بقلم : أيمن عبد المجيد
بصوت مبحوح يخنقه الحزن، وجسد نحيف انهكته المعاناة، وعينان تغلب عليهم الحمرة من أثر ما شاهدتاه من دماء وأشلاء، وقلب اضعفه الخوف من المجهول، وسرعة الخفقان مع أقتراب كل قذيفة من مكان يتجول فيه الجسد، فيسلم الله، قال: "منهم لله كان بمقدورنا أن نعبد هذا الطريق بالذهب، لولا حكامنا والحروب التي ألتهمت شبابنا وأعمارنا وشيوخنا وأطفالنا، ثم صمت برهة واغرورقت عيناه بالدموع فاختنق صوته"..
تذكرت كلمات هذا المواطن العراقي سائق التاكسي، الذي ألتقيته في بغداد عام 2011، والذي عاود الحديث بعد أن ألتقط أنفاسه عن أخطاء صدام حسين الذي اقحم البلاد في حرب مع إيران 8 سنوات، تلاها حربه مع الكويت، ما منح الأحتلال الأمريكي زريعة لأحتلال العراق وتدميره، ونهب ثرواته، وتركه ساحة للصراع الطائفي.
تلك الجدران الخرسانية التي تحيط بالمنطقة الخضراء وحواجزها الأمنية، قريبة الشبه من الجدار العنصري الذي أقامه الإحتلال الفلسطيني لتمزيق جسد الدولة الفلسطينية، رأيت هذا الجدار في زيارتي لرام الله الفلسطينة عام 2013 والعام الحالي، ما زالت عينا الشيخ الفلسطيني المرابط في الخليل، المكسوتان بالحزن ومرارة الإحتلال والحصار تمثل أمامي، كلماته شكواه من ضيق العيش وأصراره على الصمود والمقامة بالتشبث بالأرض، الأم الفلسطينية التي تحمل بين زراعيها طفل لم يتجاوز الثلاثة سنوات سعيده بانها تمكنت من انجابه من أسير رغم أنف الأحتلال بتهريب النضفه، الأم التي جاوزت الثمانين عاماً وتحمل بين زراعيها صورة أبنها الأسير الذي بترت قدماه في سجون الإحتلال الصهيوني، تتألم وتسأل كيف يقضي حاجياته وهو أسير منزوع القدمين؟!، ابنها الرجل البطل ابن الخمسين ربيعاً تراه ما زال طفلاً بعد إعاقته يحتاج رعاية، الأب الذي يقبل جمجمة نجله الأسير الذي لم يرحمه الاحتلال بعد وفاته بل اسر جثمانه في مقابر الأرقام ثلاثين عاما، اليوم يقبل الشيخ الهرم جمجمة ابنه بعد أن تسلم رفاته، ما أقذرها الجرائم الصهيونية بحق الأنسانية لكن ضمير العالم غائب.
سوريا دمشق والرقة واللازقية وحلب، ودير الزور، طريق الحرير، المساجد والأديرة، دير القديسة دميانة، تلك المدن والمعالم التي ابهرني جمالها عند زيارتها في العام 2009 اتحسر عليها عندما أراها الآن مجرد ركام، الأطفال التي تشبه الملائكة بين لاجئين ومهجرين وأشلاء، ما زلت أتذكر تلك الصحفية الشابة التي كانت تشكوى قمع النظام السورى، وبطشه الأمني وإغلاقة لمواقع التواصل الاجتماعي بدعوى أن شخص زور صفحة باسم الرئيس بشار الأسد، أتذكر كيف خطب رئيس الوزراء ناجي عطري عن دول الممانعة ودول الموالاة قاصدا بالأخيرة مصر والسعودية وكيف غضب عندما سألته كيف تتحدث معالي رئيس الوزراء عن ممانعة بأسم القومية العربية وسوريا تتحالف مع إيران ذات المشروع الفارسي المناهض للقومية العربية؟!
اتذكر السودان حين تسير على طرقات رئيسية بالقرب من الخرطوم فلا تجد بها عمود أنارة واحد، وبنيتها الاساسية المنهارة وتفشي الفقر وباعة الشاي في الطرقات، وهي البلد المكتظة بالثروات، الأرض الزراعية والموارد المائية والذهب الذي ينقب عنه المواطنون على سطح الأرض بالفؤس فيجمعون منه الكثير، ومع ذلك أوجاع المواطن لاتنتهي، بسبب فشل الإدارة الحاكمة والحروب الأهلية وانفصال الجنوب مؤخرا.
ليبيا التي كانت توفر فرص عمل لملايين العرب، باتت دولة فاشلة، يتنازع ثرواتها المليشيات المسلحة وتعبث بها أجهزة المخابرات، بعد أن خطط لها أن تصل لذلك، وتوفير السلاح الذي ألقت بأطنان منه قوات حلف الناتو، لتكون بؤرة ملتهبة على حدود مصر الغربية، وحدود الجزائر وتونس، ومفرخة لتصدير الأرهاب لدول الجوار.
مصر وثرواتها وشبابها الذي يموت غرقاً في المحيطات، بحثاً عن رزق في بلد أخر بعد أن ضاقت به السبل، سيناء الكنز المهمل التي تركت بلا تنمية لتكون نهبا لرجال مال شركاء لنظام مبارك، ثم مأوى للإرهاب الذي تلقى دعماً من محمد مرسي الرئيس الإخواني.
ما أكثرها أوجاعنا العربية، وما أخطرها التحديات التي تواجه هذا الوطن، وما أقواها مصر التي صدت الهجمة واحبطط مخطط تحويل الصراع العربي الصهيوني إلي صراع طائفي سني شيعي، بدعم وصول الأخوان لحكم مصر كرأس حربة في مقابل ايران رأس الحربة الشيعية ثم تقسيم سوريا بين سنه وعلويين والعراق على اساس طائفي ولبنان وغيرها من البلدان، لكن فشلهم في مصر دفعهم للنفاذ للعالم العربي من بوابة أضعف فكانت داعش العراق والشام، والخطر ما زال قائم.
عند استحضار كل هذه الصور والمشاهدات أجد رابط قوي بينها، من يديرها أجهزة معادية للشعوب العربية تعلم ماذا تفعل وماذا تريد، وما يسهم في انجاح تلك المخططات المعادية، فشل الأنظمة العربية الحاكمة منذ السبعينيات، والدكتاتوريات التي خلقت بيئة حاضنة للتطرف واغلاق سبل التداول السلمي للسلطة وقتل الأمل في نفوس الشباب، فلم تجد الشعوب بديلاً عن الثورة، وعقب الثورات وجدت الشعوب ساسه فشله وأحزاب مدنية هشه، فيما وجدت المخابرات الدولية المتربصة الفرصة سانحة لتدفع بالتكفيريين، فهل حان الوقت لكي نفيق.
للمرة الألف ما يحدث بالمنطقة العربية مخطط، يقف خلفه مخابرات دولية في مقدمتها الموساد والسي أي أيه، تجند شخوص من العرب وتلبسهم الجلباب وتطلق لهم اللحي، وتدربهم على الخطاب الديني التكفيري، واساليب الاستقطاب والسيطرة على الاتباع، ويتولون هم مسؤلية التجنيد مع توفير كافة الامكانيات من اموال وسلاح واساليب هروب وانتقال من البلدان المختلفة للتجمع، وينساق الجهلة باسم الجهاد للانضمام لتنظيمات تكفيرية، لنرى ما نراه الآن من داعش واخواتها.
فيحقق الموساد وحلفاءه بذلك اهداف خلق قتال داخلي بالدول العربية، وتشويه الاسلام، واضعاف الدول العربية لتصل لمراحل الا دولة كما في ليبيا والعراق، ثم تتولى تلك الاجهزة ادارة الصراع ومتغيراته لتستمر هي في بيع السلاح وغيرها من الأهداف وكل ذلك هدفه الأكبر حماية الكيان الصهيوني، ثم بعد انهاك الدول تبدأ يبدأ الكيان الصهيوني بمباركة غربية في التمدد واحتلال دول الجوار بمباركة دولية غربية ودعم بزعم حماية الكيان الصهيوني المسمى اسرائيل من الأرهاب.
وتحقق ذلك المخطط، للمرة الألف أيضاً، يساهم فيه فساد الانظمة السابقة وغلق قنوات التداول السلمي للسلطة وانهيار الثقافة وتفشي البطالة ما خلق بيئة تسمح بانتاج عقول خربه ذات فهم مشوه للدين، تلك العقول الخربة واليائسة من وجود اصلاح حقيقي مادة خام يستقطبها التكفيريين عملاء الغرب.
لذلك الحماية تأتي من اصلاح وتقوية الجبهة الداخلية باصلاحات حقيقية وفي نفس الوقت التوعية والادراك لحقيقة ما يحاك للعالم العربي من مخططات، ولن تقوى دولة واحدة على المواجهة بمفرها، لذلك نحتاج تحرك عاجل وسريع من جميع الدول العربية أو غلبيتها بقيادة مصرية، فمصر الآن في مرمى النيران وهي العمود الفقرى للعرب، وبقوتها تقوى المنطقة.. وللحديث بقية أن كان في العمر بقية.



