في عالم القرية اقتراب بشري نادر، تواريخ مشتركة وحكايات تبقى لأجيال، في القرية يبقى الغريب غريباً إلى أن يرى الناس أهله، فهو مطالب بتقديم وثيقة قبول اجتماعي يرى الناس أباه وأمه وإخوته، بل وما هو متاح من وثائق تؤرخ لقصة حياته، لا يكفيه المال وحده، ولا رفقة المقهى ولا صخب ألعاب التسلية كي يصبح من أبناء القرية.
وهذا ما حدث مع سنتياغو نصار عندما جاء إلى القرية المنعزلة في قصة موت معلن، وهذا ما يحدث مع كل من يذهب للقرية في كل مكان حول العالم من قديم الأزل إلى يومنا المعاصر.
نزلت الأديان السماوية لتخاطب أهل القرى كثيراً على وجه التخصيص، لأنهم جماعة بشرية متلاصقة متداخلة تصنع تاريخها المشترك وقيمها وأعرافها وتقاليدها.
هناك في القرى أنت في تشاركية تخفي فكرة الخصوصية والحرية الشخصية، كما أنك محكوم بقدر القرية فيما يتعلق بالواجب الاجتماعي والشرف والذهاب للمسجد والكنيسة وطريقة ارتداء الملابس، ما هو مقبول وما هو عيب، ففي القرية مراقبة مستمرة تحكم الاختيارات الحاسمة في كل المواقف، وفي ذلك تتراجع قدرة الفرد على الاختيار الحر المختلف مع التقاليد الاجتماعية التي من فرط قسوتها تصبح هي القدر الذي لا فكاك منه.
هكذا حكى الروائي الكبير ماركيز حكاية مقتل سنتياغو نصار، الذي اتهمته أنخيلا العروس التي أعادها زوجها لبيت أهلها، لأنها لم تكن عذراء، بأنه هو الذي أفقدها عذريتها، فقام الشقيقان بقتل نصار علانية بالسكاكين أمام الجميع.
وقد ظل الشقيقان المنفذان لمشيئة القدر يعلنان في كل مكان أنهما سيقتلانه عسى أن يمنعهما أحد ولم يعرهما أحد اهتماماً، فذهبا لمذبح القدر من أجل الشرف.
يذكرني ماركيز الرائع وواقعيته السحرية وعالم أمريكا اللاتينية والثقافة الإسبانية المشبعة بمفاهيم الشرق، الشرقية التقليدية، التي تعاني فيها المرأة من كون جسدها مادة أساسية لشرف العائلات، بينما الغواني المحترفات يمرحن في بيوتهن السرية، ويذهب إليهن رجال العائلات ذاتها.
وهنا التناقض في مفهوم الجسد الإنساني الأنثوي بين عفة العذرية وحرية التعدد اللانهائي للغواني، وهو جوهر الشعر عند ماركيز في قصته موت معلن.
وقد عادت إلى ذاكرتي مرة أخرى تلك السخرية العبقرية لماركيز وتفكيكه للحمق الريفي الذي ينسى الفقر والجهل والمرض ليحصر الشرف في مسألة العذرية وأجساد الفتيات، بمناسبة النقاش المحتدم حول قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي أثبت حقاً بكل جدارة أن الفتاة والسيدة في عالم الزواج الشرعي يتم النظر إليها كمادة ومعيار للشرف، وليس كإنسان يعيش بيننا شأنه شأن الرجل، ليصبح السؤال ماذا عن عذرية الفتى وعذرية الرجال!؟ ولماذا يتم إعلان الغضب عندما تمنح المرأة بعضاً من الحرية وقدراً من القدرة على اتخاذ القرار؟
لم تحب أنخيلا عند ماركيز زوجها قبل الزواج، ولكنها رفضت خداعه بحيل العذرية الشهيرة عبر التاريخ، ولون الدم الأحمر الشهير، وتركت نفسها للقدر وكان ما كان، ولما عادت لبيت أبيها كانت قد رقت لزوجها وصدمته، ولم تنس كيف كانت دافئة بين يديه ليلة واحدة، فظلت لمدة ربع قرن ترسل له رسائل الحب، ولم تتزوج غيره، ولم تغادر القرية حتى أعادها زوجة وحبيبة معاً، وليس مجرد فتاة عذراء تزوجها دون سابق معرفة، ثم تأسست علاقة جديدة بينهما تقوم على الصدق والحرية والتسامح.
لست مع القانون ولست ضده في هذه السطور، ولكني أستعيد من خلال ماركيز ثقافة القرى.
في عالم هو قرية صغيرة الآن، لا يزال هذا الانفصام في النظر لجسد الأنثى كمادة للشرف، وكمادة للمتعة، كجسد يجب أن يغطى تماماً وكجسد عار تقريباً يرقص حراً في الملاهي الليلية وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعضهن يذهبن إلى السجن، وأخريات يحصدن المال والشهرة، وبعضهن يقتلن في البيوت، وبعضهن قيد العنوسة الرهيبة وازدياد معدلات الطلاق.
فهل يتحرر عالمنا المعاصر الذي هو قريتنا الواحدة حقاً من ازدواجية النظر لجسد المرأة، ومن إدماج أجساد النساء في مفهوم القدر؟
حقاً نحتاج لحوار جاد ولعقد اجتماعي يتفهم القواعد الشرعية في الديانتين الإسلامية والمسيحية كما يتفهم التقاليد والأعراف الاجتماعية، وأيضاً يحافظ على متعة المرأة في أن تقول لزوجها كل فترة أريد الطلاق ولا يطلقها.



