الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حسنا فعلت دار الكتب والوثائق القومية عندما تراجعت عن قرارها بإلزام الناشرين تقديم نسخة «وورد» من المؤلفات المطلوب حصولها على رقم إيداع، التراجع جاء بعد انتقادات واسعة شهدها الوسط الثقافى ومخاوف من تشديد الرقابة على الإبداع وإمكانية السطو على النص أو التلاعب فيه، لأن نسخة «وورد» تتيح التدخل فى النص بالحذف والإضافة. القرار وصف بأنه رقابة مسبقة على الإبداع والأفكار، ويحول دار الكتب من هيئة للتوثيق والأرشفة إلى هيئة رقابة ويخرجها عن دورها المنوط بها قانونا. ووصل الهجوم إلى السخرية المرة والكوميديا السوداء عندما تخيل البعض حال المؤلف وهو ينتظر مثل القراء بشغف كتابه حتى يصدر ويقرأه بعد الإضافات والحذف، فى حين تمادى آخرون معلنين خوفهم مذكرين بما كان حدث فى بعض الدول من رقابة صارمة تلزم مبدعين بتوجيه مؤلفاتهم لخدمة أغراض محددة مثل ستالين فى الاتحاد السوفيتى الذى كان يتدخل بالحذف والإضافة فى السيمفونيات الموسيقية، وبالطبع احتفظ مؤلفوها بالأصل وأذاعوه ونشروه بعد وفاته.
 


وبالطبع الأمر فيه مبالغة ولكنه الخوف على الحرية والإبداع دفعهم لذلك، والسخرية تليق بقرار غير مدروس. الهيئة أعلنت من خلال بيان أصدرته منذ أيام استمرار العمل بنظامها القديم والتزامها بمنح أرقام الإيداع فور طلبها، مانحة الناشرين والمؤلفين الخيار بين تسليم النسخ ورقيا أو الكترونيا، ورغم الترحيب بهذا التراجع المحمود إلا أنه مازالت هناك مطالبات بمزيد من تخفيف القيود على النشر خاصة وان بعض الكتب يستغرق حصولها على رقم إبداع وقتا طويلا بالإضافة إلى عقبات أخرى. لكن يبقى السؤال، من أصدر القرار؟ وكيف صدر؟ ولماذا لم تتم دراسته من كافة النواحى قبل إصداره ومعرفة ردود الأفعال المتوقعة عليه؟ الحقيقة انه لا توجد إجابات عن هذه الأسئلة والتى طرحها كثير من المبدعين،  ولم يهتم احد بتوضيح الأمر للمواطنين الذين تابعوا القضية. هذه الأسئلة بالمناسبة لا تخص وزارة الثقافة وحدها ويمكن طرحها على كافة الهيئات والمؤسسات والوزارات، فنحن نريد شفافية عند إصدار القرارات ومناقشات جادة حولها خاصة التى تمس المواطن والمصالح الحيوية له وتحديد أسبابها ونتائجها وما قد يترتب عليها،  لقد تكرر التراجع عن بعض القرارات أو تعديلها عدة مرات وآخرها قرار إغلاق المحال فى التاسعة مساءً لترشيد الطاقة، ما أثار اعتراضات كثيرة من المواطنين والتجار وأصحاب المحلات التجارية والمقاهى والمطاعم والكافيهات الذين تأثرت أعمالهم بشدة، بل وعانى منها سائقو التاكسى والباعة الجائلين وقطاعات أخرى عديدة دون أن يكون للقرار مردود اقتصادى كبير يوازى ما تعرض له المواطنون من خسائر، لتتم مراجعة القرار والعودة إلى المواعيد القديمة.
 


وهو ما يعنى أن هناك عشوائية فى إصدار بعض القرارات، والتى عانى المواطن من آثارها السلبية قبل إلغائها أو تجميدها أو تعديلها، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما يحدث فى وزارة التعليم فسياسة الوزارة تتبدل مع كل تغيير وزارى ما يخلق حالة من البلبلة بين الطلاب وأولياء الأمور، وما إن تستقر الأحوال حتى يتغير الوزير وتتبدل القرارات وتعود حالة البلبلة للمواطنين، الآثار السلبية لعشوائية القرارات لا تؤثر على المواطن فقط ولكن تأثيرها يمتد إلى الاقتصاد والأخطر أنها تضع مصداقية المؤسسات التى أصدرتها على المحك،  بل أنها تؤثر على شعبية الحكومة كلها. القرارات العامة ليست معمل تجارب، لأنها تمسّ حياة ملايين المواطنين، وتؤثر فى استقرارهم الاجتماعى والمعيشي.و القرار الصحيح لا يُقاس بسرعة صدوره، بل بالتخطيط السليم قبل إصداره،  والقدرة على تحقيق الهدف منه بسهولة ويسر ودون تعقيد وهو أمر لن يتم إلا إذا تمت دراسة  آثاره المتوقعة وردود الأفعال عليه السلبية قبل الإيجابية وشرح هدفه وفلسفته للمواطن. هذا الأمر يتطلب أن نبتعد عن القرارات الفردية وأن تصدر بعد إجراء دراسات جادة وحوار مجتمعى حقيقى. بدون ذلك ستظل القرارات العشوائية غير المدروسة عبئًا على الدولة، ومصدر قلق للمواطن والمجتمع.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط