الإثنين 10 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
اللعب بالنار

اللعب بالنار

عندما تولى جمال عبدالناصر حكم البلاد واستقر حكمه بعد الانتصار السياسى فى حرب السويس. تيقن أن الإمبراطورية القادمة عبر المحيط تنسج شبكة واسعة ومعقدة من تحالفات التيارات الدينية المختلفة فى مصر. فالتفت سريعا إلى الأزهر قبل أن يصل إليه يد السعوديين. إلا أنه كان بجواره محمد أنور السادات اللاعب الأخطر فى لعبة الأديان فى الشرق الأوسط. 



 

جربت المخابرات الأمريكية استغلال مصر كمركز للوصول إلى الناشطين الإسلاميين فى الشرق الأوسط وإفريقيا. كان الوسيط فى تلك الجهود هو محمد أنور السادات. منذ الحرب العالمية الثانية كان السادات مقربًا من الإخوان المسلمين وكان همزة الوصل بين الجماعة والضباط الأحرار فى الأربعينيات ومطلع الخمسينيات. دخل السادات على جمال عبدالناصر بفكرة إنشاء المؤتمر الإسلامى وعندما وافق ناصر عليها عين السادات رئيسًا له.

كان جمال عبدالناصر فى مراحل الصراع مع السعوديين والإخوان المسلمين يزايد عليهم تكتيكيا بعملين يبدوان متناقضين من الخارج لكنهما يؤديان إلى نتيجة واحدة. حيث جعل مادة الدين مادة أساسية فى مختلف مراحل التعليم تؤدى إلى الرسوب أو النجاح كغيرها من المواد العلمية. وفتح جامعة عصرية داخل الأزهر بالقانون رقم 103 لسنة 1961م حيث تحول النظام التعليمى إلى النظم التعليمية الحديثة مقصورة على الطلاب المسلمين فمن يرغب فى دراسة الطب أو الهندسة أو الزراعة إلى جانب المواد الدينية . لقد أدى العملان رغم تناقضهما إلى حضور طائفى جديد على مصر إذ بدأ تلاميذ المدارس يعرفون التفرقة الدينية وهم بعد صغار كما أنهم مسلمون ومسيحون بدأوا يولون القيم الدينية اهتمامًا زائدًا خوفًا من السقوط ويتدرج بغالبيتهم الأمر إلى تغليب الفكر الدينى فى غياب الفكر العلمى ثم إلى تغليب الحس الدينى على الحس الوطني والقومى. أما بالنسبة للطبيب الأزهرى أو المهندس الأزهرى أو الصيدلى الأزهرى فلم يكن يتخرج فى الحقيقة طبيبا أى (علميا) خالصا أو أزهريا (عالما بالدين) خالصا بل كان التركيب الجديد هو التطرف الدينى المعادى للعلم إلا كوسيلة لصنع القنابل .

فليست صدفة أن كثيرا من خريجى الجامعة العصرية للأزهر يتحولون إلى إخوان مسلمين وغيرها من المنظمات السياسية الدينية المتطرفة. وفى 29 مارس 1964 أصدر ناصر قرارا آخر لمزيد من السرعة فى السباق على لعبة الدين بافتتاح إذاعة القرآن الكريم . كان ذلك يوم الأربعاء الموافق 25 مارس فى السادسة صباحا حينما بدأ البث . كان ناصر أسرع من تحركات السعوديين. لكن العالم كان يتغير. ومقبلا على حقبة زمنية مفزعة. كانت المخابرات الأمريكية مشغولة بالتخلص من الرؤساء والزعماء من مصر إلى جواتيمالا إلى الكونغو. من فرنسا وألمانيا إلى الهند وإندونيسيا وإيران. ليس لأنهم من الشيوعيين بل بسبب مواقفهم المستقلة التي جعلتهم يظهرون منحازين إلى جانب ما ولا يمكن الثقة فيهم فى الحرب الباردة بين القوتين الأعظم . فقد خرج المستشار كونراد هيرمان يوسف أديناور الرجل العجوز مؤسس ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وتبعه شارل ديجول ثم مات جمال عبدالناصر موتا غامضا. وكان قد ظهر فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ملكا المملكة العربية السعودية الثالث والحاكم السادس عشر من أسرة آل سعود والابن الثالث من أبناء الملك عبدالعزيز الذكور من زوجته الأميرة طرفة بنت عبد الله بن عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن آل الشيخ حفيد إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب . قدوم فيصل كان بانقلاب على الملك سعود . وفى عام 1971  بعدما رتبت المخابرات الأمريكية كافة الجبهات إما بالاغتيالات أو بالانقلابات. تم توزيع الأدوار من جديد. وكان لفرنسا دور مهم وخطير.

يبدو محايدا. حيث كانت خطة ألكسندر دى مارانش مدير جهاز أمن الدولة ومكافحة الجاسوسية بفرنسا (أحد أهم حلفاء ريجان فيما بعد وهو صاحب أخطر مقترح لفريق عمل ريجان قضت على الجيش السوفيتى فى أفغانستان). كانت خطة دى مارانش هى التعاون مع الإسلام الذي رآه قوة صاعدة ومؤثرة مع تراجع الفكر القومى بعد 1967. وكان اقتراب مارانش من هذا الهدف باقتراح حوار بين المسيحية والإسلام. والدولة الإسلامية المهيأة لهذا الدور فى رأيه مظهرًا وجوهرًا هى المملكة العربية السعودية. بدأت وفود علماء دين سعوديون يتوافدون على باريس كما أن وفودا علمية مقابلة مسيحية توجهت إلى جدة تحت عنوان ما أطلق عليه فى ذلك الوقت الحوار الإسلامى المسيحى . لكن مفتى السعودية فى ذلك الوقت الشيخ عبدالعزيز بن باز اعترض على المشروع من أساسه. فقد كان حسبانه عندما  سمح باللقاءات أن فرنسا تريد أن تتعرف على الإسلام لكنه عندما وجد الموضوع حوارًا تغيرت فتواه إلى الاعتراض والإنكار وتجمد المشروع . إلا أنه فى مصر كانت الأمور تسير بأسرع مما كان يتخيله دى مارانش. حيث لعب أنور السادات أخطر ألعابه السياسية التي دفع هو ثمنها غاليا وكان الثمن حياته بعد أن انتهى دوره كما انتهى دور فيصل فى المملكة. حيث عاد إلى الظهور فى منتصف السبعينيات الاستقطاب الطائفى المتطرف الذي عرفته مصر عام 1954 على نحو أكثر تركيبًا وتعقيدًا. فقد ظهرت جماعات أخرى كشباب محمد وجند الله والشكريين (نسبة إلى مصطفى شكرى زعيم الجماعة المسماة بالتكفير والهجرة) بجانب الإخوان المسلمين .

كما ظهرت جماعة الأمة القبطية التي ارتدت ثيابًا جديدة لا علاقة لها بالاسم القديم ولا الشعارات القديمة ولم تعد فى مواجهة الكنيسة بل تستظل بالكنيسة أى أنها راحت تعمل فى إطار الشرعية. كان ذلك متزامنًا مع التمهيد لاتفاقية سيناء الثانية وحرب لبنان الذي انطلق الرصاص الطائفى فى صدره وأعلن الرئيس السادات أثناء مروره بقناة السويس فى الذكرى الأولى لافتتاحها أنه لا يخون الشيخ بيار الجميل ويؤمن بعروبته. وفى الوقت نفسه أعلن فجأة إحصاءً سكانيًّا جديدا فى مصر يقول إن عدد المسيحيين المصريين يبلغ حوالى مليونين وثلث المليون.

لم تكن هناك أية مناسبة لإحصاء من هذا النوع ولكن أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة وكذلك الصحف راحت تشيع الرقم المثير بكثافة لافتة للانتباه. ثم تقدم الأزهر فجأة أيضا بمشروع قانون الحدود وهو القانون المستوحى بكامله من الشريعة الإسلامية بقطع يد السارق ورجم الزانية وإعدام المرتد عن الإسلام إلى مجلس الشعب لإقراره. تلك كانت مناورة النظام فى الرد على التطرف الدينى داخليا وتغطيته لاتفاقية سيناء الثانية بدعم أكبر الأحزاب الطائفية فى لبنان. يحاول أن يكون أكثر إسلامًا من الجماعات الإسلامية المنظمة داخل مصر. وأن يكون أكبر الحلفاء للحزب المسيحى فى لبنان.

وجهان لعملة واحدة. فالفعل ورد الفعل الطائفيين قد صدرا أصلًا عن المصادر الرسمية . فالتعداد تقوم به الحكومة مباشرة ومشروع القانون بإقامة الحدود تقدم به الأزهر وليس الإخوان المسلمين وهو الجهة الدينية الرسمية. كما أن الاحتجاج المسيحى لم يأت من جماعة الأمة القبطية أو حتى مدارس الأحد بل جاء من القساوسة والأساقفة والمطارنة ثم البطريركية فالقصر البابوى نفسه.

ولما كان الأزهر يستقطب قطاعًا جماهيريًّا أعرض من أية منظمة دينية متطرفة فى تاريخ مصر ولما كانت الكنيسة تستقطب قطاعًا جماهيريًّا أعرض من أية منظمة قبطية متطرفة فى حياة البلاد فعلينا أن نتصور الهزة العميقة والواسعة التي أصابت المصريين جميعًا. لم يكتف السادات بألعابه الدينية بل اتجه إلى الأزهر. لقد غيّر السادات مجرى التاريخ.