ميادة أشرف، فتاة مصرية في ريعان شبابها، تخرجت من كلية الإعلام جامعة القاهرة العام الماضي عام 2013، وضعت قدميها على طريق صاحبة الجلالة، كانت تحلم بأن تتحول إلى صحفية لامعة في سنوات معدودة، خطت خطواتها الأولى في ثبات، التحقت بموقع صحيفة الدستور الإلكترونية، متدربة ، اشهر معدودة واثبتت تميزها، وتحققها.
اصطدمت بواقع الصحافة الأليم، صحف تستنزف شباب الصحفيين، تسرق عرقهم وسنوات عمرهم، بلا أجر عادل، أو خبرة حقيقية تنقل إليهم، سعت للبحث عن دخل بالعمل في مواقع أخرى، إلى جانب الدستور، الجميع يلقي بها وغيرها من شباب المهنة، في أتون الصراع السياسي بالشارع لتغطية الأحداث الملتهبة والتي يتخللها كثيرا تبادل لإطلاق النيران وسقوط ضحايا.
كان عصر الجمعة 28 مارس، نهاية الحلم قبل أن يبدأ، اخترقت رصاصة غادرة رأس ميادة، محاولة وقف عقلها عن التفكير في المستقبل، وموضوعات صحفية، تدافع عن مظلوم أو تكشف فساد، أغمضت الرصاصة الغادرة عينيها، كي لا تلتقط الحقيقة وتوجهه كاميرتها لتسجيلها، فاضت روحها إلى بارئها، تنتظر يوم القصاص، في محكمة العدل المطلق التي لن يجدي معها متاجرة سياسية، ولا إخفاء أدلة جنائية.
استشهاد ميادة، يجدد جرح الصحفيين، الذي بدأ بطلق ناري استهدف رأس الزميل الشهيد محمد محمود 29 يناير 2011، ليصيبه في العين، سقطت الكاميرا من يده، القاتل أراد منعه من تصوير لحظة الحقيقة، نقل إلى المستشفى، فشلت جهود الأطباء، وفشل جسده عن المقاومة ، فرحل شهيدا في 4 فبراير متأثرا بجراحه، بينما القاتل ما زال طليقا، حتى الآن، كان ذنب محمود محاولته كشف الحقيقة، وكانت مكافأة القاتل حمايته من العقاب، وكان خطأ الجماعة الصحفية أن اكتفت بمظاهرات الشجب والاستنكار ومطالبة السلطات بالتحقيق، دون اتخاذ إجراءات رادعه أو على الأقل وقائية فحق عليها أن تتجرع مرارة كأس الاغتيال عشر مرات.
منذ ذلك اليوم الذي استشهد فيه الزميل محمد محمود، الصحفي بجريدة التعاون التابعة لمؤسسة الأهرام، وحتى أمس الأول الجمعة، استشهد عشرة صحفيين في مصر، بينهم صحفي أجنبي مراسل لفضائية اسكاي نيوز العربية، فاستشهد الزميل الحسيني أبو ضيف، في الخامس من ديسمبر 2012 وهو يحاول توثيق فض أعضاء بجماعة الإخوان المحظورة لاعتصام شباب مناوئ للرئيس السابق محمد مرسي بجوار قصر الاتحادية، وقتل أبو ضيف بذات طريقة مقتل محمود وميادة برصاصة في الرأس، وقتل في ذات الواقعة ما يقرب من 8 من المصريين.
صلاح الدين حسن مراسل صحفي لجريدة صوت الشعب، بمحافظة بورسعيد، استشهد نهاية يونيو عام 2013، متأثرا بجراحة أثر انفجار قنبلة أصابته شظاياها خلال تأديته مهام عملة بتغطية مظاهرات المعارضة.
أحمد عاصم مصور صحفي بجريدة الحرية والعدالة الناطقة باسم جماعة الإخوان، الشهيد الرابع لمهنة الصحافة والذي استشهد بطلق ناري خلال تغطيته لأحداث، الحرس الجمهوري، التي اعقبت عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وهو شاب لم يتجاوز 25 عاما.
حبيبة عبدالعزيز 26 عاما، الشهيدة السادسة، في بلاط صاحبة الجلالة، استشهدت في أحداث فض اعتصام رابعة العدوية سبتمبر 2013 وهي مراسلة لجريدة "جود نيوز الإماراتية".
مصعب الشامي مصور شبكة رصد الإخبارية، الشهيد السادس، لمهنة البحث عن الحقيقة، استشهد خلال تصويرة لأحداث فض اعتصام رابعة العدوية.
مايك دين مصور قناة اسكاي نيوز البريطانية الضحية الثامنة، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بجراحة أثر إصابته بطلق ناري، خلال تغطيته لأحداث العنف التي تلت فض اعتصام رابعة والنهضة.
تامر عبدالرؤوف، مدير مكتب الأهرام بمحافظة البحيرة، استشهد اغسطس 2013 بطلق ناري خلال عن طريق الخطأ، أطلقه أحد جنود الجيش خلال مروره بكمين، في فترة حظر التجوال.
وجاءت ميادة لتصل بعدد شهداء الصحافة المصرية إلى 9 شهداء بخلاف الزميل البريطاني.
صحيح أن الصحفيين يدفعون من دمائهم كما الشرطة والجيش، ثمن ما تمر به البلاد، لكن الصحفيين ليسوا طرفا في الصراع، لا يتواجدون في مسرح العمليات مشاركين في الصدام مع أو ضد، هم ينقلون الحقيقة، شهود على الوقائع عيون الرأي العام ويجب حمايتهم حفاظا على الحقيقة .
وهنا يجب أن نصارح أنفسنا، فالجميع متحمل جزء من المسئولية عن دماء الصحفيين التي تسيل، السلطة الحاكمة، ومسئوليتها عن حماية الإعلاميين، وملاحقة الكتلة، وتقديم المتجاوز من السلطة ذاتها للعدالة.
ثم تأتي مسئولية الصحف، التي تلقي بشباب الصحفيين إلى التغطيات الخطرة، وهم ما زالوا متدربين بالمهنة، بعضهم لم يدرب لاكتساب حرفية التعامل وتأمين النفس في بؤر الصراع، والتي في مقدمتها أن لا يكون في أيا من جوانب المتصارعين، الشرطة أو المتظاهرين، بل على مسافة أمنه من الجميع، حتي لا يكون مستهدفا من الطرف الأخر.
وتأتي مسئولية النقابة في تأمين الزملاء، بإلزام الصحف، بأن تتوقف عن الالقاء بالمدربين إلى الموت، وأن يشترط في من يغطي الأحداث الخطرة الاحترافية، وأن تضمن تامين الصحف على الصحفي بمبالغ لائقة ضد الإصابة والوفاة، وأن تتحمل المؤسسات، مسئولية توفير ملابس وخوذ واقية ضد الرصاص ، تسلم لم ستقوم بالتغطية، ويسلمها عقب انتهاء مهمته، وكذلك تكلفة التدريب الدائم.
ثم يأتي دور الجماعة الصحفية في الضغط على المؤسسات والنقابة والسلطة لتحقيق مطالبهم المشروعة، وفي مقدمتها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وفريق بحثي من الزملاء، للتحقيق في جرائم قتل الصحفيين، وما إذا كانت متعمدة، وخلفها تنظيم أو جماعة أو مؤسسات، أم أنها طلقات عشوائية طائشة، وتقديم الجناة للعدالة.
ومن المهم أيضا أن نعترف بأن بعضنا يرتكب أخطاء بالانحياز السياسي، وتبني موقف، فالصحفي لا ينبغي أن يسير في صفوف متظاهرين، أو أن يقف بجوار الشرطة، في لحظات الاشتباكات، رأيك مكانه مقال الرأي، لكن في التغطيات، في التغطيات الانحياز للحقيقة كما تراها على الأرض، وربما بعض المسيسين منا هم من يقفون خلف المتاجرة بدماء كل شهيد يسقط منا، لخدمة مصالحة السياسية.
أما مسئولية القتلة، فمجنون ذلك الذي يخاطبهم، هؤلاء يلاحقون ويقدمون للعدالة، وحتى يتحقق ذلك على مجلس نقابة الصحفيين الدعوة بأقصى سرعة لعقد مؤتمر عام لمناقشة، آليات الحماية وملاحقة القتلة، ووضع آليات تنفيذ ذلك وجدولة الزمني قبل أن نستيقظ على خبر شهداء جدد.
وعلى الرغم من حجم التحديات التي تواجه الوطن، والمهنة، والنقيب الزميل ضياء رشوان ومجلسه، نقدر ذلك، لكن على النقيب ومجلس النقابة، أن يختاروا ما بين أن يكونوا درع لحماية الصحفيين الذين منحوهم ثقتهم، أو مجرد مشيعين يشاركون في دفنهم ونعيهم واصدار بيانات الشجب والاستنكار !