بقلم : مصطفي الأسواني
في السادس من يونيو الجاري، شنّ تنظيم «الدولة الإسلامية بالعراق والشام»، أو ما يعرف إعلاميًا بـ«داعش»، ذلك التنظيم المُدرج على قائمة الإرهاب، هجماته الشرسة على مدينة الموصل، حتى تمكن من احتلالها بالكامل في التاسع من الشهر ذاته، ووقع سكان ثاني أكبر مدينة في العراق، البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة تحت سيطرته.
هذا التاريخ كانت قد وثّقته وسائل الإعلام المختلفة باعتباره بداية لعمليات «داعش» الإرهابية في العراق، غير أن ذلك التنظيم وأسلافه لطالما تواجدوا سرًا في مدينة الموصل قبل ذلك الوقت بكثير، وقاموا بعمليات مختلفة؛ شملت جمع التبرعات عبر شبكات الجريمة المنظمة، كما باشروا هجماتهم بعمليات «تقصّي» مُعمقة أجرتها فصائل المقاتلين السُنّة عند الأطراف الشمالية والغربية للمدينة، وسرعان ما تعاظم هذا الهجوم شأنًا وحجمًا؛ حتى تمكنوا من السيطرة العلانية على شوارع المدينة، ودخلوا في نزاعات مع القوات الحكومية في الأحياء ذات الأغلبية العربية إلى الغرب من نهر دجلة.
والأسوأ -في نظري- من احتلال قوات «داعش» لمدينة الموصل، هو سيطرتها على محيط المطار الدولي والقاعدة الجوية العسكرية في المدينة، ونجاحها في الاستحواذ على ما يزيد عن 200 مركبة مدرعة زودتها الولايات المتحدة، فضلاً عن كميات كبيرة من الأسلحة؛ ما يعزز قدراتها بشكل كبير في العراق وسوريا على حد سواء.
جدير بالذكر، أن تنظيم «داعش» الذي كان يُعرف فيما مضى بتنظيم «القاعدة في العراق»، هو جماعة قتالية بقيادة عراقية تجنّد انتحارييها بشكل رئيسي من المتطوعين الدوليين، أما جنودها المُشاة فتجمعهم من العراق وسوريا، في حين تأتي أموالها بالدرجة الأولى من مجموعة محلية من جماعات الجريمة المنظمة، وكان تنظيم «داعش» قد استغل الأزمة السورية الطاحنة ليعزز قوته، ويؤكد استقلاليته عن القيادة العليا لـ«تنظيم القاعدة» في باكستان، التي تنصلت منها في أبريل 2013.
ولمن لا يعلم؛ فإن أهم التطلعات التي يسعى إليها تنظيم «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» يكمن في العراق، حيث إن الغالبية العظمى من قيادات وعناصر هذا التنظيم تحمل الجنسية العراقية، بمن فيهم أمير الجماعة أبو بكر البغدادي.
وسيطرة «داعش» على مدينة الموصل يجعل ذلك التنظيم مسؤولا عن العاصمة السياسية والاقتصادية المزدهرة للمجتمع العراقي العربي السُنّي، وهذه غنيمة ذات قيمة هائلة بالنسبة له، كما أن «داعش» تخوض هذه الحرب حتى تتمكن من تحقيق حلمها، الذي أوشكت بالفعل وبشكل خطير من تحقيقه، بإعادة الخلافة الإسلامية الممتدة من الساحل اللبناني المُطل على البحر المتوسط حتى جبال زاغروس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتستعين «داعش» في حربها لاحتلال العراق بمقاتلين تدربوا في ساحات المعارك السورية المحتدمة حاليًا، وفي الساحات العراقية وقتما كانوا يقاومون الغزو الأمريكي للعراق سابقًا؛ ما مكنّها من شق طريقها بسهولة نحو الأحياء الغربية في مدينة الموصل، منطلقة من الصحراء السورية-العراقية المعروفة باسم «بادية الجزيرة»، والتي تقع بين دجلة والفرات، كما استغل تنظيم «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» ضعف سيطرة الحكومة العراقية على «البادية» في إدخال مئات المقاتلين من العراق وسوريا إلى معركة الموصل.
وفي حين أن قوام قوات «داعش» التي احتلت مدينة الموصل يتراوح ما بين 400 و800 مقاتل، إلا أنها أحسنت استغلال عنصر المفاجأة والعدوانية في تحطيم معنويات الشرطة العراقية -شبه العسكرية- والقوات المسلحة في الموصل خلال ثلاثة أيام فقط من المعارك الضارية؛ حيث إن «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» كانت قد واجهت في حربها هذه قوات حكومية تبلغ 15 ضعف حجم قواتها، وتمكنت من هزيمتها شرّ هزيمة.
ورغم قلة عدد قوات «داعش»، إلا أن الموصل شمالي العراق صارت مدينة أشباح، تتراكم فيها الآليات العسكرية المدمرة في شوارع مقفرة، وتتناثر فيها البزّات العسكرية مبعثرة خارج مراكز الشرطة التي تم نهبها وتدميرها بالكامل، فضلاً عن مئات آلاف المدنيين الذين فروا خوفًا على حياتهم.
كل ذلك حدث في غضون أيام معدودة، ومن المؤكد أن تتكرر نفس المشاهد في عشرات المدن الشمالية الأخرى التي وقعت في أيدي «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» وغيرهم من المتمردين الإرهابيين.. حفظ الله العراق وأهله من كل سوء.



