الثلاثاء 07 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«ضمير الأمة».. الأزهر فى «بيان التاريخ»

بوابة روز اليوسف

لقرون طويلة؛ لم يكن الأزهر الشريف مَنارة للعِلم والوسطية فقط؛ بل كان «صمام أمان»، استندت إليه الدولة فى أصعب الظروف، فما بين مقاومة المحتل وصياغة الوعى الوطنى ونشر الإسلام الوسطى، ظل الأزهر أحد حراس «الهوية الوطنية» ضد محاولات قوى الشر والتطرف لطمسها، وخلال ثورة 30 يونيو لم يكتفِ بالمراقبة أو الحياد؛ بل أعلن بكل قوة انحيازه لما وصفه حينها بالإرادة الشعبية التى عبّر عنها ملايين المصريين فى الشوارع والميادين.


لماذا شارك شيخ الأزهر؟
 


تعرَّض الأزهر وشيخه لهجوم واسع من قيادات ورموز جماعة الإخوان الإرهابية عقب إعلان بيان 3 يوليو، وكان من أبرز المنتقدين يوسف القرضاوى الذى اتهم المؤسّسة الأزهرية بمخالفة الشرع، إلا أن الأزهر رد على تلك الاتهامات، مؤكدًا أن الإمام الأكبر لم يكن ليتخلف عن دعوة حضرها ممثلو القوى الوطنية والرموز السياسية والدينية المختلفة؛ خصوصًا فى ظل ما وصفه باستجابة المؤسّسة لصوت الشعب الذى عبّر عن نفسه بصورة سلمية.
 


وأكد الأزهر فى بيان رسمى، أن المشاركة جاءت انطلاقًا من المسئولية الوطنية، معتبرًا أن التخلف عن الحضور فى تلك اللحظة التاريخية كان سيُعَد تقصيرًا فى أداء الواجب تجاه الوطن.
 


وبَعد الثورة، أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب خلال لقائه برؤساء تحرير الصحف القومية والخاصة، أن الأزهر لو لم يساند ثورة 30 يونيو لكان فى «قائمة الخزى والعار»، مشددًا على أن المؤسّسة الأزهرية لم تكن بعيدة عن نبض الشارع المصرى وما شهده من حراك شعبى واسع.
 


كما نفى «الطيب»، وجود اختراق إخوانى للمناصب القيادية بالأزهر، مؤكدًا أنه لم يكن هناك منصب قيادى واحد تشغله عناصر إخوانية داخل المؤسّسة، وأنه سبق أن حذّر من أى محاولة للمساس بقانون الأزهر أو التأثير على استقلاله.
 


وكشف الإمام الأكبر، عن وجود محاولات جرت خلال فترة حكم التنظيم، لتعيين شخصيات محسوبة على الجماعة فى مواقع قيادية مؤثرة داخل المؤسّسات الدينية، مؤكدًا أنه تصدى لتلك المحاولات وتمسّك باستقلال الأزهر.
 


 حصار مشيخة الأزهر.. وضغوط الإخوان 
 


الموقف الأزهرى الداعم للإرادة الشعبية لم يمر دون رد فعل من الجماعة وأنصارها، فقد تعرضت مشيخة الأزهر لمحاولات ضغط متكررة، كان أبرزها قيام مجموعات من الدعاة المنتمين أو المحسوبين على جماعة الإخوان الإرهابية بمحاصرة مقر المشيخة مرتين عقب إعلان بيان 3 يوليو، استجابة لدعوات صدرت آنذاك عن نقابة الدعاة المهنية.
 


وحاول المشاركون فى تلك التحركات ممارسة ضغوط على الإمام الأكبر للتراجع عن موقفه المؤيد لخارطة الطريق، كما طالبوه بالحضور إلى اعتصام رابعة العدوية الإرهابى، إلا أن الأزهر تمسك بموقفه المعلن ولم يُبدّل رؤيته للأحداث.
 


ولم تقتصر المواجهة على الضغوط الخارجية؛ بل امتدت إلى الداخل أيضًا، ففى واحدة من أبرز الوقائع التى أثارت الجدل آنذاك، أوقفت جامعة الأزهر منح درجة الدكتوراه لأحد الباحثين بكلية الدعوة الإسلامية بعدما تضمنت رسالته هجومًا على ثورة 30 يونيو، وهو ما اعتبرته الجامعة توظيفًا سياسيًا للبحث العلمى.
 


وقرر الدكتور توفيق نور الدين، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث وقتها، وقف منح الدرجة العلمية للباحث، وإحالته إلى التحقيق، مع إحالة المشرفين على الرسالة أيضًا للتحقيق، إلى جانب مراجعة عدد من الرسائل العلمية للتأكد من التزامها بالمعايير الأكاديمية.
 


واعتبرت الأوساط الأكاديمية هذا القرار رسالة واضحة تؤكد رفض الجامعة توظيف البحث العلمى لخدمة أجندات سياسية أو حزبية، وتمسكها بدورها العلمى والفكرى المستقل.
 


 حائط صد لمخططات الإخوان
 


من جانبه أكد الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية السابق، أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة تحول مهمة أعادت الاعتبار للخطاب الدينى الوسطى الذى يتبناه الأزهر الشريف.
 


وأوضَح أن الجماعة الإرهابية، سعت خلال فترة حكمها إلى أخونة مؤسّسات الدولة وإحلال كيانات موازية محل المؤسّسات الرسمية، مشيرًا إلى أن المؤسّسات الدينية كانت ضمن الأهداف الرئيسية لهذه المحاولات.
 


وأضاف إن الجماعة حاولت ممارسة ضغوط كبيرة لتغيير المناهج الأزهرية وتوجيهها بما يخدم رؤيتها السياسية، وليس بدافع التجديد أو التطوير العلمى، مؤكدًا أن القيادة الأزهرية كانت واعية لهذه المخططات.
 


وقال إن الأزهر الشريف ظل حائط صد منيعًا أمام تلك المحاولات، وتمسّك بمنهجه الوسطى المستقل؛ رافضًا أى تدخل حزبى أو سياسى فى رسالته العلمية والدعوية.
 


وأشار مفتى الجمهورية السابق إلى أن استمرار تلك الضغوط لفترة أطول كان يمكن أن يؤدى إلى تغييرات خطيرة فى بنية المؤسّسة الدينية المصرية، إلاّ أنّ موقف الأزهر حال دون ذلك.
 


 موقف لم يتغير
 


ولم يقتصر دور الأزهر بعد 30 يونيو على المشاركة فى بيان 3 يوليو؛ بل امتد إلى مواجهة دعوات العنف والتكفير التى انتشرت خلال تلك المرحلة، وإصدار البيانات والفتاوَى التى تؤكد حرمة الدماء وضرورة الحفاظ على مؤسّسات الدولة ووحدة المجتمع.
 


كما عملت المؤسّسة الأزهرية على نشر خطاب التماسُك الوطنى ومواجهة محاولات بث الفتنة والانقسام؛ انطلاقًا من رؤيتها التى تربط بين حفظ الدين وحفظ الوطن باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لاستقرار المجتمعات.
 


وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث؛ لا يزال مشهد حضور الإمام الأكبر فى بيان 3 يوليو أحد أبرز المَشاهد المرتبطة بذكرى 30 يونيو، باعتباره تعبيرًا عن موقف أزهرى يرى أن حماية الدولة الوطنية والحفاظ على استقرارها مسئولية شرعية ووطنية فى آن واحد.
 


 التمسك بروح 30 يونيو
 


وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو؛ لا تزال المؤسّسات الدينية المصرية تؤكد موقفها الداعم لما تعتبره لحظة فارقة فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، باعتبارها ثورة جسّدت إرادة الشعب وحافظت على الدولة الوطنية ومؤسّساتها.
 


وفى هذا السياق؛ أكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف فى بيان بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة للثورة، أن 30 يونيو شكلت نقطة تحول فاصلة فى تاريخ مصر الحديث، بعدما عبّر المصريون من خلالها عن وعيهم وحرصهم على الحفاظ على هوية الدولة الوطنية واستعادة مسارها نحو البناء والاستقرار.
 


مشيرًا إلى أن مصر ما زالت تواجه محاولات لنشر الفكر المتطرف واستهداف عقول الشباب، مؤكدًا استمرار جهوده فى مواجهة التطرف ونشر الوعى وترسيخ قيم الانتماء والولاء للوطن.
 


وفى الإطار ذاته؛ تقدَّم فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بخالص التهنئة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي والشعب المصرى بمناسبة ذكرى ثورة 30 يونيو، مجددًا دعوته إلى مواصلة العمل والإنتاج وبذل الجهود من أجل رفعة الوطن وبناء مستقبل يليق بمكانة مصر وتاريخها.
 


وأكد شيخ الأزهر أن الحفاظ على مكتسبات الوطن يتطلب تضافر جهود جميع أبنائه، داعيًا الله أن يحفظ مصر ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والتقدم.
 


 رؤية دولية..ثورة أعادت رسم مستقبل الدولة الوطنية
 


وعلى المستوى الفكرى والدولى، يرى الدكتور عبدالحميد متولى، رئيس مجلس الأئمة بأمريكا اللاتينية، أن ما أعقب الثورة من جهود فى مكافحة الإرهاب، وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى، وتعزيز مفهوم المواطنة، واستعادة الدور الإقليمى والدولى لمصر؛ يعكس حجم التحولات التى شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
 


وأضاف، إن المواقف المتتالية من الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف تعكس استمرار الرؤية التى تبنتها المؤسّسات الدينية منذ عام 2013، والقائمة على اعتبار ثورة 30 يونيو محطة وطنية استهدفت الحفاظ على الدولة ومؤسّساتها وصيانة هويتها الوطنية فى مواجهة التحديات المختلفة.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط