الحدود في الإسلام هي حد الزنا، والقذف، والسرقة، والحرابة، وشرب الخمر، والردة، وهي عقوبات تفرض في الجرائم، وتعتبر نظاما وقائيا لردع الجريمة، وحماية أمن واستقرار المجتمع، مع ملاحظة أن حدي شرب الخمر والردة لم يأتيان في القرآن الكريم.
وحد الردة بالمعنى المعروف هو قتل المرتد عن الدين إذا ما تمت استتابته ولم يتب، وهو من الحدود التي وضعها الفقهاء، والرواية المعتمدة لتطبيق حد الردة: "عن عكرمة قال: أتى علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله عن ذلك، ولقتلتهم لقول رسول الله: من بدل دينه فاقتلوه"، والحديث من أحاديث الآحاد أي رواه راوي واحد هو عكرمة.
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد جاء أن عكرمة كثير الحديث ولا يحتج بحديثه، وفي تذكرة الحفاظ للذهبي جاء أنه كان يميل لرأي الخوارج وروايته لا يعتد بها، وفي ميزان الإعتدال للذهبي أن مالك بن أنس كان يصنف الأحاديث المروية عن عكرمة على أنها ضعيفة.
وعن وجوب قتل المسلم إذا ترك الإسلام فهو يخالف القرآن الذي ليس فيه حد للردة، مع عدم وجود أي واقعة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام تشير إلى قيامه بتطبيق عقوبة ضد من يبدلون دينهم.
وفي قوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) آل عمران 86، الآية ليس فيها عقوبة للردة، يؤكد ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء.
كما أن القرآن الكريم لم يأمر بإكراه المرتد على العودة إلى الإسلام أو قتله إذا امتنع، وأن حرية الاعتقاد من مقاصد الشريعة في الإسلام، ولا يصح أن نعتبر أن الفرد حر في دخول الإسلام ثم يفقد حريته بعد ذلك فلا مجال للتراجع والخروج من الدين.
ولفظ حد في القرآن لم يأتي بمعنى العقوبة، وكلمة حدود تكررت في القرآن الكريم 14 مرة، ولفظ حد فيها يعني شرع الله، كما أن عقوبات السرقة والزنا والقتل لم يطلق على أي منها لفظ حد.
وكلمة ردة بمعنى الرجوع عن الإيمان لم تأت في القرآن، ولكن جاءت مشتقات لكلمة ردة هى يردوكم، يرتدد، يرتد، ارتدوا: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) البقرة 217، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) المائدة 54، (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ) محمد 25، في الآيات أن من يرتد بعد الإيمان ليس له عقوبة، ومرجعه إلى الله.
لقد أعطى تعالى للناس الحرية فى اختيار الإيمان أو الكفر، وسيحاسبهم على اختيارهم يوم القيامة: (وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف 29، وهو تعالى وحده الذي يحكم على الناس إن أحسنوا فى العقيدة أو أساءوا، ولم يعط تعالى أحداً من البشر الحكم على الآخرين بالكفر.
وقد كان البعض يسارع في الكفر ويحزن النبي عليه الصلاة والسلام لذلك ولكن لم يحاكمهم: (يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) المائدة 41.
وفي قوله تعالى: (أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً) المائدة 32، فلا مبرر لقتل النفس إلا إذا قتلت نفساً أي في القصاص: (الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ) البقرة 194.
وجعلها تعالى قاعدة تشريعية: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ) الأنعام 151، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام هي التطبيق العملى لتشريع القرآن مع المنافقين والمرتدين.
لقد أساء أصحاب الفكر الديني المتشدد للإسلام من حيث أرادوا الانتصار له، وبسببهم أصبح الإسلام أمام غير المسلمين دين العنف والإرهاب، وحد الردة يناقض ما أعطاه تعالى من حق للإنسان في حرية الاعتقاد من خلال الإيمان أو الكفر.



