الجمعة 27 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : أيمن عبد المجيد

انفجرت في الوسط الصحفي، قنبلة اتهام ما يقارب الألف من الصحفيين المصريين بالكسب غير المشروع عبر تقاضي عمولات إعلانات بالمخالفة لقانون الصحافة وميثاق الشرف الصحفي الذي يحظر على الصحفي جلب إعلانات وبالتبعية تقاضي عمولات عن ذلك.
وتلك المشكلة وما يصاحبها من خلط الإعلان بالتحرير، وغض الطرف عن فساد أو الترويج لشخوص مقابل جلب إعلانات أو الابتزاز ، كثيراً ما تطرق لها كتاب غيورين على مهنة الصحافة وألمح إليها مرشحين لمقعد نقيب الصحفيين وعضوية المجلس في دورات متعاقبة دون أن يتجرأ أياً منهم على إجراء تلك الجراحه الخطرة للجسم الصحفي لعلاج هذا المرض وإستئصال الورم الخبيث من جذورة، الأمر الذي أدى إلى إستشراء الورم والأمتداد إلى مساحات أوسع من الجسد .
انتشار المرض جعل الضغط عليه سبباً في تداعي قطاع كبير من الأعضاء له بالسهر والحمى، خشية أن تطالهم الملاحقات، غير أن توقيت تفجير القضية وآليات التعامل معها، في إعتقادي مشبوه ولا يستهدف الإصلاح بقدر إستهداف الضغط السياسي، إذا لم تكن سوء تعامل مع المرض لضعف خبرة المسئولين بالدولة عن هذا الملف والتعامل مع القضية بشكل قشري.
في البداية أن تفجير هذه القضية في هذا التوقيت، وعن طريق جهاز الكسب غير المشروع، والترويج لها إعلامياً، هدفه الضغط السياسي على الصحفيين، وتشويه الصورة الذهنية لهم أمام الرأي العام ، لإضعاف قدرة الجماعة الصحفية والإعلاميين على التأثير ، عند نقد النظام الحاكم ، وإيفاد رسالة للمجتمع مضمونها أن هؤلاء الصحفيين الذين يتحدثون عن الفساد وعن الفقراء والبسطاء هم فاسدون ويتقاضون الملايين بالمخالفة  للقانون.
والدليل على أن مجلس الشورى لا يستهدف الأصلاح بقدر إستهداف ، الضغط  السياسي هو أن مجلس الشورى هو من عين من رؤساء التحرير من عمل بجلب الإعلانات، ومن رؤساء مجالس الإدارات من لازال متهم في قضية الحصول على أموال أجنبية، ولم يصدر بحقه حكم نهائي وبات بالبراءه.
الجانب الأخر هو أن النظام السابق استهدف  إفساد الصحفيين عبر آليات عده منها خنقهم إقتصادياً، لدفع عدد منهم  ممن لديه قابلية للعمل بالاعلان، والابتزاز أحياناً وربط مصالحه برجال الأعمال، وبالتالي أحكام السيطره عليهم إلى جانب آليات إفساد عده ليس مجلها الآن، وجاء النظام الحالي للعب بالأوراق التي صنعها النظام السابق لاستكمال ورقة السيطرة.
ولا أكون مبالغ إذا قلت أن مجالس نقابة الصحفيين المتعاقبة، ساهمت في إفساد الصحفيين، بعجزها وتجاهلها لحل أزمة تدني مستوى الأجور والتصدي لخلط الإعلان بالتحرير، بل تخازلت في العمل على هيكلة المؤسسات بما يحولها لمؤسسات ربحية لديها إدارات إعلانية متخصصة.
فكثيراً ما طالبنا النقابة بتشريع قانوني يلزم الإدارات بإستقطاع نسبة 5 % من الإعلانات لصالح صندوق بكل مؤسسة يسمى صندوق دعم الأجور والتميز المهني يوزع حصيلته على الصحفيين وبالتالي يستفيدون من الإعلانات دون أن يكونوا شركاء في جلبها ودون أن تربطهم مصلحة مباشرة مع المعلن فتنتفي شبهة المجاملة أو الابتزاز أو غض الطرف عن فساد.
جانب أخر هام في القضية وهو أن  المؤسسات القومية تأن من ضعف الموارد مقارنه بالنفقات إلى جانب مطالبة الحكومة للمؤسسات بسداد مستحقات ديون عن 20 سنه ماضية تقدر قيمتها في المؤسسات مجتمعة ب 8 مليارات جنية، القيمة العظمى من المبلغ فوائد على أصل الدين، ومن ثم فأن المؤسسات ترحب بجلب الصحفي للإعلان للخروج من المأذق المالي ولتوفير الأجور في الوقت الذي يتخاذل فيه مجلس الشورى عن دعم الأجور بالمؤسسات، لذا  تجد بعض الصحفيين جالبي الإعلانات يتحدث مع مؤسسته وكأنه يمن عليها وعلى زملاءه بأن جلب إعلانات والبعض يبالغ بالقول :" أنا الذي أوفر لكم الأجور".
ربما قال مجلس الشورى الذي ينوب عن المالك ليس مهمتنا معالجة عجز الإدارة عن سداد عجز الموازنة، لكن الرد عليه من الجماعة الصحفية هو أنك يا مجلس الشورى الذي سيطر علية الحزب الوطني في العهد السابق وسيطر عليه حزب الحرية والعدالة في العهد الحالي من يعين رؤساء مجالس الإدارات و6 من الأعضاء أي أغلبية المجالس وأنت من يعين القيادة التحريرية، وبالتالي تقع عليك المسؤلية حال الفشل، كما أن المعوقات لها جذور من عهود سابقة والتبعية تقع على كاهل الحكومة أيا كان توجهها وبالتالي لا بد من إسقاط الديون المتأخرة أسوه بما حدث من قبل مع رجال الأعمال المتعثرين قبل أي حديث عن إصلاحات.
جانب أخر من الآزمة أن رؤساء تحرير هم من يجبرون المحررين على جلب الإعلانات بصحف خاصة وحزبية، لدرجة أنهم يربطون تعيينهم ومن ثم حصولهم على عضوية نقابة الصحفيين بمدى قدرتهم على جلب الإعلانات، ومن الصحف من لا يمنح الصحفي أجر مقابل أن يتربح فقط من عمولات الإعلانات ثم مستقبلا يكون دخله منحصر في بدل التكنولوجيا والتدريب الذي يحصل عليه بعد قيده في جداول النقابة.
إذن هناك أبعاد كثيرة ومتشعبه، ومن الصحفيين من يكاد تكون مهمته الاساسية جلب الاعلانات وحصوله على صفة صحفي مجرد ستار  تسهل له الكتابة لمجاملة هذا والترويج لذاك مقابل الحصول على إعلانات وشهد الوسط الصحفي حالات إصدار البعض لصحف برخص أجنبية كل مهمتها الابتزاز وتحصيل الإعلانات.
فمن الخطأ أن تدفن الجماعة الصحفية رأسها في الرمال، أو أن تتخذ موقف دفاعي عن باطل بدعوى التصدي للهجمة على حرية النشر ألا إذا كان النشر بات نشر إعلانات!!! .. إلى جانب أن هناك من خلط إعلان بتحرير وحصل على عمولات باسماء وهمية فلن تطاله تلك الملاحقات القضائية.
كما أنه من الخطأ أن يستخدم النظام الجديد القضية لتصفية سمعة الصحافة المصرية، فإذا كان بالصحافة المصرية تجاوزات مهنية فهي صاحبة دور وطني وتاريخي وبها من الشرفاء والكفاءات من هم قادرون على معالجة أمراضها عبر الحوار النقابي والمحاسبة النقابية والصحافة نالها في العهد السابق ما نال كافة مؤسسات الدولة، ثم أن النظام الحالي وسلوكة السياسي غير بريئ من محاولات الفساد أن لم يكن الفساد، والصحافة ستظل رقيب على السلطة لصالح المجتمع تنبأ  وتتنبأ بما يمكن أن تؤل له البلاد في ظل تخبط القرار السياسي وهذا حقها.
لذلك فأن القضية تتطلب حلول جذرية.
أولاً: اعتراف نقابة الصحفيين بأن جلب الصحفي للإعلان جريمة مهنية، وألا أن تعلنوا صراحة بأن شيوخ المهنة الذين صاغوا قانون النقابة وميثاق الشرف الصحفي أمثال العظماء كامل زهيري وفليب جلاب وصلاح الدين حافظ كانوا على خطأ عندما جرموا عمل الصحفي بالإعلان، وأن تطرح النقابة فلسفة بديلة لفلسفة شيوخ المهنة من التجريم، ففلسفة العظماء أن الصحفي مندوب عن المجتمع في مراقبة السلطات يعمل لصالح القارئ ولا يجب أن تربطه مصلحه مع المصدر فعندما يمنحه المصدر إعلانات فأنه سيقع في حرج على أقل تقدير وسيغض الطرف عن فساد المصدر حال وجوده، بل وسيدلس، ويخدع المجتمع حال نشر إعلانات ترويجية على أنها مادة تحريرية.
ثانياً: تطلب النقابة أن يحال لها الملف، وأن تتولى هي بصفتها صاحبة الولاية على الصحفيين، والمسئولة عن الدفاع وحماية المهنة وشرفها، محاسبة الأعضاء الخارجين على الميثاق و ليس جهاز الكسب غير المشروع .
ثالثاً: تشكل النقابة لجنة من شيوخ المهنة ومندوبين من أجيال عمرية مختلفة من المشهود لهم بالنزاهة والمهنية ومن لم يتورطوا في جلب إعلانات ، تتولى هذه اللجنة عقد لجان إستماع وتخرج بمذكرة نهائية تعرضها على المؤتمر العام الخامس للصحفيين.. للدراسة واتخاذ القرار.
رابعاً: تقسم اللجنة المختصة الاسماء المتهمة في قضية الإعلانات والمعروف عنها جلب الإعلان حتى ولو كان باسماء غير الصحفيين، وتدرس مضامين أعمالهم التحريرية في تغطية أخبار مصادرهم وملفات اختصاصهم ، ليكون العقاب على الأبتزاز أو الترويج بخلط الإعلان بالتحرير فهذا هو المقياس من ضلل الرأي العام أو دافع عن فساد او إبتز، وخبراء المهنة قادرون على كشف ذلك ومن يكتشف أرتكابه لهذه الجرائم المهنية يعاقب نقابياً عبر لجنة التحقيق النقابية، ويلزم باستراد نسبة  70% مما تقاضاه لصالح صندوق دعم الاجور والتميز بمؤسسة الصحفية وجذء من المبلغ يذهب لصالح صندوق بالنقابة لدعم جوائز التفوق الصحفي.
خامساً: من لا يثبت ارتكابه لجريمة خلط الإعلان بالتحرير او الترويج لمصدره والتستر على فساده مقابل الإعلانات، يمكن أن يرد نسبة  50% من عمولات الاعلانات لصندوق دعم الاجور والتفوق المهني مع إعفاءه من العقوبة النقابية مع لفت نظره وإقراره بعدم العمل بالاعلان.
سادساً: يعمل المؤتمر العام للصحفيين على وضع تصور لتعديل تشريعي لقانون نقابة الصحفيين، يكفل بالاساس أجر عادل للصحفي يفي بمستحقاته ويضمن كرامته، مع ضبط آليات اختيار رؤساء ومجالس الإدارات بالصحفة القومية عبر آليات تضمن مشاركة الجمعية العمومية في الاختيار، وألزام الصحف الخاص والحزبية بتمثيل للصحفيين عبر الانتخاب بمجالس إدارتها، وضمان توفر هياكل مالية وحقوق الصحفيين بالجرائد الجديدة قبل منحها الترخيص، وأن تنشأ بأعضاء نقابيين.
وهناك الكثير من الرؤى لإصلاح المهنة لا يتسع لها المقال، لكن المؤكد أن نقابة الصحفيين يجب أن تكون هي الحامية لسمعة المهنة والمحفزة للمتميزين والمعاقبة للمخالفين لمواثيق شرفها، وألا ستكون النقابة شريكة في منح المتربصين بالصحافة فرصة النيل منها وتشويه صورة المهنة مجتمعياً، فالصحافة ستظل محاربة للفساد وناقده للسلطة لصالح المجتمع وستظل السلطة متربصه بها أو ساعية لتقليم أظافرها ما بقيت الحياة.
تم نسخ الرابط