رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
 
في الثامن والعشرين من أبريل الماضي فوجئنا بالرئيس السوري بشار الأسد ينفذ خطته الانتقالية الخاصة، والمتمثلة في ترشحه لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات كرئيس للبلاد، في الانتخابات التي بدأت في الثالث من يونيو الجاري، وكله أمل في أن يدعمه البرلمان.
 
يأتي ذلك في ظل دعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي طوال الفترة الماضية لمحادثات السلام في جنيف؛ بحثًا عن حل يتوصلون من خلاله إلى انتقال سياسي يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، ووضع حد للحرب الطاحنة بين النظام الذي يهيمن عليه العلويون برئاسة الأسد والمعارضة التي يهيمن عليها السنّة والأكراد.
 
والسؤال المطروح الآن: «أي تنازلٍ سيقدمه الأسد إلى معارضيه، بعد أن حاول القضاء بالسلاح على أكبر ثورة عرفتها البلاد، فضلاً عن أن في ذمّته أكثر من 150 ألف قتيل و680 ألف جريح، ومشردين ناهزت أعدادهم نصف سكان البلاد البالغين 23 مليون نسمة؟»!!
 
في رأيي، إن ما حدث مجرد «استفتاء» جعله الرئيس السوري «انتخابات رئاسية»، كما أنه لن يختلف كثيرًا عن تلك الاستفتاءات الشعبية – الانتخابات - التي أجراها الأسد سابقًا، وآخرها ما جرى في العام 2007، والتي فاز فيها بنسبة 97.62 في المئة من الأصوات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لن يتم السماح للمراقبين الدوليين بدخول البلاد، بالإضافة إلى أن قانون الانتخابات السوري يمنع ترشيح الأشخاص الذين لم يقيموا في سوريا خلال السنوات العشر الماضية؛ الأمر الذي يستبعد الكثيرين من أفراد المعارضة المنفيين والناشطين في «الائتلاف الوطني السوري».
 
وأؤكد أن إعادة انتخاب بشار الأسد، تُشكل في الحقيقة جزءًا من استراتيجيته الكبرى للإطاحة بالخطة التي يدعمها المجتمع الدولي للتوصل إلى حل تفاوضي للأزمة السورية ذات المنحى الطائفي المتعاظم، حتى يتمكن لاحقًا من فرض حلٍّ قسري وفقًا لما يتماشى مع شروطه.
 
غير أن العقبة التي ستواجه الأسد في هذا الشأن تتمثل في إنه يفتقر إلى القوات اللازمة لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية والاحتفاظ بها، ما لم يعمّق حلفاؤه انخراطهم إلى درجة مكلفة إلى حدٍّ كبير، وطالما أن ما يسمى بـ«فوج إيران الأجنبي» لم يحتّل سوريا بالكامل، فلن توافق المعارضة ومؤيدوها في المنطقة على انتقال مخادع يكون فيه القرار بيد بشار الأسد وحلفائه الإيرانيين.
 
وإذا ما فكرنا فيما سينتج عن ذلك؛ نجد أن النتيجة في الغالب ستكون عبارة عن قيام دولة منهارة ومفككة تشمل مناطق خاضعة للنظام ومناطق سنّية عربية وأخرى كُردية، وجميعها ملاذات للجماعات التي تم تصنيفها كـ«إرهابية» في الشرق الأوسط، كما أن الأجواء الإقليمية المتوترة بين إيران والعرب، بالإضافة إلى الفتور العميق في العلاقات بين روسيا وواشنطن، يؤكد لنا أن الحلول الدبلوماسية لن تجدي نفعًا للحد من تفاقم تلك الأزمة.
 
وعطفًا على مسبق، سينتج أيضًا انتشار حرب بالوكالة في الشرق الأوسط بين إيران والدول العربية يكون مركزها سوريا، والتأكيد للحكام المستبدين على أن المذابح الجماعية تُجدي نفعًا أكثر من أي حلٍ آخر يمكنهم من السيطرة على مقاليد الحكم، وهذا ما سيزيد من حيرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشأن مدى التزام بلاده بمبادئها الخاصة بالسياسة الخارجية وباتفاقياتها الدبلوماسية، وتردده كذلك بشأن اتخاذ قرار بالتدخل العسكري بمعاونة حلفائه الإقليميين، القرار الذي يكبّد الولايات المتحدة تكاليف باهظة، فضلاً عن نتيجته غير المؤكدة بالنسبة لواشنطن.
 
نذكر أنه في بداية العام 2012، لم يهتم العرب والغرب بالتعديلات التي أدخلها نظام الأسد على الدستور لإجراء الانتخابات الرئاسية، حيث كان اهتمامهم منصبًّا على خطة «كوفي عنان» ذات الخمس نقاط لإنهاء الأزمة، وبفشل تلك المساعي، لجأت الولايات المتحدة وروسيا للتفاوض بشأن بيان جنيف لعام 2012، وفي ذلك الوقت، بدا وبكل تأكيد أن نظام الأسد يحتضر، فما كان أمام المفاوضين الغربيين إلا تخفيف حدة لغة النص بشأن مصير الأسد؛ للتغلب على النقض الروسي في الأمم المتحدة.
 
وبدلاً من أن تطالب الولايات المتحدة بـ«تنحي» الأسد كجزء من عملية الانتقال، وجدناها توافق على تشكيل «هيئة انتقالية حاكمة» ذات «صلاحيات تنفيذية كاملة» تتم بـ«الاتفاق المتبادل» و«يمكن أن تضم أعضاءً من الحكومة الحالية والمعارضة وجماعات أخرى»، إلا أن الأمريكيين عرقلوا بند «الاتفاق المتبادل» حينئذٍ، باعتبار أنه يمنح المعارضة حق نقض مشاركة الأسد في الهيئة، وبرفضهم استبعاد الأسد عن المشهد، فضلاً عن الفشل في تحديد أي من المجموعات المعارضة التي يتوجب عليها الموافقة على «الهيئة الانتقالية الحاكمة»، فإن الاتفاق منح موسكو الحق في نقض العملية، كما أتاح للأسد المماطلة لكسب المزيد من الوقت. وهذا هو تمامًا ما فعله.
 
وفي العام الماضي، وبعد أن أطلق الأسد عملية لمكافحة العصيان كان من شأنها أن تقضي على الجزء الأكبر من المعارضة، أعلن رفضه التفاوض حول قيام «هيئة انتقالية حاكمة»، ووصل به الحد إلى وضع مفاوضي المعارضة على لائحة الإرهاب، كما زاد الأسد من قصف قواته لمناطق المعارضة بالبراميل المتفجرة - والتقارير القادمة من سوريا تشير إلى أن الفترة التي شهدت أكبر نسبة قتل خلال فترة النزاع بأكملها وقعت خلال محادثات جنيف - كذلك فإن روسيا التي تعهدت بإشراك النظام في المناقشات حول «الهيئة الانتقالية الحاكمة»، نراها اليوم قد أحجمت بشكل مفاجئ عن ذلك.
 
وفي حال فوز الأسد بفترة رئاسية ثالثة، أعتقد أنه سينفذ تصريحاته السابقة التي قال فيها إنه لن يتعامل سوى مع الأطراف التي تملك «أجندة وطنية» في الانتخابات المحلية والبرلمانية القادمة، وهذا وإن دلّ فإنما يدل على أنه لن يستبعد «الائتلاف الوطني السوري» فحسب، بل سيُقصي أيضًا الجماعات المسلحة الأخرى التي تسيطر على مناطق واسعة من الأراضي السورية التابعة للمعارضة، أما المعارضة المقبولة من الأسد والتي سيتعامل معها فتشمل الجماعات الموجودة في المناطق الخاضعة للنظام والتي يتم التساهل معها منذ سنوات.
 
غير أن منطق الأسد هذا سيتصادم حتمًا مع الواقع الصعب للتركيبة الديمجرافية للشعب السوري؛ حيث إن السُّنة يفوقون العلويين عددًا في الوقت الحالي، لذلك، في حال اكتفاء الرئيس السوري بطرح خطة إصلاح فاشلة في برنامجه الانتخابي كخطوة انتقالية، إلى جانب إعطاء الوعود بسخاء اقتصادي سيسبب له المشاكل، فهناك احتمال ضئيل بأن يتمكن نظامه من قمع المعارضة السُّنية بقوة السلاح، إلى الحد الذي من شأنه أن يحقق الاستقرار ويعيد توحيد البلاد.
 
أما الأسوأ من كل ذلك بالنسبة للمعارضة السورية المفككة، هو أن ما فاوضت عليه روسيا في بيان جنيف لعام 2012 بشأن تشكيل «هيئة حاكمة انتقالية» من خلال «الاتفاق المتبادل» قد يعني على أرض الواقع أن قوى المعارضة التي تستسلم للأسد ستشكل في النهاية قاعدة الأساس لهذه الهيئة.
 
وهنا أجد أن إدارة أوباما التي قررت عدم دعم المعارضة السورية بالأسلحة الفتاكة أو بالتدخل العسكري المباشر، وفضلّت اللجوء إلى التواصل مع كبار الداعمين لنظام الأسد في إيران، قد توافق على انتقال سياسي مماثل، كما قد تحذو حذوها الحكومات الأوروبية المتخوفة من تزايد أعداد الجهاديين في صفوف المعارضة السُّنية.
 
وإذا ما أقدمت الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، على ردع الأسد بشنّ هجمات صاروخية على مطارات النظام؛ فإن ذلك سيكون خطًأ فادحًا، حيث إنه من المؤكد أن الأسد و«فيلق إيران الأجنبي» سيتمكنون من تحقيق ولو نصر جزئي في سوريا في الوقت الحالي، ما يجعل الأمر - من جانب آخر - أكثر صعوبة على البيت الأبيض في محاولاته الحثيثة على احتواء إيران وضمان المزيد من التنازلات في برنامجها النووي، إلا أن الأهم من ذلك هو أنه من المحتمل أن يُشعل ذلك حربًا إقليمية طائفية بالوكالة يكون محورها سوريا، فضلاً عن أن دول الخليج بما فيها «المملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت» تشعر بقلق عميق من نفوذ طهران المتعاظم ومن مطامعها النووية، وتبدو ملتزمة بمحاربة «فيلق إيران» حتى آخر «رمق سوري»، وهذا ما حفّز بعض مواطني تلك الدول إلى مناصرة ناشطين في تنظيم «القاعدة» في سوريا من ذوي التطلعات العالمية.
 
 
لذا فإن إدارة أوباما لجأت مؤخرًا إلى تقديم دعم فتاك أكبر للمعارضة المعتدلة، وهي الطريقة الأكثر فعالية والأقل تكلفة بالنسبة لها لاحتواء تقدم الأسد، فضلاً عن نفوذ الجهاديين، فبينما يسرّع نظام الأسد عمليات شحن الأسلحة الكيميائية إلى الساحل السوري، فإن صواريخ «تاو» أمريكية الصنع المضادة للدبابات تشق طريقها بشكل متزايد إلى المقاتلين المعتدلين في المعارضة السورية، الذين يخضعون للتدقيق من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية.
 
تم نسخ الرابط