بقلم : أيمن عبد المجيد
ما يحدث في أسوان، من مجازر راح ضحيتها 27 من أبناء الوطن، صفعة للدولة المصرية، لعلها تفيق من غفوتها، التي جاوزت نوم أهل الكهف، مخطأ من يفسر الحادث تفسير قشري دون الغوص إلى الجذور، بحثاً عن بذور الدم، وما طرأ من متغيرات على السيكولوجية المصرية، لتتحول الشخصية المصرية من التسامح والطيبة إلى الدموية.
في مثل هذه الأحداث الدامية، التي تهدد النسيج المجتمعي بالتمزق، وتنذر حال تكرارها بأخطار على الأمن القومي المصري، والأمة المصرية، التي تتحول تدريجياً من آمة متماسكة إلى فصائل سياسية تتخطى حدود التنافس الديمقراطي، إلى القفز في بئر الجماعات الموالية لزعامات دينية وشخصية دون مصالحها الدم، ثم من فصائل متناحرة إلى القبلية لتعود بالبشرية إلي سيرتها الأولى، حيث قانون الغاب، لتكون الغلبة للمخلب والناب.
في مثل هذه الكوارث، تنتفض الدول المتحضرة، بكل مؤسساتها، بحثية، ودينية، واجتماعية، وأمنية، للوقوف على الأسباب، وقياس مدى تفشيها في المجتمع، وإمكانات تفجرها، وتوقيتاتها، المحتملة، ودرجة الاستجابة للاشتعال، إذا ما حاولت أطراف داخلية، أو مخابرات خارجية، إشعالها لتحقيق أهداف محددة، ومن ثم العمل على إبطال تلك القنابل الاجتماعية والقبلية الموقوتة، واقتلاع الفتنة من جذورها.
وفي اعتقادي أن الفتنة المشتعلة بين قبيلتي، الهلايل والدابودية، معها تطرح كافة الاحتمالات، فمع احتمال وجود يد اشعلت النيران عن عمد، داخلية كانت أو خارجية، فأن المؤكد أن اليد التي أشعلت عود ثقاب المجزرة، لم تكن هي من هيأت تلك الأرض الهشة القابلة للاشتعال، فمن يلقي بعود ثقاب مشتعل، على أرض خرسانية صلبة، لا يبرح مكانه حتى ينطفأ ويرد إليه كيده، لكنها الأرض الهشة المفروشة بالحطب الجاف الخالي من الحياة هي فقط التي ترعى فيها النيران والأخطر أن كان المجتمع بلغ من الجفاف مرحلة الاشتعال الذاتي مع أقل احتكاك.
والسؤال هنا، هل تحول صعيد مصر إلى ''هيش'' هل جف ونزعت منه الحياة فبات قابل للاشتعال؟! وأن كان الأمر كذلك فمن الجاني؟
الإجابة للأسف نعم، والجاني حكومات مصر المتعاقبة، التي يرقى فشلها إلى مرتبة الخيانة العظمى عن جهل، فأهملت الحكومات صعيد مصر وسيناء عمدا، بما حول المساحة الأكبر في مصر، إلى أرض يرعى فيها الفقر، وينثر فيها بزور التعصب وترتخي فيها قبضة الدولة، فيبيع الفقير، ماشيته التي يقتات من حليبها، لشراء السلاح، ليحمي نفسه وعائلته حيث لا دولة تحمي ولا قانون يردع معتدي، حتى تحول اقتناء السلاح إلى ثقافة.
قد يقول قائل، وما ذنب الحكومات المتعاقبة وهذه الثقافة منذ مات السنين؟ والإجابة لا يا صديقي، ليس هكذا تقاس الأمور، فالإنسان بدا بدائي وتحضر تدريجيا، مع التنمية والتحول إلى مفهوم الدولة التي تتعامل مع المواطنين على حد السواء في الحقوق والواجبات، لكن حكوماتنا الرشيدة، تحول الإنسان المسالم بجهلها ونظرتها القاصرة إلى دموي، والدليل أمامك أهالي النوبة المسلمين الذين لم يسجل التاريخ حادث قتل لديهم، هجروا مع بناء السد العالي، وتركوا دون حل لمشكلاتهم، حتى تغيرت ثقافتهم، وامتلكوا السلاح عندما نقلوا الي بيئة جديدة ينتشر بها السلاح، والبداية تكون للحماية من خطر محتمل، ويتطور الامر لأسلحة ثقيلة.
كارثة إهمال تنمية الصعيد، اقتصاديا وثقافيا، انعكست على القاهرة، فالشباب يهرب في هجرة داخلية، يزحف إلى القاهرة، لانعدام فرص العمل هناك، وهربا من ثقافة العنف، فحدث تكدس سكاني بالقاهرة، وباتت على مقربة من الانفجار.
سيناء سدس مساحة مصر، بما يوازي 23 محافظة من تلك المؤهلة بالسكان، يعيش فيها فقط نصف مليون من 95 مليون، بلا تنمية، تركوا فريسة لاستقطاب الجماعات المسلحة والإرهاب، وتجار السلاح، فأصبحت بؤرة لإرهاب نرى جميعا يوما أثاره.
ماذا نحن فاعلون؟ المواجهة تتطلب دولة تضافر كافة الجهود، وفق استراتيجية قومية، يقودها محاربون، ضد الفقر والجهل، والسلاح المنتشر في ربوع مصر، تنطلق من التنمية المتوازية بكافة ربوع مصر مع التركيز على الأطراف المهملة من عشرات السنين والصعيد الذي يأن، وإلى جانب التنمية الاقتصادية، تكون المواجهات الفكرية، لفكر القبلية، وفكر العنف والتطرف الذي تتبناه الجماعات التكفيرية، لإصلاح الممكن، والتنمية الثقافية المتوازية مع ذلك لتحصين العقول المستهدفة، مع المعالجة الأمنية، بقطع رؤوس الفتنة بالقانون، ومحاصرة مافيا السلاح، وتحفيز من يسلم سلاحه بعوائد معنوية واقتصادية.
لكن قبل كل ذلك لابد من إرادة سياسية حقيقية، لإعادة بعث مصر من جديد، خالية من الإرهاب، والسلاح، والتطرف، وهذه الإرادة لن تحقق أهدافها، ألا بوضع ضمانات تشعر المواطن، بأن الجميع سواء امام الدولة، وأن السلاح لن يكون حتما ألا في يد مؤسساته الأمنية، فلن يكون مع خصمه القبلي، وأن الدولة قادرة على حمايته حال تعرضه لاعتداء، وأن الارتقاء سبيله الوحيد العمل الشريف، عندها لن يفكر أياً كان الثأر لنفسه، الدولة وحدها من تقتص للمظلوم من الظالم، فهل مرشحي الرئاسة قادرون على تقديم برامج مصحوبة بأليات تنفيذ لتلك الكوارث؟ علينا جميعاً أن نشارك في تقديم الحلول فالمصير مشترك ولا بديل عن استعادة مصر.. حفظ الله أرض الكنانة وأهلها.
ما يحدث في أسوان، من مجازر راح ضحيتها 27 من أبناء الوطن، صفعة للدولة المصرية، لعلها تفيق من غفوتها، التي جاوزت نوم أهل الكهف، مخطأ من يفسر الحادث تفسير قشري دون الغوص إلى الجذور، بحثاً عن بذور الدم، وما طرأ من متغيرات على السيكولوجية المصرية، لتتحول الشخصية المصرية من التسامح والطيبة إلى الدموية.
في مثل هذه الأحداث الدامية، التي تهدد النسيج المجتمعي بالتمزق، وتنذر حال تكرارها بأخطار على الأمن القومي المصري، والأمة المصرية، التي تتحول تدريجياً من آمة متماسكة إلى فصائل سياسية تتخطى حدود التنافس الديمقراطي، إلى القفز في بئر الجماعات الموالية لزعامات دينية وشخصية دون مصالحها الدم، ثم من فصائل متناحرة إلى القبلية لتعود بالبشرية إلي سيرتها الأولى، حيث قانون الغاب، لتكون الغلبة للمخلب والناب.
في مثل هذه الكوارث، تنتفض الدول المتحضرة، بكل مؤسساتها، بحثية، ودينية، واجتماعية، وأمنية، للوقوف على الأسباب، وقياس مدى تفشيها في المجتمع، وإمكانات تفجرها، وتوقيتاتها، المحتملة، ودرجة الاستجابة للاشتعال، إذا ما حاولت أطراف داخلية، أو مخابرات خارجية، إشعالها لتحقيق أهداف محددة، ومن ثم العمل على إبطال تلك القنابل الاجتماعية والقبلية الموقوتة، واقتلاع الفتنة من جذورها.
وفي اعتقادي أن الفتنة المشتعلة بين قبيلتي، الهلايل والدابودية، معها تطرح كافة الاحتمالات، فمع احتمال وجود يد اشعلت النيران عن عمد، داخلية كانت أو خارجية، فأن المؤكد أن اليد التي أشعلت عود ثقاب المجزرة، لم تكن هي من هيأت تلك الأرض الهشة القابلة للاشتعال، فمن يلقي بعود ثقاب مشتعل، على أرض خرسانية صلبة، لا يبرح مكانه حتى ينطفأ ويرد إليه كيده، لكنها الأرض الهشة المفروشة بالحطب الجاف الخالي من الحياة هي فقط التي ترعى فيها النيران والأخطر أن كان المجتمع بلغ من الجفاف مرحلة الاشتعال الذاتي مع أقل احتكاك.
والسؤال هنا، هل تحول صعيد مصر إلى ''هيش'' هل جف ونزعت منه الحياة فبات قابل للاشتعال؟! وأن كان الأمر كذلك فمن الجاني؟
الإجابة للأسف نعم، والجاني حكومات مصر المتعاقبة، التي يرقى فشلها إلى مرتبة الخيانة العظمى عن جهل، فأهملت الحكومات صعيد مصر وسيناء عمدا، بما حول المساحة الأكبر في مصر، إلى أرض يرعى فيها الفقر، وينثر فيها بزور التعصب وترتخي فيها قبضة الدولة، فيبيع الفقير، ماشيته التي يقتات من حليبها، لشراء السلاح، ليحمي نفسه وعائلته حيث لا دولة تحمي ولا قانون يردع معتدي، حتى تحول اقتناء السلاح إلى ثقافة.
قد يقول قائل، وما ذنب الحكومات المتعاقبة وهذه الثقافة منذ مات السنين؟ والإجابة لا يا صديقي، ليس هكذا تقاس الأمور، فالإنسان بدا بدائي وتحضر تدريجيا، مع التنمية والتحول إلى مفهوم الدولة التي تتعامل مع المواطنين على حد السواء في الحقوق والواجبات، لكن حكوماتنا الرشيدة، تحول الإنسان المسالم بجهلها ونظرتها القاصرة إلى دموي، والدليل أمامك أهالي النوبة المسلمين الذين لم يسجل التاريخ حادث قتل لديهم، هجروا مع بناء السد العالي، وتركوا دون حل لمشكلاتهم، حتى تغيرت ثقافتهم، وامتلكوا السلاح عندما نقلوا الي بيئة جديدة ينتشر بها السلاح، والبداية تكون للحماية من خطر محتمل، ويتطور الامر لأسلحة ثقيلة.
كارثة إهمال تنمية الصعيد، اقتصاديا وثقافيا، انعكست على القاهرة، فالشباب يهرب في هجرة داخلية، يزحف إلى القاهرة، لانعدام فرص العمل هناك، وهربا من ثقافة العنف، فحدث تكدس سكاني بالقاهرة، وباتت على مقربة من الانفجار.
سيناء سدس مساحة مصر، بما يوازي 23 محافظة من تلك المؤهلة بالسكان، يعيش فيها فقط نصف مليون من 95 مليون، بلا تنمية، تركوا فريسة لاستقطاب الجماعات المسلحة والإرهاب، وتجار السلاح، فأصبحت بؤرة لإرهاب نرى جميعا يوما أثاره.
ماذا نحن فاعلون؟ المواجهة تتطلب دولة تضافر كافة الجهود، وفق استراتيجية قومية، يقودها محاربون، ضد الفقر والجهل، والسلاح المنتشر في ربوع مصر، تنطلق من التنمية المتوازية بكافة ربوع مصر مع التركيز على الأطراف المهملة من عشرات السنين والصعيد الذي يأن، وإلى جانب التنمية الاقتصادية، تكون المواجهات الفكرية، لفكر القبلية، وفكر العنف والتطرف الذي تتبناه الجماعات التكفيرية، لإصلاح الممكن، والتنمية الثقافية المتوازية مع ذلك لتحصين العقول المستهدفة، مع المعالجة الأمنية، بقطع رؤوس الفتنة بالقانون، ومحاصرة مافيا السلاح، وتحفيز من يسلم سلاحه بعوائد معنوية واقتصادية.
لكن قبل كل ذلك لابد من إرادة سياسية حقيقية، لإعادة بعث مصر من جديد، خالية من الإرهاب، والسلاح، والتطرف، وهذه الإرادة لن تحقق أهدافها، ألا بوضع ضمانات تشعر المواطن، بأن الجميع سواء امام الدولة، وأن السلاح لن يكون حتما ألا في يد مؤسساته الأمنية، فلن يكون مع خصمه القبلي، وأن الدولة قادرة على حمايته حال تعرضه لاعتداء، وأن الارتقاء سبيله الوحيد العمل الشريف، عندها لن يفكر أياً كان الثأر لنفسه، الدولة وحدها من تقتص للمظلوم من الظالم، فهل مرشحي الرئاسة قادرون على تقديم برامج مصحوبة بأليات تنفيذ لتلك الكوارث؟ علينا جميعاً أن نشارك في تقديم الحلول فالمصير مشترك ولا بديل عن استعادة مصر.. حفظ الله أرض الكنانة وأهلها.



