رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

لا يخفى على أحد أن مصر اليوم صارت بلدًا غارقًا في الخراب؛ القاهرة تتفجر وسيناء تتفحم، والدولة الكبرى التي كانت تصدِّر الثورات وتفرض المصالحات بين المتنازعين، تبدو مبتعدة داخل نفسها، حائرة في أمرها، خائرة في متاعبها.

 
لقد حاولنا من خلال ثورتنا المجيدة في 25 يناير 2011 أن نعيد المدنيون إلى السلطة من باب ميدان التحرير، وأن نستعيد من الجيش ما استملكه خلال الستين عامًا الماضية، لكن المرحلة لم تدم طويلاً؛ وها هو الجيش يعود من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحكم العسكري لم يعد ممكنًا في عالمنا العربي إلا متنكرًا في زيٍ مدني؛ ليس لأن العرب أصبحوا ديمقراطيون، بل لأن المجموعة الدولية لم تعد تتقبل ما تطلق عليه «الثقافة الانقلابية» التي شاعت فيما مضى.
 
ويصعب عليّ اليوم أن أرى مصر بعد ثلاث سنوات من نزولها إلى ميدان التحرير لإنهاء سيطرة العسكر على السلطة، وبعد مقتل نحو سبعة آلاف شخص، تعود إلى الميدان وتنزل مرة أخرى مطالبة بزعامة عسكري يُعيد إليها الهدوء الذي فقدته، فيما ترفض العودة إلى البيوت والمصانع ومكاتب العمل، وترفض كذلك العودة من المحاكم؛ فهناك رئيسان معزولان يقفان أمام القضاء في ذات الوقت، فيما يُفتح باب الترشح للرئاسة أمام الراغبين، على غير العادة؛ حيث كان يخوض غمار السباق الرئاسي سيادة الرئيس وحده، وعلى الناس أن تجيب بـ«نعم» أو «لا»، والويل كل الويل لمن يمزح بـ«لا»؛ فالرئيس، وفقًا لدستور رئيس الإخوان المعزول سيء الذكر محمد مرسي، «لا يُطعن عليه!!».
 
ونذكر أن مصر تميزت عن غيرها من بلدان الوطن العربي بوجود فسحة من الحرية على مر التاريخ، وسيكون من المحزن أن تفقد مصر هذه السمة الكبرى، في ظل اتجاهها إلى انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا للبلاد على وقع اضطراب أمني وعمليات إرهابية، خصوصًا أن الترشيح جاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بما جعله مطلبًا شعبيًا، بعد عزل رئيس الإخوان، وإدراج الجماعة على قوائم الإرهاب، وتحويلها إلى حركة منبوذة ومطاردة من جانب المجتمع المصري.
 
غير أن الوضع الحالي في مصر مردّه إلى ما فعله الإخوان خلال وجودهم في السلطة وبعد عزلهم عنها، ففي السلطة عملوا جاهدين على الاستئثار بالحكم بشهوة جامحة، رافضين الاعتراف بكل المطالب الشعبية، ولجأوا إلى الإعلانات الدستورية للالتفاف على مقاومة المجتمع في سبيل توجههم الاستبدادي، وتصرفوا كأي حاكم مستبد، عاملين على أخونة الدولة والإمساك بكل مفاصلها، رافضين كل مساومة مع المجتمع المصري، وفي الوقت نفسه استهدفوا المؤسسة العسكرية، فعادوا كل أطياف وهيئات المجتمع، وبدل أن يتوقفوا عند أسباب هزيمتهم ويراجعوا تجربتهم، تراهم يندفعون أكثر نحو العنف والتعاون مع منظمات إرهابية؛ إنهم يمارسون ذلك النوع القاتل من الغطرسة تحت ستار «الجهاد»، والزعم بأنهم ينتصرون لـ«الإسلام»، في حين أنه لا أحد يشوّه الإسلام ويعطي انطباعًا بشعًا عنه كما يفعل المتطرفون منهم، ومن يعتقدون أنهم هم الإسلام أو «أن الله هداهم وحدهم!!».
 
جماعة الإخوان في مصر، التي ضربت وتضرب في كل مكان تصل إليه ضد الشعب والبلاد والأمن، ويعتقد أنصارها أنهم «معارضون» أو «ثوار»، بينما هم «عدوانيون» ضد الناس ومظاهر الحياة، بل ضد كل من هو خارج دوائرهم وفكرهم الضيق. وبالرغم من أنه كان أمام بعض عقلائهم العودة كتيار سياسي حديث، لو أنهم تعلموا من الماضي، وكان من الممكن أن تنطلق من داخلهم حركة إصلاحية جديدة، لكن ذلك يتطلب وعيًا بالواقع، وهو ما أثبتت الأحداث أنه مفقود عندهم جملة وتفصيلاً، وبدلاً من ترتيب صفوفهم بعيدًا عن العنف فقد اختاروا «الإرهاب» وسيلة وحيدة.
 
ومن المؤكد أن تعزز الانتخاب الرئاسية المقبلة من فكرة «صراع الحياة أو الموت» التي اتسمت بها السياسة المصرية منذ فترة، فضلاً عن دعوة أنصار جماعة الإخوان بقوة وعلانية إلى اغتيال السيسي، وبرغم ضعفهم الحالي، إلا أنهم سوف يواصلون احتجاجاتهم لسببين؛ أولاً، هيكل جماعة الإخوان يضمن بقاءها، فهي في جوهرها عبارة عن تنظيم له هيكل هرمي صارم مع تسلسل قيادي عبر أنحاء البلاد، يقوم فيه كبار القادة بتوصيل الأوامر إلى خلايا صغيرة من الأعضاء المنتشرين في مصر، ورغم وجود العديد من قادة الإخوان في السجون، إلا أن الخلايا لم يمسها ضرر إلى حد كبير، كما تم فتح خطوط اتصال جديدة مع القادة الموجودين في المنفى، وقد استخدمت الجماعة هذه الشبكة الواسعة للفوز في كل انتخابات ما بعد مبارك وحتى الإطاحة بمرسي، وتنوي على ما يبدو استخدامها لمواصلة استراتيجية الاحتجاجات القائمة على المواجهة لبعض الوقت.
 
ثانيًا، لدى جماعة الإخوان قناعة بأن الدعم العام في جانبهم إلى حد كبير، وتنبع تلك الرؤية غير الواقعية من افتراض مركزي لأيديولوجيتهم؛ فهم يرون أن وجود دولة غير إسلامية في مصر أمر غير طبيعي، وبالتالي تعتبر سعيها لتأسيس دولة إسلامية انعكاسًا للإرادة الشعبية الحقيقية لدولة تمثل الأغلبية المسلمة بها 90% من السكان، ومن ثم يرى الإخوان أن كسر ما يسمونه بـ«الانقلاب» سوف يؤدي إلى عودتهم الفورية إلى السلطة، لذا فهم يميلون إلى مواصلة الاحتجاجات العنيفة.
 
 
وفي الواقع، تتوقع جماعة الإخوان أن تنتصر، وهذا ما يؤكد أن «صراع الحياة أو الموت» في مصر سوف يستمر، مع مخاطر ارتفاع أعداد الضحايا بمجرد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية.

 

تم نسخ الرابط