الأربعاء 25 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : كاميليا عتريس
كل من صادقه أو عرفه يحكى حكاية عنه، وعندما تتجمع تلك الحكايات تنسج ثوبا رائعا من الإنسانية والشهامة والجدعنة تحلى بها مدى حياته ولم يتغير أو يتلون أو يفقد رونقه أو بهجته.. إنه نجم من النجوم الزاهرة فى سماء القاهرة.. فكانت أشعاره وأغانيه مثل الهرم وشوارع الفاطمية والجلوس على شط النيل فى ساعة العصارى ومثل كل الأشياء الجميلة التى تربطك بمصر فتعشقها وتزداد حبا لها ولترابها وشعبها.. إنه أحمد فؤاد نجم الشاعر الثائر الكبير.
 
لقد جعل من حارة مصرية خلف جامع الأزهر (حوش آدم) ملتقى للشباب المثقفين، وهو الرجل المصرى البسيط فى تعليمه وتعاملاته، واستطاع أن يفرض نفسه على المثقفين ويزعج السلطة السياسية عبر سنوات طويلة، مما جعله يمضى20 عاما من عمره الـ 84 داخل سجون مصر!
 
عرفته من أغنية كان كثير منا يرددها وهى: (جيفارا مات.. جيفارا مات.. آخر خبر فى الراديوهات) وبحث شباب المثقفين آنذاك عن مغنى وشاعر هذه الأغنية وبعدها انتشرت أغنيته (مصر يامه يا بهية .. يا أم طرحة وجلابية) بعد فيلم (العصفور) وكان شباب الجامعة ثائرا على الهزيمة ويريد تحرير سيناء وعودة الكرامة والعزة المصرية فكانت أغانى الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم هى القوة التى يستمد بها الشباب ثورتهم خاصة أن مع كل حدث فى الساحة المصرية كان إمام ونجم يغنيان له مثل زيارات ديستان الرئيس الفرنسى لمصر ونيكسون الأمريكى، وبالطبع كانت أغانى نجم ممنوعة، وكان الشباب يستمعون إليها فى تجمعهم بأحد المنازل ويحضر نجم والشيخ وتسجل الحفل وتبدأ تنتشر بعد التسجيل.. واشتهر نجم وإمام بين الشباب الذى كان يتبادل الشرائط والأغانى.. وغير البيوت كانت طلبة الجامعة تستضيفهما أحيانا لو سمحت الظروف الأمنية.
 
وأتذكر أن أول لقاء بينى وبينه عندما ذهبنا إليه أنا ومجموعة من طلبة اللجنة الثقافية للكلية لكى يأتى إلينا هو والشيخ فى احتفال يوم الطالب العالمى وبعدها وتانى لقاء كنت فى زيارة لأخى فى السجن وكان نجم محبوسا أيضا عام 77 وأثناء الزيارة أعطى لى قصيدة جديدة له وقال لى: وزعيها على الناس!
 
بعدها أصبح نجم صديقا للعائلة خاصة أن فى حبسة 77 كان إخوتى الثلاثة معه فى السجن وذكروا لى واقعة أن أخى الصغير زادت عليه آلام الأسنان أثناء إغلاق الزنزانة مساءً فأخذ نجم يخبط على باب الزنزانة بشدة وينادى على الضباط والحراس كى يأتى أحدهم لإنقاذ أخى من الألم رغم أن هذا ممنوع فى نظام السجون حتى لو مات أحد ينتظر للصباح! ولكن الدوشة التى أحدثها نجم جعلتهم يفتحون باب الزنزانة ويكشف عليه الطبيب ومن يومها أصبح هو وأخى صديقين الذى قال لى بعد وفاة نجم:
 
«سيبك من شعره وسيبك من أى حاجة، كان فى حاجة غريبة ما شفتهاش فى حد على الإطلاق، كان مؤمن بالشعب ده بشكل شبه مرضى، دايما يقول الشعب جاى الشعب ده ما حدش يقدر عليه، الشعب ده عبقرى، الشعب ده ما حدش يقدر يفهمه ولا حد يقدر يقهره، أنا عمرى ماشفت إيمان زى إيمان الراجل ده بالشعب المصرى».
 
ويضيف أخى لى قائلا: قابلته مرة فى خارج مصر كان قاعد فى فندق فخم جدا فقال لى: تعرف مصر وحشتنى عايز أرجع بسرعة، فقلت له: حد يسيب المكان الجميل دا ويقول عايز ارجع.. فقال له: «أى عشة فى مصر أجدع منه» وبعدها أخذ يغنى: وكل يوم بحبك أكتر من اللى فات
حبيبتى يا مدينة..
 
متزوّقة وحزينة
 
مخبر فى كل حتة
 
عسكر فى كل مينا
 
يمنعنى لو أغير
 
عليكى
 
أو أطير
 
إليكى
 
وأستجير
 
فى حضنك
 
أو أنام
 
فى حجرك الوسيع
 
وقلبك الربيع
 
أعود كما الرضيع
 
فى حرقة الفطام
 
عندما غنى بعض المطربين المشاهير من أشعار نجم قلت لزوجته مداعبة إياها «خلاص حتبقوا أغنياء من سكان الزمالك مسالك» ضحكت وقالت: أراهنك لو وجدتى فى جيبه مليم مش نجم اللى يعمل كده لأن أى واحد يطلب منه حاجة يعطيه كل اللى معاه! 
 
أتذكر عندما توفيت والدتى وجدت بجوارها على السرير بعض قصاصات من ورق الجرائد كانت تحتفظ بها، وكان من ضمنها عمود فى جريدة الوفد كان كاتب فيه عنها نجم «وازاى كانت ست جدعة» أيام الانتفاضة الشعبية سنة 77 وصبرت رغم كانوا أولادها الأربعة فى السجن.
 
وداعا أحمد فؤاد نجم الشاعر الكبير الذى قال عنه الشاعر الفرنسى لويس أرجون: «إن فيه قوة تسقط الأسوار» وقال عنه الناقد الكبير المرحوم الأستاذ على الراعى «الشاعر البندقية»، بالفعل كان نجم بأغانيه التى رددها الشباب أجيالا وراء أجيال هى مبعث الأمل فى الحب والحرية.
تم نسخ الرابط