تحدثنا في المقال السابق عن «ثقافة الثأر»، وكيف أن رسوخ تلك العادة في صعيد مصر ينهض على تراث هائل لا يقتصر على التراث المعروف أو المحفوظ في الكتب التاريخية أو الفنون الشعبية، وأن ذلك التراث يحمل ما لا حصر له من الحكايات غير المعروفة، إذ لكل قرية من القرى حكاياتها المرتبطة بالثأر والتي تنبع من أحداث حقيقية هي الأهم في حياة كل قرية، والأكثر حضورًا في مجالسها، فالواقعة التي نقرأ عنها خبرًا في عدة أسطر صغيرة، تشغل مساحة هائلة في حياة الجماعة المحيطة بمكانها، وهنا يتحول فيها الأفراد إلى مؤرخين ورواة شعبيين لا يتوقفون أبدًا عند تناقل الخبر، بل ويحيطونه بالكثير من التفاصيل والتصورات والتخمينات والمتابعات لسير أبطال الواقعة من الطرفين، واستدعاء كل ما له علاقة بالثأر في ذاكرة تلك الجماعة، وهكذا تتحول الواقعة الجديدة إلى نبع جديد يُثري ويجدد ثقافة الثأر ويمد جذورها في أعماق الأجيال الصاعدة.
وفي مقالي هذا سأحدثكم عن العادات الأخرى التي نتبعها في الصعيد عندما تقرر عائلة أو قبيلة الارتضاء بالصلح وعدم الأخذ بالثأر، حيث إن هناك ما يسمى بـ«القودة»، وتعني أن «القاتل قد اقتيد لأهل القتيل ليفعلوا به ما شاءوا»، وهي إحدى العادات التي ما تزال تتغلغل داخل أركان البيت الصعيدي، ونتوارثها جيل بعد جيل، حيث إنها بمثابة القانون العرفي الذي ارتضاه الأهالي في بلادي حقنًا للدماء، وفيه أيضًا إرضاء لأهل القتيل، وردمٌ لحفرة الدم بين العائلتين.
«القودة» تُعني الحياة أيضًا، رغم أنها في الواقع «حقيقة للموت المُتعمّد»، والتي تأخذ شكل الأمل والاستمرار في الرضوخ لأحكام من يقبل الصلح، ونادرًا ما يتم اللجوء إليها في حال لم يُستدل على القاتل الحقيقي، فتقوم العائلة المعتدية بتقديم شخص يرتضي أن يجود بنفسه لوقف الثأر بين العائلتين.
وتختلف طرق تنفيذ «القودة» في الصعيد باختلاف القبائل هناك، حيث نجد أن قبيلة «العبابدة» -نسبة إلى عبد الله بن الزبير- عند تنفيذها لتلك العادة، تجبر القاتل على أن يتعرى تمامًا ومن ثمّ يُلّف في كفنه حافي القدمين حليق الرأس، بعد ذلك يُجّرُ من رقبته مسافة ثلاثة كيلومترات تقريبًا سيرًا على الأقدام حتى يصل إلى ديوان عائلة القتيل، وكانت هذه الطريقة الأكثر شيوعًا في الصعيد حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، وفيها يُجبر القاتل أيضًا على التخلي عن قبيلته والانضمام إلى قبيلة القتيل بعد إنهاء مراسم الصلح؛ لأنه المتسبب في فقدان تلك القبيلة لأحد أبنائها، لذلك عليه أن يملأ فراغ القتيل، بل وكانوا يجبرونه على الزواج منهم ويعطونه ما يتعايش منه، ويصبح ملكًا لهم، ويُدفن في مقابرهم فيما بعد، ويأخذون بثأره أيضًا إذا قُتل.
والطريقة الثانية التي تنفذ بها «القودة»، والتي ما تزال متبعة حتى الآن في مناطق من إقليم ادفو التابع لمحافظة أسوان وبعض قرى محافظة قنا، يتم فيها إجبار القاتل على أن يرتدي جلبابًا أسود، ويشترط في الجلباب أن يكون قصيرًا، أي لما فوق الرُكبة، ويأتي القاتل حافي القدمين حليق الرأس مجرورًا من رقبته حتى يصل إلى ديوان عائلة القتيل، ولا يتم تزويجه من أهل القتيل؛ نظرًا لما تلك القبائل في هذه المناطق من مكانة اجتماعية وعادات معينة لا تسمح لبناتها الزواج من غرباء لا ينتمون لنفس القبيلة، ولكنهم يسمحون للقاتل أن يُقيم عندهم دون اختلاط بهم، ولا يتم دفنه في مقابرهم أيضًا.
أما الطريقة الثالثة لتنفيذ «القودة» والتي تسمى بالطريقة «الدندراوية» في محافظة قنا، وفيها يُجبر القاتل على أن يرتدي الجلباب الأسود مقلوبًا، ويأتي مجرورًا من رقبته حتى يصل إلى ديوان أهل القتيل، وأن يكون حافي القدمين أيضًا، وفور أن يصل القاتل إلى أهل القتيل ويقف أمامهم، يقوم وليُّ الدم بإعدال الجلباب الأسود للقاتل؛ باعتبار أن ذلك يُعد تجسيدًا لإعدال هيئة وحالة القاتل من الموت المحقق الذي كان ينتظره إلى الحياة والأمل في البقاء على قيد الحياة.
ومع مرور الزمن، أصبح معظم الأهالي في بلادي يتبعون الطريقة الرابعة والأخيرة في تنفيذ «القودة»، والتي اتسمت بأنها أكثر احترامًا لحياة الإنسان، ومراعاة لمظهر القاتل الحسي الظاهر للعيان وحالته النفسية وهو مقبلٌ إما على الموت أخذًا بالثأر منه أو العفو عنه من قِبل أهل القتيل وقت إقامة الصلح، ويأتي القاتل حاملاً كفنه في ذلٍّ وخضوع ويقدمه لأهل القتيل.. وبهذا يتوقف الثأر.