تعد مصر من أوائل الدول المهتمة بتجربة التعليم اليابانية، وهو حقاً اختيار صائب، ذلك أن جوهر تميز التعليم الياباني في مرحلة الطفولة يقوم على تحقيق أولوية واضحة هي التوافق مع الجماعة على حساب الفردية، وهو الأمر الذي يراودني من حين لآخر كلما تذكرت تعليم الفنون التراثية التقليدية في اليابان.
ففي زيارتي الوحيدة لطوكيو كنت سبباً في اضطرار الوفد المصري المكون من شخصيات متعددة التخصصات، وكنا آنذاك شباباً ذهبنا إلى هناك في منتصف التسعينيات بدعوة من وزارة الخارجية اليابانية في برنامج شباب الباحثين، وبطبيعة تخصصي في المسرح جاءت زيارة مسرح "النو" الياباني في برنامج الزيارة.
إن السحر الخاص الذي ألقاه مسرح النو في عقلي ووجداني بطابعه التأملي العميق وإيقاعه البطيء الباعث على سكون الروح في التلقي بما يفارق عالم الحياة اليومية في المحاكاة الدرامية، وهو تأمل ياباني نادر يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي للحياة والأساطير والحكايات، ولكنه لا يعيد محاكاة الواقع بذات الطريقة الأوربية أو الإغريقية القديمة.
وبعد أن غادر الأصدقاء العرض النادر في مسرح طوكيو الشهير للنو، كنت لا أعرف كيف أشرح لهم أن هذا التفكير المسرحي يشبه إلى حد بعيد التراث المصري القديم في المسرح المصري القديم، ويشبه أيضاً في عدد من الخصائص المسرح الشعبي المصري من حضور للجوقة والراوي ومن حضور فرقة موسيقية مصاحبة للعرض ومن خطاب مباشر للجمهور.
أما الكابوكي فكنت قد شاهدته في افتتاح أوبرا القاهرة الجديدة، وكنت مولعاً آنذاك بالفخامة والقوة والجهد البشري الكبير والأقنعة وطريقة الحوار والغناء الذي يبدو أسطورياً مفارقاً للواقع، وهذا النوع المسرحي يعود إلى القرن السابع عشر، وقد حافظت اليابان عليه كما حافظت على مسرح النو ومسرحها الكلاسيكي للعرائس البونراكو، وهو مسرح يمزج بين السرد والموسيقى وتحريك العرائس الكبيرة أمام الجمهور، إذ يرى الجمهور ثلاثة لاعبين يديرون حركة كل عروسة بطريقة إيمائية لا تذهب للإيهام بالواقع أو تحاكيه، لكنها تصنع من العالم الفني المسرحي واقعاً جديداً مغايراً على صلة تفاعلية بعالم المتفرج ولكنه حقاً يأتي في التفكير الياباني الآسيوي التاريخي كصناعة مبتكرة لعالم متفرد جديد، لا يعيد ترتيب الحياة اليومية في صورة درامية بل يستخدم الدهشة والعالم المختلف المزدان بالفخامة والدقة والعمل الجماعي.
ولذلك فلا يوجد في تلك الأنواع اليابانية الفرد الممثل النجم، لكن يوجد الخبير المعلم.
وهو تعبير حقيقي عن فكرة التوافق الجماعي وغياب الفردية، إذ إن مثل هذا النوع من الفنون التمثيلية الأدائية قد ألهم العالم المعاصر الكثير في فكرتي جماعية الأداء ومزج السرد بالدراما.
وكنت آنذاك قد قرأت كتاب المسرح في الشرق لفوبيون باورز، وقررت أن أفهم الأمر برؤية الكيفية التي يتم بها الحفاظ على هذا التراث المسرحي القومي الياباني حياً بكل هذه الكفاءة،
فعلمت أنه يتأسس على التعليم في الطفولة منذ الصغر، ويظل الطفل يكبر في التخصص ليصبح فناناً في الفرق المحترفة.
أما ما بقي عالقاً في ذهني وراودني من حين لآخر كلما طالعت مسألة الهوية المسرحية المصرية والتراث الشعبي ومسرح السامر وصلاته بفنون الأداء، وكلما حاول المسرحيون في مصر السير في اتجاه التراث الشعبي واستلهامه، فهو ما علمته بأن تلك الفرق للفنون التقليدية اليابانية بمدراسها تأتي تحت إشراف الإمبراطور الياباني ومتابعته ورعاية القصر الإمبراطوري وتقديره المادي والمعنوي وتقدير المجتمع لهذا النوع المعبر عن الهوية الثقافية اليابانية وخصوصيتها، وهو في جوهره تقدير لفكرة الكفاءة الجماعية بعيداً عن تميز الفرد النجم.
وتلح على تفكيري تلك المشاهدة كلما تذكرت المنحة اليابانية لإنشاء دار الأوبرا الجديدة بمفهوم واسم المركز الثقافي القومي، وكلما رأيت الأطفال يتعلمون فيه وفي أكاديمية الفنون الموسيقى الشرقية وفن الباليه، تخيلت ذلك الحلم، الأطفال في جلابيب ملونة يتعلمون الآلات الشعبية المصرية، وفرقة كبرى تحفظ هذا الفن الموسيقي المسرحي بشعراء السيرة والراوي صاحب الرباب الشاعر المصري الشعبي، وفنون السامر وفنون الدمى، بتعليم جماعي يبدأ منذ الصغر، وهي فنون تتجاوز بكثير مفهوم فرق الرقص الشعبي المتكرر.
ومع تغير ملحوظ في عالمنا المعاصر، أثر على فكرة الفنون الجماعية التعبيرية في مصر ومع اندثار تدريجي لفكرة الأسرة الفنية التي كانت تورث عزف الرباب وحفظ السير الشعبية وقول الشعر الشفاهي وعروض السامر الشعبي، أتذكر بكل تقدير التجربة اليابانية وأدعو مجدداً كل من أكاديمية الفنون والمركز الثقافي القومي لتخصيص مسار تدريبي وفرق محترفة تحافظ على الفنون التمثيلية المصرية الشعبية وامتدادها في فنون الموسيقى والأداء، حفظاً للخصوصية الثقافية المصرية وإنقاذاً للتراث والهوية المصرية وحفاظاً على التراث المصري الإنساني، وهو تراث كان حقاً من صنع الشارع المصري والجماعة الشعبية المصرية، وكان له دور يقدم فيها فنونه ومجالس كبرى وسامر لا ينفض وإبداع متصل.
فهل نتجه حقاً نحو خطوة جادة لفرق نظامية محترفة ونحافظ على الهوية الثقافية المصرية؟
أعلم أنها مسألة تحتاج إلى جهد ودعم مؤسسي، لكنها ضرورة للحاضر والماضي واتصالهما مع مستقبل الفنون التعبيرية المصرية.



