بعضهم يبحث عن أثرٍ يبقى بعد أن يرحل
حين يصبح الحلم وطنًا
هناك بطولات لا تُمنح فيها ميداليات.. ولا تُعزف لها موسيقى النصر.. ولا يقف أصحابها فوق منصات التتويج.
بطولات تولد بصمت داخل قلب إنسان قرر أن يمشي وحده، بينما كان الجميع يبحث عن الطرق الأسهل.
الحياة عادلة مع البعض، تمد لهم الطرق الممهدة، وتفتح لهم الأبواب قبل أن يطرقوها.
لكنها مع آخرين تختبرهم منذ الخطوة الأولى، فتمنحهم طريقًا مليئًا بالحفر، ثم تراقب في صمت.. هل سيواصلون السير.. أم سيتوقفون عند أول عثرة؟
وهناك قلة نادرة لا تنتظر أن تجد طريقًا أصلًا.. بل تصنعه.
هذه ليست مجرد قصة لمصورة صحفية شغوفة تحب عملها..
وليست حكاية فتاة اجتهدت وتفوقت لتصل إلى كلية الإعلام..
ولا صحفية نجحت وتوجت بالعديد من الجوائز الصحفية..
هذه حكاية إنسان آمن أن قيمة الحلم لا تُقاس بما وصلت إليه، بل بما أنت مستعد أن تدفعه من عمرك في سبيله، منذ سنواتها الأولى.
لم تكن تبحث عن وظيفة.. بل كانت تبحث عن معنى
كانت تعرف أن العالم يمتلئ بالمصورين.. لكن القليل فقط يستطيع أن يلتقط صورة.. ثم تتحول تلك الصورة إلى ذاكرة لا تموت
ولهذا...
كانت تعتبر كل خطوة تدريبًا لما بعدها.
وكل نجاح مجرد بداية جديدة
كان بإمكانها أن تتوقف، فما حققته كان كافيًا ليشعر كثيرون أنهم وصلوا.
تفوق أكاديمي...
عمل صحفي...
عضوية نقابة...
واسم محترم ومحترف في بداية الطريق.
لكن بعض الأرواح لا تعرف معنى الاكتفاء.
كلما بلغت قمة لم تنظر إلى أسفل.. بل رفعت رأسها لتبحث عن جبلٍ أعلى
لهذا كانت تحزم حقائبها وتسافر، ليس لأن السفر رفاهية
بل لأن الأحلام الكبيرة لا تعترف بالحدود.
كانت تصل إلى مدن لا تعرف لغتها، وتلتقي وجوهًا لم ترها من قبل، فتكتشف في كل مرة أن الإنسان هو الإنسان، حتى وإن اختلفت الألوان، واللغات، والأوطان.
لم تكن تعمل من أجل المال، فالمال في النهاية مجرد بضعة أوراق وأرقام، أما الخبرة فهي الشيء الوحيد الذي كلما أنفقته ازددت ثراء.
كانت تستثمر في نفسها، في عينها، في ذائقتها الحسية وفي قدرتها على رؤية التفاصيل التي تمر بجوار الجميع ولا يراها أحد.
لكن الطريق الذي يقود إلى الأحلام لا يخلو أبدًا من العواصف، نعم مرت كثيرًا بلحظات شك، وأيام ثقال، وأبواب أُغلقت في وجهها، وأوقات شعرت فيها أن الطريق أطول من قدرتها على الاحتمال.
كان يمكن أن تستسلم كما يفعل كثيرون، وفي حالتها لن يلومها أحد، فقد بذلت أقصى جهدها ولم تهتد إلى الطريق بعد.
لكنها كانت تمتلك شيئًا لا يُشترى.. إيمانًا صادقًا بنفسها ويقينًا راسخًا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ذلك اليقين كان بوصلتها الربانية الوحيدة، كان يمسك بيدها، كلما أوشك اليأس أن يتملك قلبها.
هناك فرق كبير بين من يريد النجاح، ومن يريد أن يترك أثرًا، الأول يتوقف عندما يصل، أما الثاني فيبدأ رحلة جديدة، كلما ظن الناس أنه انتهى.
ولهذا لم تكن سماح تبحث عن صورة جميلة، بل كانت تبحث عن صورة ذات معنى، ولقطة تقول شيئًا عن لحظة يعجز الكلام عن وصفها، وعن زاوية تجعل العالم يرى ما لم يكن يراه.
وأعترف أنني في لحظات كثيرة حين كانت الحياة تضيق، ويصبح الحلم أثقل من قدرتي على حمله، كنت أبحث عن نموذج يعيد إليّ إيماني بأن المستحيل ليس سوى فكرة.
وكانت رحلة سماح زيدان واحدة من تلك النماذج، لم يلهمنِ ما حققته، بقدر ما ألهمني كيف حققته، لأن الظروف قد تؤخر الإنسان، لكنها لا تستطيع هزيمته إلا إذا سمح لها بذلك.
ولهذا لا أظن أن أجمل ما حققته صورة التقطتها، ولا بطولة غطتها بعدستها، أجمل ما حققته أنها أثبتت أن الطريق لا يضيء من تلقاء نفسه بل يضيئه الذين يواصلون السير فيه مهما اشتد الظلام.
سيأتي يوم ينسى الناس أسماء كثيرين لكنهم لن ينسوا أبدًا إنسانًا أعاد إليهم الإيمان بأن الأحلام تستحق أن تُطارد.، وأن التعب ليس ثمن النجاح بل اللغة التي يكتب الله بها أجمل النهايات.
ولعل سماح زيدان ليست مجرد مصورة رياضية تحمل كاميرا، بل راهبة لرسالة إنسانية هادئة تقول لكل من أوشك على الاستسلام: لا تتخلَّ عن حلمك.. فقد يتأخر موعده، لكنه حين يأتي سيجعل كل خطوةٍ تعبت فيها، تبدو وكأنها كانت تستحق العمر كله.
شكرًا... سماح زيدان.



