قد نتمنى أن نكون مثل محمد صلاح، نحقق ما حققه سمعةً ومكانةً ونبوغًا، ثروةً وصورةً ذهنية واسمًا سيبقى.. لكننا كسياق مجتمعى عام يقينًا لا نشبهه ولا هو يشبهنا.
هذا ما يجب أن نفكر فيه بجدية ولا نقابله بإنكار متعصب، فبصرف النظر عن انفعالاتنا العاطفية التى تجعلنا نردد دائمًا أنه «واحد مننا»، «ابننا»، «من طين هذه الأرض».. إلا أن معانى من هذا النوع يمكن جدًا أن نقولها على سبيل الفخر والتباهى به، وربما أيضًا لكى نطمئن أنفسنا أو نواسيها، أما إنه «شبهنا» أو إننا «نشبهه» فتلك مسألة أخرى.
وعلى العكس فقد يكون ما وصل إليه سببه الرئيسى أنه استطاع التحرر من «المنظومة» المزمنة العقيمة التى تحكم مساراتنا، ورفض الاستسلام لنسق التفكير السائد وأسقف الطموح المحدودة، ولم يغرق فى العراكات الصغيرة ومستنقعات الشكوى والتماس الحجج والأعذار، ولم يلتفت إلى المتنطعين والمنتفعين والموتورين وأصحاب الغرض والمرض، ولم يلجأ إلى التلاعب والأبواب الخلفية، ولم يخضع للابتزاز فيغير قرارًا أو مسارًا أو موقفًا اقتنع به واطمأن إليه.
الشاب المصرى الموهوب محمد صلاح لا ينتمى لكل ذلك، ولا يعترف به، ولا يشبهه، وقد صنع أسطورته لأنه لم ينتظر معجزة تهبط عليه من السماء، ولا يدًا تمتد إليه بعطاء غير مشروط أو بنجاح غير مستحق، بل أدرك أن موهبته مسئولية يجب ألا يهدرها، وبحث عن نقاط تميزه فعظمّها، وتعلم من أخطائه وأخطاء الآخرين فتجنبها، وحدد أهدافًا ومعالم مشروعه إنسانيًا ومهنيًا فحارب من أجل تحققه بكل ما يملك من تركيز وإصرار، وألزم نفسه بنظام صارم فلم يترنح أمام مغريات لحظية ولا سقط فى مصيدة التعالى والمظهرية والغرور كما يفعل مئات الأشباه والمدعين حولنا كل يوم.. وفى كل ذلك لم يكن منافقًا، بل مستعدًا ليدفع ثمن اختياره وطموحه دون أن يستوحش الطريق الطويل الذى قلّ سالكوه.
ليست هذه بالقطع دراسة فى تجربة محمد صلاح، لكن لا بد أن نتوقف بإعجاب وتقدير أيضًا عند مواصفات أساسية معينة فيها:
الفكر الاحترافى الذى يقود العقل لانضباط القرار وسلامته.
مستوى الجودة القياسى الذى لا تنازل عنه ولا وسيلة غيره للصمود وللصعود فى منافسة شرسة تحدياتها متجددة وغير متوقعة.
الرؤية البعيدة والذكاء التكتيكى فى الحياة والتعاملات اليومية قبل الملعب.
التعلم المستمر والتطور المتوالى والاقتناع بأن العلم هو مصنع الحلول الأهم.
الشخصية القوية الواضحة الواثقة التى تتقن استيعاب مميزات جديدة تصل بها تدريجيًا إلى التفرد.
الانفتاح على الآخرين بمجتمعاتهم وثقافاتهم وشخصياتهم المختلفة بلا خوف ولا انبهار.
التوازن النفسى والثبات الانفعالى فى إدارة المواقف والأزمات.. والقدرة على تحمل الضغوط والتعامل معها.
انعكاس نجاح المشروع الفردى إيجابيًا بدرجة كبيرة على وطنه، بحيث تحول إنجاز شخصى إلى عطاء عام دون استعراض أو متاجرة.
هل نحن مثله؟
أو بتفصيل أكثر: هل ظواهر ومناخ وثقافة مجتمعنا الآن يمكن أن تقود الموهوبين والجادين والطامحين إلى ذلك؟ وإذا لم يكن (وهذا هو الواقع) فهل جميعهم (وهم كُثُر) يدركون أن الطموح والموهبة حتى وإن اقترنا بالجدية فكلها لا تكفى لتحقيق النجاح، فما بالنا لو أردنا تفوقًا استثنائيًا فارقًا؟!
لكل ما سبق أصبح هذا الرجل هو «المثال الحى» على أن ما يعتبره الكثيرون مستحيلًا يمكن أن يكون حقيقة واقعة، ولكل ما سبق أصبح هذا «المثال» متجاوزًا لحدود كرة القدم، صالحًا تمامًا كدليل شخصى لكل من يريد أن يكون صاحب بصمة مؤثرة وباقية، بل يستحق أن يكون دستورًا لمجتمع يريد أن يرسم خريطة إنجاز بشرى حقيقى.
منذ أيام ودع «الفتى الذهبى» فى ملعب «الأنفيلد» جماهير «ليفربول» الذى شهد مجده، وفى مشهد الوداع اختلطت الدموع بمشاعر التقدير والامتنان والفخر.
أثق أن هذا ليس مشهد نهاية وأثق أن أسطورة «صلاح» لم تُكتَب جميع فصولها بعد سواء فى الملاعب أو خارجها.. بالضبط كما أثق فى أننا يجب ألا يكون دورنا هو دعمه والتباهى بانتسابه إلينا فقط (!!)
فلنحاول أن نكون مثله.. أن نشبهه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



