لم يكن من المفاجئ، تلك الزيارة التي أجراها رئيس ما يسمى "إقليم أرض الصومال" الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله "عرو"، إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، هذا الأسبوع، ضمن مساعٕ "معلنة" خلال الأشهر الأخيرة لتطبيع كامل في العلاقات، وصل إلى حد تبادل التمثيل الدبلوماسي، وافتتاح ما يسمى "سفارة للإقليم" في القدس المحتلة، بشكل أحادي يخالف قواعد القانون الدولي.
زيارة "عرو"، التي أُعلن عنها قبل أسابيع، كانت متوقعة، بالنظر إلى كل التحركات التي جرت على مدار الستة أشهر الماضية، من تطبيع في العلاقات، على وقع إعلان تل أبيب اعترافها بالإقليم كدولة مستقلة في نهاية العام الماضي، رغم كل موجة الرفض العربي والأفريقي والإسلامي والدولي لهذه الخطوة غير المسبوقة على الصعيد الدولي، وبالتالي جاءت خطوة الزيارة لتستهدف مزيدًا من التعاون، الذي بلا شك، يمنح الاحتلال الإسرائيلي، موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر، وهو أمر لم يستبعده رئيس الإقليم الانفصالي خلال الزيارة، حينما لوّح بإمكانية إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية بالإقليم!
وواقع الأمر أيضًا، أن "الإقليم الانفصالي"، يعلم وهو يقدم على خطوة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، أنه سيقابل بموجة رفض عربي وإسلامي، ورغم كل بيانات الإدانة والرفض، التي صدرت طوال الأشهر الماضية، مع كل تحرك في علاقات الإقليم مع إسرائيل، لكنه لم يغير من موقفه، ذلك أنه يراهن على موقعه الجغرافي الاستراتيجي، على ساحل البحر الأحمر، وبمنطقة القرن الأفريقي، حتى ولو بالتحالف مع "الشيطان"، لتحقيق هدفه الاستراتيجي، بالحصول على اعتراف دولي يحقق له حلم "الانفصال" عن دولة الصومال الفيدرالية، والذي يجاهد من أجله منذ عام 1991.
وبالتالي لم يكن غريبًا ما شهدناه من "حميمة" في استقبال رئيس ادارة الإقليم الانفصالي "صوماليلاند"، عند زيارته لتل أبيب قبل أيام، التي أظهرتها لقاءاته مع كبار المسؤولين في دولة الاحتلال، بداية من الرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتسوغ، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي وقع معه إعلانًا استراتجيًا للتعاون، وصولًا لزيارته الكنيست، وافتتاحه مقرًا لسفارة في القدس المحتلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، بعد مواقف الرفض العربية والأفريقية والدولية لكل هذه التحركات، إلى أي مدى يمكن أن نعوّل على تراجع ادارة الإقليم الانفصالي، خطوة التطبيع والحصول على "اعترافات غير قانونية"، مقابل جلب قوى إقليمية ودولية على ساحل البحر الأحمر؟، وما الخطوة التالية لهذا التطبيع، هل سنرى وجودًا علنيًا لدولة الاحتلال على ساحل البحر الأحمر، أو من "قوى الشر" في منطقة القرن الأفريقي؟
واقع الأمر، أن بيانات الإدانة الصادرة من مصر ودول عربية وأفريقية، أكدت على جملة من المعاني المهمة، أهمها أن افتتاح إقليم شمال غربي الصومال المعروف باسم “أرض الصومال” لما يسمى سفارة له في مدينة القدس المحتلة، "تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية"، كما أن هذا الإجراء يمس بشكل مباشر الوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة، ويشكّل محاولة لفرض واقع غير قانوني لا يستند إلى أي أساس شرعي أو دولي.
هذا إلى جانب، التأكيد على دعم وحدة وسيادة دولة الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، ورفض أي تحركات أو إجراءات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية أو الانتقاص من سيادتها، فضلاً عن تأكيد دولة الصومال على أن إقليم "صوماليلاند"، جزء لا يتجزأ منها، وأن أي تحركات خارجية يقوم بها الإقليم لا تمثل الدولة الصومالية ولا تحظى بأي شرعية دولية.
ولكن في الوقت ذاته، كما قلنا فإن بيانات الإدانة وحدها لا تكفي، للتعاطي مع صراع النفوذ والإرادات بمنطقة القرن الأفريقي، ذلك أن تحركات "محور الشر"، المقصود به دولة الاحتلال، وحلفاؤها الإقليميون، مثل إثيوبيا ودول أخرى، تقتضي مواجهتها بحلول متعددة الأطراف وصياغة تحالفات للأمن الجماعي قادرة على دحض أي مساعٕ تستهدف المصالح المصرية الاستراتيجية في تلك المنطقة.
وما يفرض ضرورة التحرك الجماعي، أن الإقليم الانفصالي، يتجه لطرق أبواب أطراف أخرى، بالرهان على موقعه الجغرافي الاستراتيجي، على ساحل البحر الأحمر، وأحدث هذه التحركات مثلًا، إعلانه أخيرًا عن افتتاح مكتب تمثيل دبلوماسي جديد، في تايوان، على وقع إقامة الطرفين "أرض الصومال وتايوان" مكاتب تمثيلية في عاصمتي كل منهما عام 2020.
جلب قوى دولية بالإقليم
قانونيًا لا تغير مزاعم الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" من الواقع القانونى له، ذلك أن الاعتراف ليس إلا «عمل سياسى أحادى الجانب»، لا يُنشئ دولة بموجب القانون الدولى، فالشرعية القانونية للدول تستمد من إجراءات منضبطة وفق نصوص ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وليس من تأييدات سياسية منفردة، غير أن خطورة ما يحدث هو أن التأييدات السياسية تسعى لفرض واقع غير قانوني على ساحل البحر الأحمر، تشارك فيه دول غير مشاطئة لهذا الممر الملاحي المهم.
وهذه إحدى أهم المخاطر الماثلة في منطقة القرن الأفريقي، ذلك أن من بين ارتدادات توترات واضطرابات تلك المنطقة الأمنية والسياسية، جلب أطراف دولية للإقليم، ويبدو ذلك في مظاهر عدة، منها ما يلي:
• كثرة التحالفات الأمنية الدولية، فدافع تأمين الملاحة في المجرى الملاحي لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، لاسيما مع تهديدات جماعة الحوثيين اليمنية، دشنت قوى غربية تحالفات أمنية بحرية، كان من بينها تحالف "حارس الازدهار" الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة عشر دول، وتحالف "أسبيدس" الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024، بهدف حماية الملاحة البحرية في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، وكذلك المياه الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عمان والخليج.
• تزايد العسكرة في المنطقة، لاسيما مع تعدد القواعد العسكرية الأجنبية على ساحل البحر الأحمر، وتتجلى حالة التنافس العسكري الدولي، في دولة جيبوتي، حيث تعد أكثر دول الإقليم استضافة لقواعد عسكرية أجنبية، بواقع 6 قواعد لدول مختلفة، هي (الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين، واليابان، وإسبانيا، وإيطاليا)، نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي يتحكم في عمليات المرور بالساحل الغربي للبحر الأحمر.
وفي الصومال، افتتحت تركيا، قاعدة عسكرية لها على ساحل المحيط الهندي، في 2017، مخصصة لنشاط التدريب العسكري، حيث تضم ثلاث مدارس عسكرية، وتعمل بطاقة تدريب تصل إلى 1500 جندي، فيما عززت أنقرة، حضورها بالقرن الأفريقي، باتفاقيات تعاون عسكري مع جيبوتي، في مارس 2024، كما تسيطر على ميناء مقديشو في الصومال، وفقًا لاتفاقية في مارس 2023.
• تسعى روسيا، للحصول على موطئ قدم هي الأخرى على ساحل البحر الأحمر، حيث أبرمت اتفاقًا مع السودان في عام 2017 (في عهد نظام عمر البشير)، لإنشاء قاعدة بحرية، تضم (300 جندي روسي)، وفي شهر يونيو 2024 أعلن عضو مجلس السيادة السوداني، ياسر العطا، أن "موسكو طلبت إقامة محطة تزويد بالوقود على السواحل السودانية"، وفي فبراير 2025، قال وزير خارجية السودان وقتها، علي يوسف الشريف، خلال زيارته لموسكو، أن بلاده وافقت على إقامة قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر.
• رغم عدم مشاركة الهند في أي من التحالفات الأمنية الدولية بجنوب البحر الأحمر، للحد من هجمات الحوثيين، فإن البحرية الهندية وسعت من حضورها العسكري في المنطقة، بنشر أسطول ضخم يضم 12 سفينة حربية، في خليج عدن وبحر العرب، وإذا كان الهدف المعلن هو التصدي لعلميات القرصنة أمام سواحل الصومال، إلا أن هذا الحضور، يضمن للهند تواجدًا بالمنطقة يضمن حماية عمليات الشحن التجاري، ويواجه تصاعد النفوذ الصيني بالمنطقة.
• أيضًا تسعى إيران للحفاظ على موطئ قدم لها بالمنطقة، ذلك أنها تمتلك حضورًا في الساحل الشرقي لباب المندب، من بوابة جماعة الحوثيين اليمنية، لكنها في الوقت نفسه تسعى لتعزيز تواجدها في الساحل الغربي، بتعزيز علاقاتها مع دول القرن الأفريقي، ولعل من أبرز تلك المساعي، عودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسودان، في عام 2024، بعد قطيعة امتدت ثماني سنوات.
والخلاصة.. أن مساعي الإقليم الانفصالي داخل دولة الصومال، التي تتقاطع مع ممارسات عدوانية من "محور الشر" بالقرن الأفريقي، لا يمكن النظر إليها بعدّها تحركات دبلوماسية، وإنما مكمن خطورة ما يحدث في أنها تعمق من صراع النفوذ والإرادات الدولية بهذا الإقليم الهش أمنيًا وسياسيًا، عبر جلب قوى إقليمية ودولية للتواجد في هذا الإقليم، مع زيادة العسكرة في الدول المطلة على ساحل البحر الأحمر، وكلها ممارسات تُنذر بصدام محتمل حال اشتعال شرارة انفجاره.



