بقلم : حمدي الحسيني

حمدي الحسيني
ليست صدفة أن يتزامن الجدل الدائر حول وضع المرأة في الدستور الجديد، مع تصاعد العداء للغرب بقتل السفراء وحرق السفارات التي رافقت موجة الغضب من الأفلام والرسوم المسيئة للإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام.. الجدل والغضب كشفا عن واقعنا المرير الذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك عن غوصنا في بحور من قصر النظر مما يعوق انطلاقنا نحو التطور والرقي المنشود للحاق بركب الحضارة والتقدم.. فالمشوار لا يزال طويلاً حتى نتخلص من مخلفات عصور الجهل وسنوات الظلام التي عاشتها شعوبنا عقوداً بعيدة. أدهشني استطلاع أجرته بعض الفضائيات مع عينات من المواطنين حول رأيهم في إضافة كلمة «وفقاً للشريعة الإسلامية» على نص المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور.. كثير من العامة والبسطاء أعجبتهم الإضافة التي ابتكرها رموز تيار الإسلام السياسي الجدد، في حين رفض كل المستنيرين استدراجهم إلي هذا الفخ الذي سيفتح باباً بلا نهاية لنقاش وجدل أجوف، لأن كل مذهب وكل تيار له اجتهاده وتأويله للنصوص المتعلقة بوضع المرأة.
إن سن زواج الفتاة وحده من أبرز القضايا التي لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن.. هناك من يري أن الفتاة يمكنها الزواج في سن التاسعة مستندين في ذلك إلي زواج الرسول من السيدة عائشة.. البعض الآخر يري أن سن البلوغ هو الأفضل، في حين يري آخرون أن سن الـ «15» عاماً هو الأنسب، في المقابل يري فريق آخر أن الأخذ بما استقرت عليه القوانين والمواثيق الدولية هو الأضمن، بعد أن ثبت علمياً أن سن الـ «18» عاماً هو الذي يكتمل فيه النمو الجسماني والعقلي، ويصبح لديها الحد الأدني من القدرة على الإنجاب وتحمل المسئولية.. هذا التباين أثار لغطاً ودفع أعضاء اللجنة التأسيسية إلي الدعوة لترك الباب مفتوحاً في الدستور للآباء لتحديد سن زواج بناتهم وفقاً لظروف ووضع كل حالة.. هنا انتفضت جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة رافضة هذا التوجه معتبرين أنه يمثل باباً خلفياً لزواج القاصرات ومدخلاً للإتجار بالنساء.
تجربتنا الأخيرة مع حرق السفارات والخلاف حول وضع المرأة في الدستور كشف عن أننا على أبواب مواجهة محتملة مع طائفة ممن يعيشون بيننا، ويحملون في رؤوسهم أفكاراً «طلبانية» يسعون باسم الشريعة إلي فرضها على شعوبنا فتجرها للخلف بدلاً من أن تدفعها للأمام، وتزج بها إلي الظلام بدلاً من سحبها إلي النور.. هؤلاء يريدون شريعة تتناسب مع أفكارهم الرجعية ورؤاهم الجامدة وعقولهم المتحجرة والشريعة السمحة منهم براء.. فمجتمعاتنا حالياً في أمس الحاجة إلي قوانين مستنيرة تعمق في نفوس الناس مفاهيم وقيم الإسلام الصحيح التي تقوم على أسس الحرية والعدالة والمساواة بين البشر.
أتوقع أن يتكرر الجدل نفسه في قضايا ومواقف عديدة ربما لا نجد لها نصاً صريحاً وحاسماً في الشريعة، مما يجعلنا نخوض في خلاف وصراع فقهي وتشريعي غير مجد.. من هنا أخشي أن يستغرقنا هذا الجدل فنتوه في زحمة التفاصيل وننجرف إلي خلافات سطحية فرعية تشغلنا عن التصدي لمشاكلنا الحقيقية فنجد أنفسنا أسرى المجهول.
اللافت أن مثل هذا النوع من التمزق حول القضايا المرتبطة بأمور الدين، أصبح مقروناً بدول الربيع العربي «تونس، مصر، ليبيا» حيث ظلت هذه البلاد ترزح تحت حكم ديكتاتوري فاسد لعقود طويلة، وبمجرد تخلصها من هؤلاء الظالمين ظهر على السطح فوراً من يدعون الغيرة على الشريعة، وبدلاً من أن يساهموا في نهضة بلادهم تحولوا إلي تحد جديد قد يعطل مسيرة الانتقال نحو المستقبل.. هذا التحدي ربما ينزلق بشعوبنا نحو صراع غير مأمون العواقب، نراهن على تجاوزه بأقل خسائر ممكنة، بعد أن تناسي الغيورون المزيفون أن شريعتنا السمحة لا يمكن أن تقف عقبة في طريق نهضة وتطورالشعوب، بل على العكس تماماً من شريعتهم التي يسعون باسمها للعودة بنا إلي عهودٍ سحيقة.. أغلب الظن أن معظم هؤلاء المتشنجين كانوا يعملون مخبرين وعملاء لدي أجهزة الأمن المنحلة في الوقت الذي كان يُضحي فيه شباب 25 يناير بعيونهم وأرواحهم من أجل أن تتحرر الأوطان.. ففِكر هؤلاء الضال وسلوكهم العنيف ووعودهم الكاذبة أفسد على شعوبنا فرحتهم بالخلاص من الأنظمة المتخلفة، وشغلتهم عن العمل على تحقيق شعار الثورات في «العيش والحرية والكرامة الإنسانية»!.



