطراب السياسي
فى 23 يونيو 2016، خرج البريطانيون للإدلاء بأصواتهم فى استفتاء«بريكست» فوافق نحو 52 % من الناخبين على الخروج من الاتحاد الأوروبى، لتبدأ بذلك رحلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى بعد 47 عامًا من العضوية، وتكتب النهاية لواحدة من أكثر الحملات السياسية انقسامًا فى تاريخ البلاد.
ودفعت نتائج الاستفتاء رئيس الوزراء البريطانى فى ذلك الوقت ديفيد كاميرون إلى إعلان استقالته بعدما راهن على رفض البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبى، حيث بدت استقالة كاميرون وكأنها ثمن لخسارة الاستفتاء، وكان أول من دفع ثمن استفتاء بريكست، لكنه ليس الأخير.
فلم تكن استقالة كاميرون سوى البداية، ومنذ لحظة إعلان نتيجة «بريكست»، دخلت بريطانيا مرحلة من الاضطراب السياسى لم تشهدها منذ عقود، ووصفت وكالة رويترز فى تقرير تحليلى لها، السنوات التى أعقبت بريكست بأنها «عقد من الاضطراب».
ورغم أن مؤيدى البريكست رفعوا شعار«استعادة السيطرة» للتعبير عن الرغبة فى السيطرة على الحدود، والهجرة، والتشريعات الوطنية، والإنفاق العام، فإن السنوات التالية كشفت أن «استعادة السيطرة» لم تكن أمرًا يمكن حسمه فى صندوق الاقتراع، بل مسار طويل يتطلب توافقًا سياسيًا، ورؤية اقتصادية واضحة، وقدرة على تحويل الوعود السياسية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
بريطانيا بالأرقام.. عشر سنوات من التغيير
منذ استفتاء البريكست فى 2016، تعاقب على رئاسة الحكومة ستة رؤساء وزراء، ومع استقالة رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر مؤخرا تستعد البلاد لاستقبال رئيس الوزراء السابع خلال عشر سنوات، فى مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من عدم الاستقرار السياسى فى بريطانيا.
يونيو 2016 : فضل ديفيد كاميرون الاستقالة بعد خسارة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبى، معتبرًا أن تنفيذ إرادة الناخبين يحتاج إلى قيادة جديدة.
يونيو 2016 – يونيو 2019: خلفت تيريزا ماى رئاسة الوزراء بعد رحيل كاميرون وجاءت وفى جعبتها مهمة واحدة وهى المفاوضات لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى بأقل الخسائر الممكنة، لكن سنوات من الانقسامات داخل حزب المحافظين أطاحت بها بعدما فشلت فى تمرير اتفاق «بريكست» داخل البرلمان.
2019 - يوليو 2022: قاد بوريس جونسون المحافظين إلى أحد أكبر انتصاراتهم الانتخابية وتولى رئاسة الوزراء، وفى يناير 2020 نجح جونسون فى تنفيذ الخروج الرسمى من الاتحاد الأوروبى، لكن حكومته واجهت سلسلة من الفضائح السياسية اضطر على إثرها إلى الرحيل، أبرزها قضية الحفلات التى أُقيمت داخل مقر الحكومة أثناء الإغلاق المرتبط بجائحة كورونا.
سبتمبر 2022: تولت ليز تراس رئاسة الوزراء، لكنها استقالت بعد 44 يومًا فقط إثر تداعيات «الميزانية المصغرة»، التى أثارت اضطرابًا حادًا فى الأسواق المالية، وأدت إلى تراجع الجنيه الإسترليني.. وفى تحليل نشرته صحيفة الجارديان البريطانية أوضحت أن خطة تراس خلفت فجوة مالية بنحو 30 مليار جنيه إسترلينى، لتنتهى بذلك أقصر ولاية لرئيس وزراء فى تاريخ بريطانيا.
2022-2024: جاء ريشى سوناك فى محاولة لاستعادة ثقة الأسواق وتهدئة المشهد السياسى، إلا أن حكومته واجهت تحديات اقتصادية متراكمة، واستمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة والهجرة.
يوليو 2024- يونيو 2026: « قلنا إننا سننهى الفوضى وسنفعل» بهذه العبارة وصل كير ستارمر إلى مقاليد السلطة على وعد بإرساء الاستقرار وإنهاء مرحلة الاضطراب بعد سنوات من الفوضى السياسية، لكن حكومته واجهت الضغوط السياسية والاقتصادية نفسها للحكومات السابقة، وهو ما دفع ستارمر نحو إعلان استقالته.
ورغم اختلاف الشخصيات والخلفيات السياسية، فإن القاسم المشترك بين جميع رؤساء الحكومات أنهم وصلوا إلى السلطة بوعد استعادة الاستقرار، وغادروها قبل أن يتمكنوا من تحقيقه، وباتت استقالات رؤساء الحكومات فى بريطانيا هى عنوانًا لمرحلة ما بعد «بريكست».
لماذا أصبحت الحكومات البريطانية أقصر عمرًا؟
لم تنجح الحكومات المتعاقبة فى إنقاذ بريطانيا من تبعات الخروج من بريكست والصمود طويلًا أمام الأزمات الاقتصادية، وانقسام الأحزاب، وتراجع شعبية رؤساء الحكومات، والشعور بالضجر من غياب الرؤية، ورسم صورة واضحة للمستقبل.
الاقتصاد.. هو كلمة السر
تبدلت الحكومات، وتغيرت الأسماء والوجوه، لكن بقى لاعبًا واحدًا لا يغادر المشهد وهو الاقتصاد، فأصبح الاقتصاد هو العامل المشترك فى سقوط الحكومات المتعاقبة، وبات المعيار الذى يقيس به البريطانيون نجاح كل حكومة، فمنذ جائحة كورونا، ثم الحرب فى أوكرانيا، عانى الاقتصاد البريطانى من ارتفاع معدلات التضخم، وتباطؤ النمو، وزيادة تكاليف المعيشة، وكانت تجربة حكومة ليز تراس خير مثال على حساسية الأسواق تجاه القرارات الاقتصادية؛ إذ أدت خطتها المالية إلى اضطرابات فى أسواق المال وهو ما عجل باستقالتها، فى رسالة مفادها أن الاقتصاد بات قادرًا على إسقاط الحكومات.
انقسام الأحزاب
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد المعارضة تأتى من الخصوم السياسيين فقط، بل أصبحت تأتى من داخل الحزب نفسه، وتزايدت وتيرة الخلافات داخل الحزبين الرئيسيين (حزب المحافظين وحزب العمال)، اللذين لطالما سيطرا على المشهد السياسى البريطانى، وأدت هذه الانقسامات إلى صعود حزب الإصلاح البريطانى «Reform UK» بقيادة نايجل فاراج، وهو ما قلص من هيمنة الحزبين التقليديين وأعاد تشكيل خريطة المنافسة الانتخابية فى بريطانيا.
بريكست.. نقطة التحول
لم يكن بريكست مجرد استفتاء كتب النهاية لعضوية بريطانيا فى الاتحاد الأوروبى، بل كان بمثابة نقطة تحول أعادت تشكيل أولويات الحكومات المتعاقبة، فمنذ عام 2016، باتت ملفات التجارة والهجرة والعلاقة مع أوروبا جزءًا دائمًا من أجندة أى رئيس وزراء، وهو ما جعل إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه فى السابق.
وأظهر استطلاع للرأى أجرته مؤسسة «YouGov» البريطانية ونشرته وكالة رويترز أن غالبية البريطانيين يبدون ندمهم على الخروج من الاتحاد الأوروبى ولكن سرعان ما يتراجع هذا التأييد عندما تُطرح عليهم التكاليف المحتملة للعودة، خاصة ما يتعلق بالهجرة والجنيه الإسترلينى، وهو ما يجعل أى حكومة جديدة أكثر حذرا فى تقديم وعود أكثر جرأة بشأن مستقبل علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي.
تغيير الوجوه..أم تغيير سياسات؟
ربما كان الوقت هو ما احتاجته الحكومات البريطانية المتعاقبة لتنفيذ إصلاحات طويلة المدى، ولكن الناخب البريطانى لم يمنح أى حكومة رفاهية الانتظار.
فمع تراجع الثقة فى الأحزاب التقليدية، وتسارع الأزمات الاقتصادية، بات الرأى العام أقل استعدادًا لمنح الحكومات الوقت الكافى لتحويل وعودها لنتائج ملموسة.
بعد عشر سنوات، يبدو أن بريكست لم يغيرعلاقة بريطانيا بأوروبا فحسب، بل غير أيضًا قواعد اللعبة السياسية داخلها، ولم يعد السؤال: من سيكون رئيس الوزراء المقبل؟ بل هل ينجح أى رئيس وزراء فى استعادة الاستقرار المنشود؟ أم سيظل مكتب رئيس الوزراء بابًا دوارًا تتبدل خلفه الوجوه، بينما تبقى الأزمات أكبر من قدرة الحكومات على احتوائها؟
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



